“نساء في الظل”: من الطب إلى تحرير المرأة



يفيض أرشيف معهد الدراسات النسائية في الجامعة اللبنانية الأميركية ومجلة “الرائدات” التابعة له بأسماء لامعة لتاء التأنيث، شكّلت مثالاً أعلى يحتذى به، رغم أن كل واحدة عملت بصمت من دون ضجة إعلامية أو مِنّة أو غاية مباشرة سياسية كانت أو انتخابية.

في ملف الرائدات، إسم لامع لأول طبيبة في لبنان، هي الدكتورة سنية حبوب. وقد خص النادي الثقافي الإسلامي محطة خاصة في 19 أيار 1982 للاحتفال بمرور 50 عاماً على ممارسة حبوب مهنة الطب.

أول طبيبة

الدكتورة سنية حبوب.( أرشيف -النهار)

من هي سنية حبوب؟ هي أول امرأة لبنانبة تقرر مغادرة وطنها الأم سعياً وراء فرصة دراسة الطب. واستعاد المقال المنشور عنها بدايات طموحها المدرسي، والذي شقت منه طريقها، حيث تلقت العلم في مراحله الابتدائية والثانوية في “الأميركان سكول للفتيات” لتنتقل في دروسها الجامعية الى “الأميركان جونيور كولدج” للفتيات (المعروفة بكلية بيروت الجامعية، قبل أن تصبح اليوم الجامعة اللبنانية الأميركية).

استحقت حبوب فرصة الالتحاق بالجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الطب، بعد أن كانت من الثلاثة الأوائل، الذين تخرجوا من “الأميركان جونيور كولدج للفتيات” في العام 1925. لكنها قررت طوعاً أت تكمل دراستها في الولايات المتحدة الأميركية لأنها لم تتمكن من مجاراة العقلية المحافظة جداً أو الضيقة السائدة في الجامعة الأميركية في بيروت، ولاسيما لجهة انخراط الفتيات في مجتمع جامعي بغالبية ذكورية.

التخصص والغربة

من بيروت إلى بلاد “الأنكل سام”. نالت حبوب شهاداتها في علم الطب من جامعة ويستيرن، وانتقلت الى جامعة فيلادلفيا لتكمل تخصصها في الطب النسائي. وحظيت هناك بتقدير الكادرين التعليمي والإداري نظراً لقدراتها الأكاديمية الاستثنائية. وترجمت إدارة الجامعة هذا التنويه بمزاياها من خلال كلمة ألقاها خطيب حفل تخرج حبوب ورفاقها الدكتور فيليب حتي، المؤرخ اللبناني والأستاذ المحاضر في جامعة برينس تون، الذي أعرب في كلمته عن فخره واعتزازه بمواطنة لبنانية تتميز بقدرات واعدة جداً. أما حبوب فقد أعلنت عن منحة حملت اسمها، ممولة من سلسلة الندوات، التي ألقتها في الفترات الماضية في الولايات المتحدة.

العودة إلى لبنان

في العام 1932، عادت الى لبنان لممارسة مهنتها، فافتتحت عيادة لاستقبال المرضى في باب إدريس، وعملت على توفير خدمات طبية مجانية، اقتصرت على دفع رسوم الأدوية فقط للنساء المرضى، دون احتساب أي أتعاب طبية أخرى .

رغم اندفاعها في عملها الطبي، وجدت حبوب بعض الوقت للتطوع في الصليب الأحمر، وتوفير الخدمة كعضو في مجلس أمناء مياتم إسلامية ومستشفى المقاصد وجمعيات عدة.

يعود كل نجاح حبوب الى طموحها ودعم عائلتها، ولا سيما إيمان والدها بطاقات ابنته العالية، هذا الأب الذي لطالما سعى الى تشريع أبواب منزله سعياً وراء توفير الدعم المالي للمتفوّقين.

شقيقة صائب بك

عنبرة سلام الخالدي في شبابها. (ارشيف -النهار)

جمعت وفاء اسطفان معلومات عن اسم أنثوي لامع، هو عنبرة سلام الخالدي. ونشرت اسطفان  هذه المعلومات في مجلة “رائدات”. وفي تعريفها عن عنبرة قالت: هي البنت الكبرى للزعيم السني سليم سلام والذي وصفته الكاتبة “بالرجل المنفتح الذي كان من الرواد الذين شجعوا أولادهم على الالتحاق بالجامعة الأميركية في بيروت، وشدد أيضاً على إرسال ابنه للدراسة خارج لبنان للتخصص في الهندسة الزراعية في العام 1910”.

رغم انشغالاته السياسية والعائلية، أثارت عنبرة انتباه والدها سليم، ولا سيما من خلال ذكائها وشغفها بالقراءة والكتابة. وشكلت هذه المزايا لدى ابنته دافعاً أساسياً لديه لترجمة رغبته بتعليم الفتيات، ما دفعه الى الطلب من عبد الله البستاني، أحد الأعلام الرواد في تلك الفترة، إلى تعليم ابنته اللغة العربية والأدب. وسهر سليم سلام على تشجيع ابنته عنبرة على التفكير الليبرالي.

وهكذا كان. قررت عنبرة، وهي في الخامسة عشرة من عمرها، أن تنساق وراء أفكار راودتها عن حرية المرأة، وهو مدٌّ جديد لحركة نشأت مع مرحلة يقظة عربية في مواجهة الإمبراطورية العثمانية. في آذار من العام 1914، أنشأت عنبرة ومجموعة من الفتيات أول جمعية نسائية عرفت بـ “جمعية يقظة الفتاة العربية” التي وضعت هدفها الأول  “تشجيع الفتيات على تحصيل تعليمهن العالي من خلال توفير الدعم المالي والمعنوي لهنّ”.

وفي خريف عمرها. (ارشيف -النهار)

وجالت في الأقطار العربية سعياً وراء تحرير المرأة بكل ما للكلمة من معنى. انضمت الكاتبة والروائية عنبرة سلام الخالدي خلال دراستها الجامعية إلى الحركات النسائية في بلادها. وكتبت سلسلة من المقالات الصحفية تدعو فيها النساء للقتال من أجل حقوقهن في الإمبراطورية العثمانية، واشتهرت بترجمة الملحمة الشعرية الشهيرة “الإلياذة”، التي كتبها الشاعر الروماني فيرجيل في القرن الأول قبل الميلاد.

أقدمت عنبرة على عمل لم يتوقعه منها أحد. فخلال دراستها في السنة الجامعية الأخيرة، قامت بنزع الحجاب خلال محاضرة في الجامعة الأميركية في بيروت في عام 1927، لتكون أول امرأة لبنانية تتخلى عن الحجاب.

هربت عنبرة من القدس إلى بيروت مجدداً في أعقاب تأسيس إسرائيل عام 1948، وترجمت الكثير من الأعمال إلى العربية مثل هوميروس، وفيرجيل، وكتبت مذكراتها الشخصية. ويعتبر كتاب «مذكرات النسوية العربية المبكرة» أول ترجمة باللغة الإنكليزية لمذكرات عنبرة سلام الخالدي، التي تبرز الدور الرائد الذي لعبته المرأة في الربيع العربي، وتتناول الحياة في فترة سابقة من الاضطراب الاجتماعي ونشاط المرأة خلال هذه الفترة.

استمرت عنبرة في نشاطها النسوي وكتاباتها، حتى توفيت في بيروت في العام 1986.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*