الرئيسية / home slide / نزيف جماعيّ والوضع لم يعد يُطاق… إعلاميون لبنانيون يهجرون “معبد الصحافة”

نزيف جماعيّ والوضع لم يعد يُطاق… إعلاميون لبنانيون يهجرون “معبد الصحافة”

26-11-2020 | 17:20 المصدر: “النهار”فاطمة عبدالله

إعلاميون لبنانيون اختاروا الرحيل.

ربما لأنّ الويلات من كلّ صوب، تتضخّم النظرة إلى الفجيعة. ليست هذه الهجرة طارئة لأسماء من بيروت إلى الدول العربية، إذ لطالما حكمها منطق العرض والطلب. كان لبنان منارة أضواء، والمقصد والمنبر، واليوم هو انطفاءات متتالية، فتطفو الجنائزية على واقعيته المتعثّرة. شباب يهاجرون، يوضّبون أحلامهم وخيباتهم في حقائب؛ وصحافيون ما عادوا يملكون ترف التكبُّر على الفرص وصدّ الأبواب في وجهها. لكلٍّ دافع، وإن تبوّأ المال عرشَ الهاجس الأول، فالوضع لم يعد يُحتَمل، كما يقول بسام أبو زيد بغصّة. نسأل أسماء من لبنان اختارت الرحيل أو ألحّت أشباحه عليها: لِمَ المغادرة، وماذا يبقى للوطن إن رحلنا جميعاً؟  

القرار المُكلف“هذا الوضع أصابني في الصميم”، يقول أبو زيد. “وجدتُني أمام ضرورة التفتيش عن مَخرج. مُكلف القرار، مُزنّر بالتحدّيات، أولها الابتعاد من العائلة”. يتحسّر، من دبي، حيث نادته “العربية- الحدث”: “الوضع لم يعد يُطاق”، ويُعدّد: “تأمين الحاجات اليومية صعب، والوصول إلى المدّخرات متعذّر. السقوط ضربَ كلّ احتمالات العيش، ولا حلول. كان لا بد من التفتيش عن مكان آخر، فأستطيع توفير مستقبل أفضل لعائلتي”. إنّه الجرح المادي إذاً، وهو يتعمّق وتمتزج فيه روائح مزعجة. يؤلم أبو زيد بعد سنوات في LBCI بعزّها وتقلّباتها، الاعتراف بأنّ الإعلام في لبنان يُحتَضر. ليس ذلك تشاؤماً، بل واقع مُطعّم بالمرارة. قطاع مطعون بالسكّين، “ولم تعد سبل التمويل متوافرة من الإعلانات ولا من الإنتاجات، ولا حتى من المتموّلين والمال السياسي”. أي توقّعات بفسحات الأمل؟ “لا أتوقّع أن يتحسّن وضع الإعلام بمعزل عن الأوضاع في البلد”. الأمل موجود، والتمسّك به شاق.  الخيارات الجديدة مغامرة يخوضها المرء، وإن طاردته الهواجس. بالنسبة إلى أبو زيد، المغامرة أفضل من اللامحاولة، “فعلى الأقل لا يتحسّر الإنسان على فرصة لم يمدّ يده تجاهها”. يرى اللبناني “مثابراً وخلّاقاً، لكنّهم يقتلون فيه هذه الروح. إذا نجحوا، فسيكون ذلك قضاءً على كلّ المميّزات اللبنانية. هذا أمر يُفترض أن نواجهه بقوة”. 

“المهم يبقى حدا”تشرح ريما عساف لما يُغادر الصحافي مؤسّسته بعد عُمر: “لسببين، الواقع الصعب والرغبة في التطلّع الى أفق أوسع”. ترى التغيير “أمراً صحّياً، فتعدُّد التجارب يُراكم ثقافتنا ويُساعد في إنضاج الأفكار”. وأنتِ لِمَ تغادرين LBCI إلى “الحرّة”؟ “للسببين معاً. الوجع كبير، وقد تخرج من التحدّيات أشياء جميلة فات الالتفات إليها في الظروف العادية. علينا الإيمان بذلك، وإلا سينهار العالم وننهار معه”.  توافق أنّ ثمة خطراً في مشهدية إفراغ البلد من طاقاته، وتدرك أنّ نتائج الإفلاس الإعلامي ستكون كارثية: “أخشى أن نصحو على لبنان لا يشبه ذاك الرائد والمتميّز. الأفق مسدود، والشاطر هو القادر على تمرير المرحلة بأقل ضرر. الاستسلام مرفوض، فنحن صوت الناس. والأمل باقٍ، طالما هناك إرادة وعقول مُفكّرة. قد تكون الهجرة الموقتة عاملاً مساعداً للآخرين ليتمكّنوا من الصمود. المهم يبقى حدا”.  

“المعركة الصعبة”يتحدّث جاد غصن عن “علاقات عائلية” تربط الصحافي بمؤسّسته، ولكن “حين نصل إلى خيارَي الفراق أو البقاء، في حالة الأزمات، فإنّ ذلك يصبح شبه فرضٍ، لا مجرّد خيار يُحدّده العقل”. “مش مخلّص”، إنسان اليوم، فلا البقاء سهل ولا الرحيل، والأهم كيفية الحدّ من الفظاعة. أكثر ما يؤلم، يُتابع، “أحوال الصحافيين، فواقعهم مُرّ، ومعاييرهم مفقودة”. إنّنا أمام معضلة كيف يصمد الصحافي في ظرف مُشابه، ولا يُساوم على المبادئ؟ “هذه معركة، والنجاة صعبة”.  أقصته حملة ضدّه من فرصة العمل في “الشرق”، ومع ذلك لم يعد إلى “الجديد”: “الفريلانس بات يؤمّن مدخولاً أعلى”. البلد مُكبّل، لكن الإعلام يعاني تشرذماً إضافياً، فيجرّ الصحافي إلى سلوكيات غير فاضلة. “المسألة في المواجهة أو اليأس. الأمل أو اللاأمل، نتيجة. والهجرة أيضاً”. أي مستقبل للإعلام اللبناني؟ “الجواب رهن البيئة السياسية، فيكون إما تابعاً لقوى الأمر الواقع، وإما مزدهراً”. يتعمّق في تحليل التركيبة اللبنانية منذ الحرب، وبيروت “المعزولة”. يطول الحديث، والخلاصة: السياسة لعبة قذرة. 

“معبد الصحافة”بدأ جورج عيد مع MTV، و”هي البيت الأول، لكنّ الحياة فصول”. يشنّ هجوماً على “قرطة الكذابين يلي وصّلونا لهون”، ويتحسّر على “لبنان، معبد الصحافة”، أين كان وأين أصبح. ثم يصوّب على “صحافيين يميلون إلى التسخيف، فالمعايير تتغيّر، وبدل أن تكون الصحافة مهنة البحث عن الحقيقة، تصبح مهنة البحث عن الشهرة”. يرفض أن يكون مُبشرّاً للهجرة، لكنّ “هذا البلد لم يعد مسكناً لائقاً يحفظ الكرامات”. يُعدّد بغضب: “الدواء مقطوع، الكهرباء مقطوعة، والمصرف يحجز المال، ولا فارق بين مَن يتفاضى راتبه بالدولار ومَن يتقاضاه بالليرة، طالما أنّني كأب لا أستطيع شراء أكثر من علبة حليب واحدة”. كأنّ بركاناً في داخله، فيرشق الكلمات، ولا يوفّر العصابة السياسية والجيل الفارغ من الصحافيين. كان انفجار آب لحظة الفصل: “قررتُ الرحيل. الحياة في لبنان تتحوّل ثقافة موت”. 

“سنعود”ليال الاختيار تغادر أيضاً إلى “الحرّة”، لكنّ LBCI تبقى أسرتها. لِمَ الرحيل؟ “بحثاً عن ظروف أفضل”. الضغط أصبح هائلاً، وإمكانات المؤسّسات الإعلامية قليلة، فلمحت في التجربة الجديدة شعاع ضوء. يكوي هذا النزيف ويُحرق؛ وأنْ يجد المرء نفسه مُرغماً على الرحيل. “هنّي جبرونا. أخاف من هجرة الطاقات، فلا تبقى في لبنان منافسة”، ثم تُحذّر: “الخطر سيظهر بعد مدّة. النزيف الجماعي سيكون باهظاً”. بأسى، وحزن: “يصعب على #الإعلام اللبناني الاستمرار. سوق الإعلانات مأزومة، والمال السياسي تقلّص. للعرب اهتماماتهم اليوم، ولا يبدو لبنان من بينها. لديهم وسائل إعلامهم ومنابرهم ومنصّاتهم الرقمية. الاستثمار في شاشاتنا بات ماضياً”. الاحتمالان أمامها: النجاح والفشل، وكلّ مغامرة، درس. “يوماً ما سنعود جميعاً، سنرحل، لكن سنعود”

.fatima.abdallah@annahar.com.lbTwitter: @abdallah_fatimaالكلمات الدالة