الرئيسية / مقالات / نداء بكركي بين ما قاله البطريرك وما رامَ أن يكون

نداء بكركي بين ما قاله البطريرك وما رامَ أن يكون

ممّن أتيح لهم الاجتماع بصاحب الدعوة الى «مؤتمر خاص بلبنان» والى حياده، البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، قبل الاحتفال الشعبي السبت الفائت في بكركي، قال أمامهم إنه ليس في وسعه أن يبقى صامتاً، متفرجاً على الانهيار الذي يصيب البلاد والعباد، من غير أن يعلي صوته. استنتج هؤلاء ضمناً أن من غير المؤكد وجود سند دولي أو اقليمي للمواقف العالية النبرة للبطريرك، او ايحاء مباشر او غير مباشر اليه برفع الصوت، والتلويح بفرصة مؤتمر دولي للبنان في هذا الوقت بالذات.

ما فهموه اكثر انه يطلق صرخة كثرت في الايام الاخيرة، خصوصاً مذ دعا للمرة الاولى الى حياد لبنان والى مؤتمر دولي خاص به، مقارنتها بما فعله سلفه البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير في نداء 20 ايلول 2000. قيل حينذاك ان اطلاق ذلك النداء كان في توقيت خاطئ، يعوّل على اشارات خارجية غير دقيقة ضد سوريا، وهي تشهد انتقال السلطة فيها من رئيس أب الى رئيس ابن بدا ان الغرب يريد منحه فرصة لاحداث تغيير في نظامه. لكن التوقيت المتصوَّر وقتذاك خاطئاً، اتت السنوات الثلاث التالية لتثبت عكسه. في ظل ولاية الرئيس اميل لحود، شاع اعتقاد بأن سوريا راسخة في لبنان، فيما محاولات وليد جنبلاط الابتعاد عنها خجولة وحذرة، والرئيس رفيق الحريري ملتزم الصمت راضخاً لإرادتها كيفما قرّرت. فإذا صفير وحده – او جهاراً في احسن الاحوال – يقود المواجهة مع دمشق بلا توقّعات ايجابية اكيدة، من اجل مهمة وحيدة وحصرية فحسب، هي مغزى نداء 20 ايلول 2000: ان يقول للعرب والغرب ان ثمّة مَن يناهض دورها السياسي ووجودها العسكري في لبنان، ويحاول ارساء توازن الحد الادنى بين مَن يؤيدها ومَن يعارضها في انتظار حدث ما. ذلك ما سيحصل بعد خمس سنوات باغتيال الحريري.
ما قاله البطريرك الخلف السبت، ليس بعيداً كثيراً عما قال به سلفه. في التوقيت الخاطئ، في حسبان البعض وقد يكون مصيباً ربما، يدعو الى حياد لبنان والى مؤتمر دولي خاص به من اجل انقاذ الكيان والدولة من هيمنة الخارج عليه، وهي اشارة صريحة الى ايران، وتالياً حزب الله. على صورة نداء 2000، فهم البعض المطلع الذي قرأ المواقف الاخيرة للبطريرك منذ اولها عن الحياد والمؤتمر الدولي، ان جلّ ما يرومه هو نفسه الذي اراده قبل اكثر من عقدين صفير: ان يسمع العرب والغرب المفترض انهما يقاطعان لبنان، ان ثمة رأياً مناقضاً بكليته لكل ما يقول العهد الحالي ورئيس الجمهورية ميشال عون، وهو ان النفوذ المتضخم لحزب الله في لبنان حاجة حيوية وضرورية لا ُيستغنى عنها.
في ذلك كله يكمن كلام البطريرك الماروني. مع انه يضع الحياد والمؤتمر الدولي في رأس الاولويات، بيد انه يعرف ان المعطيات الاقليمية والدولية، لا اللبنانيين اياً كانوا، هي التي تقود اليه اياً اتخذ شكله، بعد مسار طويل ومفاجآت صادمة وربما محن موجعة: على صورة اتفاق الطائف، او في ما بعد اتفاق الدوحة، او على صورة القرارات الدولية التي بدأت بالقرار 1559 وانتهت بالقرار 1701.

المعطيات الدولية والإقليمية تصنع المؤتمر الدولي لا اللبنانيون


بذلك فُهِم المغزى الذي توخاه البطريرك، والمسار الذي اراد رسمه في كلمة السبت الفائت: المؤتمر الدولي آخر المحطات الطويلة الامد، لا أولاها.
ليس الدور الجديد الذي اتخذه في الاشهر القليلة المنصرمة سوى ابن بضعة معطيات محلية من الضروري ان تفضي الى وضع حد لانهيار التوازن الداخلي بمستوياته المختلفة، في السلطة والشارع وبين الافرقاء انفسهم:
أولها، الاعتقاد بأن الولاية الرئاسية الحالية انشأت تحالفاً، تجاوز فريقين معيّنين على غرار «ورقة التفاهم» عام 2006، كي تمسي الدولة اللبنانية جزءاً لا يتجزأ من الفلك الذي يدور فيه حزب الله، والبعض يقول انه هو الذي يديره. لا يصح ذلك على مرحلة ما بعد 17 تشرين الاول 2019، بل منذ الحكومة الاولى للرئيس سعد الحريري في هذا العهد عام 2016، وكانت ثمرة تسويتين متداخلتين: مع عون كشريكي حكم، ومع حزب الله على انه مرجعية الاستقرار والانتظام العام. تبعاً لذلك انهار التوازن السياسي بين رئيس الجمهورية وخصومه داخل الحكم وخارجه، كما لو ان البلاد تسيّرها ارادة واحدة. فقدان هذا التوازن اتاح انفجار الازمات كلها دفعة واحدة، وحالَ دون الخوض في تسوية جديدة منذ عام 2019 من جراء عدم وجود فريق ثان فيها.
ثانيها، خلافاً للتسوية التي ابرمها فريقا 8 و14 آذار ما بين عامي 2005 و2008، وكان يمثّلان الاصطفاف السياسي الوحيد، واعادا تكريسها في اتفاق الدوحة عام 2008، ليس ثمة اصطفاف مماثل اليوم يشبه تلك القوى ولا كذلك الاصطفاف النموذجي الذي شهدته الحرب الاهلية ما بين «الجبهة اللبنانية» و«الحركة الوطنية»، في مواجهة رئيس الجمهورية وحزب الله. بذلك يُنظر الى الدور الجديد للبطريرك الماروني، كما لو انه يحاول ان يعيد التوازن الى لعبة الاستقطاب الداخلي.
ثالثها، لا ريب في ان الافرقاء المناوئين لعون وحزب الله يحتاجون الى مظلة مواجهة تمثّلها بكركي، اكثر منهم ان يكونوا هم رأس حربتها. ذلك ما يصحّ على الحريري الابن ووليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. اخفق هؤلاء الذين عدّوا انفسهم منذ عام 2005 حلفاء لا يفرق في ما بينهم سوى الموت، في التحالف مجدداً، مفضّلين الرقص على الحبال: يلتقي الحريري وجنبلاط على معاداة عون وفي الوقت نفسه مهادنة حزب الله وهما العارفان بقوة تحالف خصميهما، فيما يجد جعجع نفسه وحيداً في اشتباك خجول مع حزب الله وتردد في قطع الجسور مع عون. ليس خافياً ان تقاطر ممثلي الافرقاء الثلاثة هؤلاء الى بكركي في الايام الاخيرة، قبل السبت وبعده، انبأ بمغزى حاجتهم الى مظلتها. ما بات معلوماً اليوم ان حزب الله، اكثر من اي وقت مضى، يمسك بالشرعية الدستورية والشارع في آن واحد.