نحو الدولة

القوانين غائبة منذ زمن. وقد اعتاد هذه الفداحة إثنان: الدولة والناس. وعندما يسيطر محظور واحد، تسود باقي المحظورات. وإذا ما استبد الشواذ، طرَدَ القاعدة. وما يتكدس في زمن يتحول طريقة، ثم تقليداً، ومن الجميل أن تعلن اليد اليسرى الحرب على اليد اليمنى. فالعرض شيّق في أي حال. وليس على الممثلين سوى القيام بدور جديد كان منسياً.

في أدنى الحالات، تذكّر هذه الهمروجة، أهل البلد، ان اليأس عيب وليس قدراً. وأننا فاسدون بالاكراه لا بالخيار. وأن اشياء كثيرة قابلة للاصلاح، وإن كانت العادات غير قابلة للتغيير. وسوف نصفق للشجعان ولو مترددين. أو مشككين. ويساورنا الخوف عليهم من جبن الناس، وهشاشة حماستهم، ورعبهم من ان تكبر الخسارة على رؤوسهم.

فإننا قوم خاسرون وحزانى ومساكين. وخصوصاً يتامى. لا الموظف يقوم بخدمته، ولا نحن نتأمل منه ذلك. لا القتيل يتأمل عدلاً، ولا القاتل يخاف ذلك. لا الضعيف يرجو سنداً، ولا الدولة تتذكر مهمتها. نحن قوم عُوِّدنا ان نلقى كل ما هو عدل وقانون ونزاهة وخير، خلف البحر. وما برَّنا إلا درب الى الغربة. إنها وطننا الحقيقي الوحيد.

هناك نصدق المسؤولين، وهناك نثق بالقانون، وهناك يبدو “قصر العدل” حقاً، عمارة مذهبة مثل القصور، عالي الأبواب كمعبر الى العدالة: منه يعود الابرياء إلى أهلهم، ومنه يذهب المدانون الى عقابهم.

كيف لدولة أن تقوم، أو أن تعود،عندما يسمع مواطنوها، السياسيين يتحدثون بالنطق السوقي والخلق الرديء والفجاجة السمجة؟ طبعاً قلّة. لكنهم موجودون، ويظهرون على التلفزيونات ويتنقلون بين الاذاعات، وتتابعهم الصحف. ويترك ذلك الانطباع لدى ضعاف النفوس أن هذا أمر عادي. أو طبيعي.

إذ يرتسم هذا الفجور على وجه لبنان، في الداخل والخارج. ويدخل الاوادم الى بيوتهم، طلباً للسترة. ولا يقدرون على اكثر من ذلك. لكن عليهم أيضاً أن يتقبلوا النتائج: يفيقون ذات يوم فيجدون أنفسهم في بلد كالذي وصفته الزميلة امتثال جويدي مطر (الأربعاء، المنبر، 7 آذار) أشبه بالشوارع الخلفية، في شانغهاي الاربعينات.

لا بد من بعض الأمل. وثمة بعض النماذج، ونحن نقف على حافة هذه الهاوية المخيفة في كل أطرافها: الاقتصاد والمال والبطالة والفساد والمرض وظلم الشيخوخة واليأس القاهر. وظلمات الأفق. وتعبئة الشقوق بالفخاخ.

لوحة ظلم وظلامات ترسم نفسها على مدى الأرض ومدى السنين. وقد اعتدنا كل شيء. ولكثرة الادمان، خيل الينا ان الاجنبي يدخل فقط من نفق نهر الكلب. لكن الأبواب المشلّعة لا تعود تعرف الفرق بين مصادر الرياح. لوحة تبعث على الكآبة: “كآبة المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال”.

نأمل تعوّد لوحة اخرى. ها هي اثقال الاسمنت تزال. ورجال الجندرمة والشرطة عادوا الى المفارق. ووزير المهجرين يعطي مواعيد التنفيذ في العودات، من غير أن يمنن مخلوقات الارض بظهوره السماوي. وقد عقد مؤتمر وزراء الداخلية العرب وفيه، للمرة الأولى، امرأة، وهي سيدة من لبنان. ومن هارفارد. ليس من الضروري أن يأتي كل شيء مرة واحدة. اغلاق مستشفى قذر ومَرَضي علامة بشرية. حملة النظافة على نهر المزابل والامراض في الليطاني، علامة من علامات العودة الى الحياة الحضرية. أوامر ريا الحسن بتطهير الطرقات من أكشاك كراتشي وكالكوتا، عمل جميل.

ولكن ماذا نعمل بالمساكين الذين سيفقدون دخلهم وأعمالهم؟ سوف يتعلمون البحث عن دخل ضمن أحكام القانون. فالقانون صعب أحياناً لكنه وسيع. وأصحاب المصانع سوف يدركون انه بنسبة اقل من الربح، لن يتسببوا في موت عائلات برمّتها بالسموم الصامتة. ورجال الجندرمة والشرطة سوف يدركون ان الوظيفة تقضي بالوقوف تحت مظلة السير، وليس عند الدكنجي القريب.

وعندما تكثر النماذج الحسنة، سوف يكثر القانون. وسوف تعود الباصات الرسمية إلى وظيفتها، وليس حافلة أوساخ ومهملات. وسوف يتذكر أصحاب الباصات العمومية أيضاً ان النظافة غير مضرة. ولن يظهر نوح زعيتر مهدداً أو مدججاً. وعندما يعرض التلفزيون، بالصوت والصورة، نائباً يمشي على بحر أو محيط من الزبالة، لن يجبهه وزير البيئة بأن النائب يطلب الدعاية لنفسه، بل يعلن حالة الطوارىء في وزارته وفي الوزارات المسؤولة وفي لبنان، ويوجه اعتذاراً علنياً لهذا الشعب المطمور، بدل الخيرات، بغيرها. أو يستقيل. إسوة باستقالة الناس من الشعب.

من أين نبدأ؟ من تفكيك الامارات المحصنة، وإخضاع جميع القلاع للمحاسبة، لا حمايات ولا محميات ولا مقايضة الفساد بالارضاء. هناك بشر جائعون، وهناك بشر يقتاتون من براميل النفايات. وهناك شركات ومؤسسات تصرف المئات كل أسبوع. وهناك وسط تجاري فارغ ومغلق منذ ذلك الاعتصام الشهير.

لكن الخوف من أن تنتهي محاولات المحاسبة الى تسوية اخرى. أو إلى تهديد إضافي للاقتصاد المسلول. فما أن تنفسنا الصعداء يوم تشكيل الحكومة، حتى دخلنا كباش القبضايات في اليوم التالي. وما ان اعلن السفير وليد البخاري عن عودة أهم جزء من السياحة التي نعتمد عليها، حتى تصاعدت لهجة التخويف. وفي اليوم الأول بعد نصف سنة من الزعزعة والخلل والخوف ومعالم الانهيار، بدا أن الحلم بمسار انقاذي، امنية البسطاء والسذج. والذين لا بديل لديهم من الاحلام. فما دام خلافنا على الدستور، فعلى ماذا يمكن ان نتفق؟ وما دامت الفتنة في التفسير والتأويل، فعن أي خلاص نبحث؟

وضع الكاتب الالماني (نوبل 1999) غونتر غراس مذكراته بعنوان “مقشِرا البصلة”! قشرة بعد قشرة، رائحة حادة ودمعة اجبارية. عودتنا السنون ان الاشياء متشابهة. قشرة قشرة . ولعلنا الآن في بدايات مختلفة مهما كانت متواضعة. لعل في أننا تذكّرنا وجود شيء اسمه ديوان المحاسبة، بارقة امل. ولعل بضعة وزراء شجعان يكفون. فلم يعد أحد يأمل بالكثير: القليل من النظافة لرد الأوبئة، وخفض حجدم الرشى، والسماح للفقراء بالحياة كمواطنين.

وقليل من التواضع. قليل جداً منه. بمعنى أن ما نتمتع به من طبيعة وثروات طبيعية هو من عند الله. الشمس والقمر من عنده. ومن عندنا هذه الشوارع المظلمة والبواخر الآبدية. ومِن عنده مطر بلا حساب، ومن عندنا العطش والصهاريج. شيء من التواضع لمناسبة إثنين الرماد يذكّر الوزراء والناطقين باسم القوة، بأنهم وزراء، لا مُرسَلين. وان أعمالهم واجبات بديهية لا عجائب ولا عظة الجبل.

وقليل من الهدوء، ايها السادة (والسيدات). هؤلاء البشر الذين تصادفونهم كل يوم، أو يقفون على أبوب الوزارات، أو يقعدون في مسبة السير ومشتمة الطرقات في صباحات لبنان، لا يريدون معجزات. فقط الكهرباء في الليل، وفرص العمل في النهار، وأن يمتنع اعضاء المحاكم عن الغياب بحيث لا تبقى الصبية ريا الشدياق قتيلة بلا قاتل بعد خمس سنوات. وربما يفيد في ساعة الحساب والمساءلة صدور الاحكام في حق الذين شاهدناهم يقتلون ضحاياهم في الطرقات طعناً حتى الموت، بسبب تجاوز سيارة.

من أين نبدأ؟ من أي مكان. ويكون ذلك باعتبار الخدمة العامة واجباً، لا عرضا ولا مسرحاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*