الرئيسية / مقالات / نحن وإيران: الحقائق والأوهام

نحن وإيران: الحقائق والأوهام

المطار. (أرشيف “النهار”).

‏للبنان اليوم نظامان سياسيان واقتصاديان : نظام افتراضي نظري ونظام حقيقي معمول به فعليا. النظام الافتراضي هو الذي نص عليه الدستور في مقدمته معلنا أن لبنان “جمهورية ديموقراطية برلمانية”، وأن “النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة”.

معروف أن الديموقراطية تقوم على ثنائية الأكثرية الحاكمة والأقلية المعارضة وأن البرلمانية ترتكز على فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. اما النظام الاقتصادي الحر فيكرّس اولوية القطاع الخاص بالنسبة للقطاع العام ويرفض مبدأ الاقتصاد الموجّه. وقد عملنا وفق هذه المباديء الدستورية بين السنة ١٩٤٣ والسنة ١٩٧٥ ونعمنا بقدر كبير من الاستقلال والازدهار سمح لنا تجاوز الأزمات وأخطرها أزمة ١٩٥٨.

فقدنا الاستقلال في ١٩٧٦ سنة دخول الجيش السوري الى بلادنا، ‏فانهارت الديموقراطية والبرلمانية اللتان نص عليهما الدستور وانتقل مركز القرار السياسي الفعلي من بيروت إلى عنجر. لكن رغم ذلك حافظنا على نظامنا الاقتصادي الحر وظلَّ حجم القطاع العام محدودا بالنسبة إلى القطاع الإنتاجي الخاص واستمر نمو الدخل الوطني على رغم الأوضاع السياسية والأمنية الصعبة وقارب ٧٪ من الدخل الوطني وهي نسبة مرتفعة، سنة خروج الجيش السوري ٢٠٠٥.

يعني ذلك أننا رغم فقداننا النظام السياسي الديموقراطي البرلماني الدستوري، حافظنا حتى السنوات الأخيرة على نظامنا الاقتصادي الحر المنصوص عليه بالدستور وعلى الاستقرار الاجتماعي الناتج عنه.

فقدنا الإثنين معا اليوم، وانهار البنيان الدستوري اللبناني بشقّيه السياسي والاقتصادي على رؤوس الجميع، وحل محله نظام هجين قائم على خليط من الهرطقات تمثلت بحصر القرار الوطني اللبناني في يدِ مجموعة محلية مسلحة تعتبر نفسها امتدادا لمنظومة اقليمية تسيطر على المنطقة. وأكملت هذه المجموعة المحلية استئثارها بالقرار عن طريق تشويه نظامنا الديموقراطي وتعطيل ثنائية الأكثرية الحاكمة والأقلية المعارضة، وذلك بعد ان أغرت منافسيها باشراكهم في حكومات وحدة وطنية مزعومة أشرفت هي على توزيع الوزارات فيها. فوضعت يدها على قسم من البيئة المسيحية سنة ٢٠٠٦ وفقًا لما سُمي اتفاق مار مخايل مع ميشال عون، وعلى قسم من البيئة السنية سنة ٢٠١٦ وفقا “للمصالحة الرئاسية” مع سعد الحريري.

لا ينكر احد حنكة الذين خططوا لهذه السياسة وبراعتهم في استغلال ضعف نفوس من كانوا منافسيهم السياسيين ‏آنذاك. لكن الظروف التي أوحت بهذه السياسة في الماضي تغيّرت اليوم على الصعيدين المحلي والإقليمي، والحنكة التي أمْلت سياسات الماضي تقتضي اليوم تطويرها والتكيّف مع هذا التغيير.

كان التيار العوني يتمتع بشعبية واسعة في البيئة المسيحية يوم اصطف الى جانب حزب الله سنة ٢٠٠٦، فشكل هذا الاصطفاف مكسبا للحزب وأضفى عليه مصداقية وطنية تجاوزت بيئته الشيعية الخاصة ظاهريا. كما ساهم هذا الاصطفاف بتغيير المناخ السياسي الذي كان محيطا بالحزب غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تلاه اندلاع الحرب مع اسرائيل التي بدّدت هذه الأجواء لصالح الحزب.

اثبتت الانتفاضة اللبنانية الآخيرة ان شعبية التيار العوني تقلّصت بحكم مرور الزمن. فمن الطبيعي إذا ان تعمد القيادة الإيرانية، عاجلًا ام آجلا، الى مراجعة حساباتها على ضوء هذا التقليص فتكتشف ان الكسب الذي جنته جراء التحالف مع هذا التيار سنة ٢٠٠٦ شارف التحوّل الى خسارة، فتعيد النظر في صوابية التعويل عليه لاستمالة، او تحييد، البيئة المسيحية لصالحها.

ولا بد أن تكون‏ توصلت الى الاستنتاج نفسه بالنسبة إلى ما كشفته الانتفاضة في البيئة السنية. لكن القيادة في هذه البيئة استبقت الامور وسارعت هي الى اعلان خروجها من “مصالحة” ٢٠١٦ التي أدّت الى انتخاب المرشح القريب من ايران رئيسا للجمهورية.

حصلت على الصعيد الاقليمي والدولي تحولات موازية للتي حصلت على الصعيداللبناني.

خرجت الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب من الاتفاق النووي التي كانت عقدته مع إيران أيام الرئيس أوباما، وانتهجت سياسة متشددة فرضت بموجبها على ايران عقوبات تسبّبت بتراجع كبير لاقتصادها. وبالتوازي، لم تُخفِ الولايات المتحدة أن هدفها الاستراتيجي هو الجلوس الى طاولة المفاوضات بغية تطوير الاتفاق النووي السابق وجعله يتجاوز تضييق قدرات ايران النووية، ليصل الى تغيير نمط حضورها السياسي في الدول العربية المجاورة لها ومنها لبنان. فيكون بالتالي هدف العقوبات الاميركية هو إضعاف القوة التفاوضية الإيرانية تحسبا للمفاوضات المرتقبة والتي قد تحدث او لا تحدث، رغم ان انفتاح ايران الاخير على صندوق النقد الدولي الذي يتأثر بتوجيهات الولايات المتحدة يؤشر الى بداية تغيير المناخ بين الدولتين، رغم تصريح متهوّر لمصدر محلي أدّعى العكس واحرج الجميع بدأً بالقيادة الإيرانية.

في هذا الإطار، يتوهّم البعض أن الدولة ‏اللبنانية بصيغتها المرتكزة على الاقتصاد الليبرالي الحر الذي تُديره طبقة وسطى هي، بتنوّعها، صورة مصغّرة للتنوع الطائفي العربي المحيط بها، وتمثل، نظرا لانفتاحها على العالم الخارجي، حليفا طبيعيًا للولايات المتحدة. ويتصورون ان تصفية هذه الصيغة ستُضعف موقع واشنطن، وتعزز موقع طهران في مواجهتهما الدبلوماسية الآتية. وهم يعتبرون ان هذه التصفية قد أُنجزت فعليًا بحكم الانهيار السياسي والاقتصادي الذي أوقعنا فيه الطاقم السياسي اللبناني الحاكم. فيُشهرون شعارا جديدا هو “الاقتصاد المقاوم ” كبديل عن النموذج الليبرالي القائم منذ الاستقلال سنة ١٩٤٣.

لكن هل سألوا عن الموارد التي يمكن ان يتغذّى منها هذا “الاقتصاد”؟ أهي التي يتوخّونها من وضع يدهم على مرفأ بيروت الذي ادارت البواخر ظهرها له، او على المطار الذي تحوّل مركز استيراد وباء الكورونا بسبب تعثّر الادارة الحكومية ومَسكنة الوزراء الذين أدخلوا المَوبوئين‏ أفواجاً؟ او على وسط بيروت التجاري الذي صار ساحة حرب بين جبهة البرلمان والحكومة من جهة وجبهة الناس من جهة ثانية، يفصل بينهما جدار من الأسلاك الشائكة؟ ترى، اي مقاومة ستنتعش من هكذا “اقتصاد”؟

لذا نرفض التصديق ان النظام الايراني، الحريص على مصداقيته، يدعم هذه الشعارات الطائشة التي تروٌج لها جهات محلية تدعي النطق باسمه، والتي بجعلها هدم لبنان شرط دعم المقاومة، تساهم بهدم الاثنين معا وتنال من موقع ايران نفسها، ما يؤكد ضرورة ابتكار رؤية جديدة للعلاقة بين إيران ولبنان يتقبلها الرأي العام.

وليتنا نستلهم، لبنانيين وإيرانيين، عبرة تجارب الماضي ولا سيما التجربة التي حصلت سنة ١٩٥٨.

يومها انقسم اللبنانيون قسمين: أيّد المسلمون التيار القومي العربي الذي قاده الرئيس المصري عبد الناصر تأييدا حارا، وعارضه المسيحيون معارضة شرسة فاندلعت الحرب الاهلية التي انتهت بانتخاب رئيس مقبول من الطرفين بعد انقضاء ولاية سلفه الرئيس شمعون.

أدرك الرئيس الجديد فؤاد شهاب أن لا أمل ‏في اعادة الوحدة بين اللبنانيين الا بعد تخلّيهم عن الأوهام التي تقاتلوا من أجلها، فيقتنع المسيحيون ‏أن لا مستقبل لهم إلا بالتزامهم الكامل بالقضايا العربية، ويعي المسلمون أن استقلال لبنان وازدهاره لا يشكلان مصدر ضعف عربي بل هما على العكس تمامًا مصدر قوة. وتيقّن شهاب ان تحقيق هذا الهدف لن يكتسب مصداقية الا إذا تجسّد بلقاء الرجلين الذين يمثلان دون منازع الطرفين العربي واللبناني. فالتقى مع الرئيس عبد الناصر على الحدود بين لبنان والقُطر السوري للجمهورية العربية المتحدة آنذاك.

حمل هذا اللقاء معاني كبيرة. فعبد الناصر، بمجرد وقوفه على الحدود، اعترف بنهائيتها وبقدسية الاستقلال اللبناني ولَمَس،بالمقابل، ان الالتزام العربي لللبنانيين لم يعد يقتصر على فئة طائفية واحدة بل هو يشملهم جميعا، ما شكّل مكسبا سياسيا عظيما له. اما شهاب، فبتعهّده امام عبد الناصر ان لا رجوع عن هذا الالتزام ضَمَن وحدة بلاده واستقرار حكمه.

اكثر من نصف قرن مرّ على لقاء الحدود. تغيرت الظروف السياسية وتبدّلت التوازنات الاستراتيجية، فخابت ايديولوجية القومية العربية ولم تعد مصر اليوم هي مصر عبد الناصر. واحتلت ايران مركز الصدارة الإقليمية بعد ثورتها سنة ١٩٧٩. اما لبنان فانهار نظامه السياسي والاقتصادي وأضحت “سويسرا الشرق” التي بناها الرئيس شهاب دولة ساقطة يتوق ابناؤها الى قامات الماضي. لكن رغم التبدلات الظرفية تبقى الثوابت الجغرافية والسكانية هي هي.

قَدَرُ لبنان الجغرافي ان يتفاعل مع محيطه الاقليمي، على أن يتناسب هذا التفاعل مع البنية السكانية الداخلية القائمة على توزيع اللبنانيين بين مسيحيين على اختلاف مذاهبهم وبين مسلمين سنةً وشيعةً ودروزاً. وإيران هي بعد ثورتها سنة ١٩٧٩ الدولة الإقليمية الأولى، فمن االطبيعي او يتعاطف معها الشيعة اللبنانيون الذين يمثلون ثلث السكان. كما أن اللبنانيين، جميع اللبنايين، يعلمون ان إيران هي منذ بدايات التاريخ،من اكثر الدول أصالة وثقافة وان مصلحتهم تقتضي بناء اوثق العلاقات معها.

وهم بالتالي يأملون ان تتجاوز ايران التعامل الثنائي مع الطائفة المحلية الشيعية وان تعتمد سياسة اكثر انفتاحا وشمولية تتماشى مع تغيّر خريطة التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط. بعد مرور عشر سنوات على الحرب السورية، تشعّبت وتنوعت هذه الخريطة فتراجعت قوة ايران بعد تدخل روسيا الحاسم، واضطرت ان تأخذ بالحسبان اهداف تركيا في شمال سوريا والعراق. ما يُملي عليها نهجا اكثر تحوّطا واحتراسا تترجمه في لبنان بسياسة تُخرجها من الانغلاق الطائفي الاحترابي السابق وتأخذ بعين الاعتبار مشاعر مكونات المجتمع اللبناني بأسره، فيضمن البلدان مصلحتهما المشتركة معاً. 

اضف رد