نجيب الريس: استعادة الذاكرة أم تجفيفها

بيروت ـ من ناصر الحامد
القدس العربي
16102019

لا شك في أن في تذكر شخصية كنجيب الريس، في هذا الوقت، ولو تأخر، ما يتيح إطلالة واسعة على سوريا خلال مرحلة الانتداب الفرنسي، وأوائل العهد الوطني بعد الاستقلال. وهي إحدى الفترات الأقوى تعبيراً عن التاريخ السوري، على أكثر من صعيد، في زمن حرج مفتوح على العديد من الاحتمالات، لاسيما وأن الريس لخص بنضاله قصة الصراع مع الفرنسيين على سيادة سوريا واستقلالها، ومثل الصحافة في عنفوان قوتها، وخاض معاركها بعزيمة جيش من الصحافيين.
كان نجيب الريس أيضاً نائبا في البرلمان، وسياسياً ناشطاً في الكتلة الوطنية، وصوتها المدوي، لكنه كان أكثر وفاء للصحافة، أعطاها ليس جهده وحسب، بل حياته أيضاً؛ من خلال جريدته «القبس» التي كرسها لمقارعة رجالات الانتداب الفرنسي، وأعوانهم المحليين، والسياسات الممالئة لهم.
لزوم هذا الكلام، برنامج على «الجزيرة الوثائقية» تحت عنوان «نجيب الريس ـ رحلة في الزمن الصعب» للمخرج الفوز طنجور، وكان فرصة للحديث عن الرجل والمرحلة. المؤسف أن أكثر ما افتقدناه في البرنامج هو سيرة الرجل والمرحلة التي عاشها، ما قد يوحي للمشاهد عدم توفر مراجع كافية عنه، أو أن للرجل سمعة أكبر من إنجازاته، مع أنه ترك خلفه، على الرغم من حياته القصيرة، ذخيرة ضخمة من مقالات الرأي، كانت لها مفاعيلها على الأوضاع السياسية، ولا مبالغة في القول إنها شكلت في الأوقات العصيبة رأياً عاماً شعبياً حول الكثير من القضايا الخلافية، وللدلالة على قوة تأثيرها في الناس، كان يكفي أن تُقرأ مقالته الافتتاحية حول قضية مصيرية، حتى يهب طلبة الجامعة والمدارس وينزلون إلى الشارع للتظاهر. من جانب آخر، أظهر تأثيره القوي مدى خطر طروحاته الوطنية على سلطة الانتداب والحكومات المتتالية، كان من تداعياتها علاقة سيئة مع الرقابة وسلطات المنع، إذ بلغ تعطيل جريدته من جراء مقالاته سبعة أعوام من عمرها، الذي بلغ تسعة عشر عاماً، أي أكثر من الثلث. كذلك صدامه مع الفرنسيين، ما أدى إلى محاكمته واعتقاله في سجن القلعة في دمشق، والنفي إلى سجن جزيرة «أرواد» برفقة كبار رجال السياسة في ذلك الوقت، وهناك كتب قصيدته الذائعة الصيت «يا ظلام السجن خيم، إننا نهوى الظلام»، هذا عدا التوقيف أكثر من مرة أبان العهد الوطني.
تتيح سيرة حياة نجيب الريس الاطلاع على نضالات السوريين.
فجولاته في معترك السياسة، سواء في التصدي لسلطة الانـــتداب أو حكومات الاستقلال، إضافة إلى معاركه الكبرى في سبيل دولة مدنية، وكانت في خوضه معركة الدستور، ودين الدولة، ونبذ الطائفية، والمطالبة بالإصلاح. ومن جانب آخر، سجالاته النارية مع اللبنانيين دعاة الانفصال، ومعاركه التي لم تتوقف أو تفتر دفاعاً عن عروبة لواء إسكندرون، وعدم التنازل عن مسؤولية سوريا تجاه قضية فلسطين.

لم يكن زماناً عجيبا ولا غريبا، إنه زمن عاشه السوريون، وليس استثناء، تجسد بصراعات أسست لحياة سياسية، لم تأخذ حظها من النجاحات، وإن بشــّرت بها، تجرأ عليها ضابط أحمق

كل هذا يكاد يكون غائباً عن برنامج مكرس لنجيب الريس، كان فرصة، لو أنها لم تضع، لأتاحت للمشاهدين والمهتمين الاطلاع على الحياة السياسية السورية، خلال ما يزيد عن ثلاثة عقود من القرن الماضي، حيث تشكل سيرته مرجعية تاريخية لزمن سوري لم يفتقد إلى صحافة حرة حتى في زمن الانتداب، ولا يعني أن الفرنسيين سمحوا بهذه الحرية، وإنما انتزعتها الصحافة انتزاعاً منهم. ووجود أحزاب تتفق وتختلف، تمارس السياسة، وتساوم على المكاسب والخسائر، لا تخلو من إقدام ونزاهة وانتهازية، ومجلس نيابي يتسع للرأي والرأي الآخر، يخضع فيه الوزراء والمسؤولون للمحاسبة تحت قبة البرلمان، سيرة تكشف عن حيوية السياسة السورية قبل الاستقلال وبعده بسلبياتها وإيجابياتها.
لم يكن زماناً عجيبا ولا غريبا، إنه زمن عاشه السوريون، وليس استثناء، تجسد بصراعات أسست لحياة سياسية، لم تأخذ حظها من النجاحات، وإن بشــّرت بها، تجرأ عليها ضابط أحمق، بذلك استن الانقلاب الأول طريقا صَعُب على الضباط الطامحين إلى السلطة من بعده الرجوع عنه. وبدلا من أن تتقدم البلاد على إيقاع الحريات، تقدمت على وقع الانقلابات، تقدماً كان انحداراً نحو الديكتاتورية.
في استعادة نجيب الريس، استعادة للذاكرة في فترة تعاني من فقدان الذاكرة، واستعادة لسوريا حرة من ظلام الحرب المخيم عليها منذ تسع سنوات وحتى الآن، ما يهيب بالسوريين الإيمان بقدراتهم، وأن الربيع العربي، ليس نزوة غضب، ولا عدوى… إنه انفجار عقود من القمع والقهر والنهب والقتل، هذا التاريخ الذي انقطع يمكن استئنافه، دائماً هناك لحظات واعدة، فما كان التوجه نحو الديمقراطية خطأ، كان السير في الاتجاه الصحيح، وإسقاط لدعاوى عدم توفر تربة صالحة لها، إنها قدر العالم في هذا الزمن، مثلما هي قدرنا.
في تقزيم سيرة واحد من أهم رواد الصحافة، خطأ فاحش لا يمكن تبريره، من ناحية إنتاج برنامج يحمل اسمه، ويكاد يخلو منه، لا يتطرق إليه إلا لماماً. هذا مثال على تلفيق يستعين بأسطورة نجيب الريس، بينما هي ليست أسطورة، بل إنه رجل تعرف إليه السوريون، وواقع عاشوه، تراكم فوقه الغث والرخيص طوال خمسة عقود، وينحو الحدث السوري اليوم إلى إعادة الريس إلى الأرض السورية، هنا نشأ، وهنا عاش، وهنا ناضل، وهنا ودع الحياة في زمن كان مثالاً على سوريا التي بدأت تشق طريقها بعد الاستقلال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*