نجوى بركات لـ”النهار”: الكتّاب غشّاشون و”مستر نون” صوت الضحية

نجوى بركات في “النهار” (ميشال صايغ).

تبلغ نجوى بركات بـ”مستر نون” ذروة من ذرى الأناقة الأدبية. تصدر روايتها الجديدة عن “دار الآداب” مُحاكية العطب البشري والإنسان المخدوش حتى أعماقه. أدب ملعون، يمشي بين القبور ويتقلّب بين الجمر. بطلها مُرّ، يطحش حتى النهاية ويجرؤ على التنزّه في أفواه الوحوش. صاحبة “لغة السرّ”، هذه المرّة، تُغيّر الضفّة. تقف في صفّ الضحايا لتقول: أنا منهم. بطلها ابن الحرب وحمّال مآسي الشرط البشري. تحبِكه بمنتهى التمزّق، وتصنع له مسارات ضبابية. بركات حرّيفة سرد. تُقامر حتى الفلس الأخير، ثم تلبط الطاولة. روايتها مصنع خيبات، ينبعث منه دخانٌ أسود وهلوسات برأسين وضرس. نلتقي للحديث عن بطلها، حطام الإنسان، العفن الاجتماعي، وملاكمة الألم.

نصارحها بالإعجاب بشخصية مستر نون المتقنة، المشغولة بهدوء وتفاصيل لمّاعة. غريبٌ أمر هذا الرجل الذي يقيم في غرفة فندق. غريبةٌ هي طفولته الملعونة، وأمّه التي أحبّت شقيقه دونه. أهذا هو مصير الإنسان؟، فتجيب: “كان في نيّتي بناء الشخصية من مجموعة طبقات، فأوجِد لها ماضياً وحاضراً وعلاقة بالواقع ليست بالضرورة واقعية. مستر نون كاتبٌ توقّف عن الكتابة، وعاد إليها لأسباب عاطفية. لكنّه لا يعاني أزمة الصفحة البيضاء. رأى في الانقطاع فترة نقاهة تُخفّف عنه حمولة الكلمات. وحين عاد إليها، راح يكتب أشياء هشّة، ثم بدأ يستعيد الذكريات. الكتابة إعادة امتلاك الحياة. عاش معاناة أمٍ نبذته وأبٍ انتحر بعدما كباش مريع مع الضمير. نون طبقات، من تاريخ عائلي ومحيط وظرف. هو في الخمسينات، يرث جرح الحرب الأهلية، خسائرُه مرايا زمننا. يشبهني، لكنّه يتجاوزني بكثير، ليتكلّم على أزمة إنسان اليوم. يخال المرء أنّ طاقته على التحمُّل بلغت أقصاها، ليُفاجأ بما هو أقسى. كيف يمكن أن يبقى سوياً وسط السواد والتوحّش؟ المسألة مُرهِقة”.

الكاتب لا يقف على حياد. هو دائماً في الصفوف الأمامية، جاهز للتلقّي. توافق نجوى بركات على تورُّطه في وجع الشرط الإنساني، حتى إنّه يغرف من نفسه لبناء الشخصية. سُئل غوستاف فلوبير مرّة مَن تكون مدام بوفاري، فأجاب: أنا. رجل يتخفّى في امرأة. أهكذا أنتِ في مستر نون، شبيهكِ في الانقطاع سنوات عن الكتابة؟ “نعم، نحن الكتّاب ملاعين غشّاشون. نكتب للابتعاد قليلاً من المحاكاة الذاتية بالتقاطع مع الآخرين، لاقتناعنا أنّ ما نكتبه لا يعنينا وحدنا. هنا، يلوح التقاطع بيني وبين أشخاص لتركيب شخصية، مع فارق أنّني أدفشها إلى احتمالات لا نجرؤ على بلوغها”.

المُزاحمة والتحمُّل

الرواية دائرة في دوائر، فتشكّل مستنقعاً يحوم حوله ذباب فجّ. لم تكن بيروت مسرحاً درامياً في ذاتها، بقدر اختزالها التحوّل الاجتماعي والملامح المتقلّبة. ففي الحزام، حيث يتنقّل مستر نون، من الأشرفية إلى برج حمود والنبعة وشوارع الازدحام، “تعيش ماشية الربّ”، وفق تسميتها. “تاريخنا هو تاريخ نزوح، من الإبادة الأرمنية، إلى المخيمات الفلسطينية والنزوح اللبناني في فترة الازدهار بالستينات، ثم اللجوء العراقي والسوري. المشهد أشبه بغرق سفينة نوح المُحمّلة بأجناس لفظتها الحياة. يستحيل ألا يصل مستر نون إلى قاع المدينة. في لحظة ما، يشعر أنّه يشبه الغارقين جميعاً، لكن على مستوى شخصي يتعلّق بماضيه، فيتطوّر وينكشف في أمكنة يتخالط فيها الناس ويتزاحمون على شقائهم، مجاهراً بالصوت والصمت: هذه قدرتكم على التحمُّل، فإليكم قدرتي!”.

مستر نون مشرذم، تضعه بركات بين ثلاثة أزمنة سردية متضاربة- متكاملة، فيكتب حيناً بضمير الغائب، ثم بضمير المتكلّم حين يشعر أنّه تمكّن من أدواته وعادت إليه رغبة البوح. تقرّ بأنّ الاستعادة في السرد مُتعِبة، كمن يلبس قبّعة الإخفاء ويقفز بين الأزمان. نسألها عن معضلة الحرب السورية في الرواية، كأنّها بعضٌ من أسى الحرب اللبنانية وجرح الحروب في كلّ مكان، فتردّ: “الجوار يفرض حضور الشخصية السورية، وإنما الحرب تتحدّى الجغرافيا وتتجاوزها. نحن أول مَن نشعر بالارتجاجات ونتلقّى ردود الفعل. عشنا الحرب، فنستطيع تقدير حروب الآخرين في سلّم الوجع. مقابل الشخصية السورية، هناك الشخصية الآتية من النيبال وشخصيات أخرى بالقيمة ذاتها. أعالج الوجع”.

تتنهّد وأنتَ تقرأ، وأيضاً بينما تُصغي إلى صاحبة الروايات السبع. هذا شعورٌ بالحِمل وآلام الكوكب. “لم أكتب مناحة”، توضح، “فمستر نون يتحرّك في فضاء لم أخترعه”. سبقتْ في طرح تيمة العنف قبل حروب المنطقة، وتساءلتْ: كيف يمكن المرء أن ينام المرء آدمياً فيستيقظ وحشاً؟ في هذه الرواية لا تتحدّث عن الوحوش: “كتبتُ شيئاً تخيّلته قمّة الفظاعة. ظننتُني أسبق الواقع، فإذا به يسبقى بكيلومترات ويمدّ لي لسانه. نحن محظوظون أنّنا لم نعش أزمة الإيزيديين، وأولادنا لم يغرقوا في البحار أو يختنقوا بالكيميائي. لا أقصد سوريا فحسب، بل حروب العالم. هكذا وُلد مستر نون”.

السماء قنطرة و”أنا بُلْطَة”

نجوى بركات من بشرّي، قبل أن تكون من حيّز أوسع هو بيروت ثم باريس. نسألها ماذا يعني لها المكان الأول، بكل ما ينطوي عليه، لا كجغرافيا فحسب بل كمجتمع؟ “بشرّي هي العطلة الصيفية، مكان اللعب والسهر، فأقطف التوت وأعربش على الشجر، ثم أقع. هي الأهل الذين لا أزال أراهم صغاراً والحياة الممتدّة كطريق بلا نهاية. بشرّي تمنحني شعوراً بالطمأنينة. فيها لمحتُ السماء على شكل قنطرة للمرة الأولى، وسمعتُ صوت الساقية ليلاً. أنتمي إليها ثقافياً وجمالياً وعاطفياً”.

تبتسم لما تخاله إطراء، وهو حقيقة: تملكين قوام شخصية المرأة المتمرّدة، القويّة، وفي الآن عينه ذات حضور أنثوي لا يمرّ عابراً. ما هذا المزيج من الأنوثة والشرر؟ تستعيد مفردة رمتها أمّها أمامها حين سألتها إعطاءها عشبة من شرفتها، فردّت: خذي، هذه العشبة “بُلْطَة”، تعيش أينما تُزرَع. “وأنا بُلْطَة مثلها! لم تكن الحياة سهلة لجيلنا. لم نتدرّب على الفقد. لولا صلابة الداخل، لما تحمّلنا الوحدة وبرد العزلة بعد الحرب والسفر. عشق الرواية جعلني متمرّدة، وأريد الاستمرار في الكتابة من دون أن أفقد متعة اللعب بالحبلة في ملعبها”.

لا تقيس الإنتاج الأدبي بعدد الكتب، ولا تشعر بالحزن على سنوات البُعد، فقد قدّمت 23 رواية ضمن “المحترف”، تراها جزءاً منها. تكتب حين يلحّ عليها فعل الكتابة، ولا تؤرقها أزمة الورقة البيضاء. قبل الختام، سؤال عن الهوى الأول، المسرح: “أنا دائماً كاتبة مسرح مؤجّلة. درسته وأعشقه. قراءاتي المسرحية جزء من أمّهات القراءة عندي وتخصّصي حمَّلني جمالاً مذهلاً. الملك لير وهملت، هما نحن إلى الأبد. المسرح أجابني على الأسئلة، وأكملت الرواية هذا الشغف”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*