الرئيسية / home slide / ناصيف حتّي لـ”المدن”: الحياد النشط أو الانفجار الكلّي

ناصيف حتّي لـ”المدن”: الحياد النشط أو الانفجار الكلّي

نادر فوز|الخميس12/11/2020
Almodon.com

حتّي: التركيبة السياسية قادرة على مقاومة الإصلاح بشكل غريب (عباس سلمان)

بعد أكثر من ثلاثة أشهر على استقالته من الحكومة، لا يزال وزير الخارجية السابق ناصيف حتّي يحضن ملفّاً ورقياً ويمشي به. تماماً كما صورته الأخيرة أمام قصر بسترس. يتكلّم حتّي بوضوح من دون الإكثار من الكلام، وحين لا يرغب في التعليق يقولها بوضوح أيضاً. لا يحبّ “زواريب” السياسة اللبنانية ولا إعلامها الباحث عن التشويق دائماً. حتّي، وزير سابق، متفرّغ الآن للقراءة والبحث، كما يقول، بعد عقود من العمل الديبلوماسي. استقال يوم 3 آب، قبل ساعات على جريمة مرفأ بيروت. قفز من مركب غارق، مصيره الغرق حتى قبل حصول الانفجار. بقدر ما يشعر بالإحباط كمواطن لبناني، شعر أنّ في الخارجية اللبنانية تحديّات كثيرة. فالسلطة، بتركيبتها ومنظومتها، قادرة على إحباط أيٍ كان وأي شيء.

الاستقالة.. فشل
يصرّ حتّي إلى اليوم على نفي كل ما قيل عن ضغوط أو خلافات شخصية أدّت إلى استقالته من حكومة الرئيس حسّان دياب. قبل 3 آب، نُسجت روايات كثيرة عن خلاف بينه وبين صهر العهد النائب جبران باسيل. وقالت روايات أخرى إنه استاء من توكيل اللواء عباس إبراهيم مهام اتصالات عربية ودولية. أما حتّي فيقول إنّ “السبب الأساسي وراء الاستقالة، وبالطبع لا أدافع عن باسيل، أنه ربما كان لدي مثالية في العمل. إذ جئنا في مشروع إصلاحي، وكان الظرف ‏ناضجاً لذلك. للأسف وجدت أنّ التركيبة السياسية اللبنانية، ولا أحمّل أحزاباً مشاركة في السلطة ‏أو غير مشاركة في السلطة المسؤولية، كل التركيبة السياسية قادرة على مقاومة الإصلاح والتغيير بشكل غريب. فتم إفشال الإصلاحات”. يؤكد حتّي أنّه كان قد اتّخذ قرار الاستقالة بعد 4 أشهر على تشكيل الحكومة، “وكان ثمة مفاوضات قائمة في ملفات عديدة (اليونيفيل، صندوق النقد..)”. وجد أنّ “لا قرار جدياً بالاصطدام بالواقع السياسي اللبناني وأنّ التركيبة قادرة على شلّ كل خطوة إصلاحية. ومع احترامي للجميع، لم أجد أن مكاني هنا”، فقدّم استقالته.

دور الإطفائي
في الخارجية، يؤكد حتّي أنه حاول لعب دور الإطفائي، كما قال، لدى تسلّمه الوزارة. يشير إلى طرحه مبدأ “الحياد الإيجابي والناشط”. وكان ذلك قبل موقف البطريرك الماروني بشارة الراعي. وفي انقسام “انشطاري” يعيشه لبنان “المطلوب إيجاد التوازن، وإلا ستبقى تدفع ثمن كل صراعات المنطقة”. ففي لبنان ما بعد الطائف، وزارة الخارجية هي لأهداف بروتوكولية والتقاط صور تذكارية وتوقيع اتفاقات رسمية. يوافق الوزير حتّي على هذا التوصيف بشكل أو بآخر، مشدداً على أنّ “مشكلة لبنان دائماً أن ثمة سياسات خارجية فعلية إلى جانب تلك الرسمية لأنّ خلافاتنا هوياتية في المدى الذي نذهب فيه إلى تحالفاتنا. ولذلك، كل طرف لديه علاقاته الخارجية”.

بقدر المستطاع، حاول حتّي الحراك خارجياً. فشارك في مؤتمرات عربية وأخرى إسلامية وزار باريس والفاتيكان وروما والأردن، ووظّف علاقاته الشخصية من أجل الحكومة من دون أن يعني ذلك أنه نجح. ساهم وباء كورونا في الحدّ من نشاطه، وكذلك تمنيّات بعض الدول بأن لا تحصل الاتصالات على مستوى رسمي. ويقرّ بأنه لم يتمكّن من ترجمة مبدأ وسياسة الديبلوماسية العامة من خلال الحراك، والطلب من شخصيات لبنانية المشاركة في ندوات أو لقاءات نيابةً عن الدولة اللبنانية. باختصار “رغم كل الإحباط أو الفشل تمكنت من خلق تواصل مكثف من خلال ديبلوماسية الهاتف. وطبعاً هي ليست بديلاً”.

العقوبات الأميركية
بعد فرض الخزينة الأميركية على رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل، وقبله الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، لا يرى حتّى في ذلك إلا “رسائل سياسية واضحة من الولايات المتحدة تندرج في إطار السياسة الأميركية التي هي في حالة صدام مع إيران ومحاولة قصقصة أذرع إيران ومحاصرة حزب الله في لبنان، ومحاولة توجيه رسائل حادة”. في قراءته للمشهد الإقليمي، يقول حتّي إنّه بغض النظرّ عن وصول جو بايدن إلى الرئاسة الأميركية سيكون التشدّد في ملف الاتفاق النووي قائماً، رغم الاختلاف بالأسلوب مع الرئيس دونالد ترامب. فمثلّث التوتّر سيظلّ قائماً حول الملف النووي والصواريخ الباليستية وتمدّد إيران في المنطقة عبر أذرعها، أكان في سياسة المواجهة التي يعتمدها ترامب أو من خلال سياسة الانخراط التي قد يعتمدها بايدن. وفي المشهد الإقليمي أيضاً، النقاط الساخنة ستبقى بين بيروت وبغداد واليمن، لكن “النقطة الأكثر سخونة هي ليبيا”. وكل هذا المشهد المتفجّر في ليبيا، والكامن تحت الرماد في شرق المتوسط، يعيد حتّي إلى خلاصة الحياد وتحصين الداخل اللبناني.

الخروج من الأزمة
يأسف حتّي لقوله إنّ “تشكيل الحكومة ربما دخل في غياهب النسيان”. وللحياد هنا، دور أيضاً في إنقاذ البلد إنّ “المساعدات المالية الفعلية لن تأتي لإنقاذك من الغرق إلا إذا انسحبت إلى الوسط”. ويضيف أنّ “مقاربة الاقتصاد أولاً تستدعي إعادة تموضع سياسي فعلي، ونحن مجبورون على القيام به وإلا فمع السلامة”. يعتبر حتّي أنه مع استمرار الأداء الحالي للسلطة والقيادات اللبنانية، “لبنان متّجه إلى انهيار وانفجار كلّي”. والوسط، يعزّزه ملف الاستراتيجية الدفاعية، بما تعنيه ” في الشق العسكري، إضافة إلى الأهمّ في امتلاك الدولة اللبنانية لقرار الحرب والسلم والردع والردّ، وإمكانية أن تكلّف الدولة المقاومة مهمّة الردع”. وعن واقعية هذا الأمر، يشير إلى أنهّ الخيار الأكثر واقعية، “واقعية شديدة في إخضاع هذا السلاح للقرار الوطني”. هذا من جهة، أما في الشق العملاني، فعلى السلطة اللبنانية إدراك مسؤوليتها في وضع حلّ مثلّث من خلال إقرار خطة عمل وخريطة طريق وجدول زمني للإصلاحات المطلوبة. أي “الاتفاق على تفاصيل الإصلاح”، فيسأل “ما المانع من جلوس القيادات اللبنانية في التشاور والاتفاق على هذه الجوانب الثلاثة لحين تشكيل الحكومة بدل إضاعة المزيد من الوقت”؟

رئيس البلدية والمختار
بالنسبة لحتّي “تم إسقاط المبادرة الفرنسية لبنانياً”. ومشكلة السياسة اللبنانية أنّ “ثمة حَوَلاً سياسياً واستراتيجياً. إذ تبقى دائماً عيوننا إلى الخارج بينما نبحث الشأن الداخلي”. ويضيف أنّ العقل السياسي اللبناني تحوّل إلى “عقل المختار ورئيس البلدية في الضيعة”، في مقاربة الأمور واتخاذ القرارات. فتتحكّم هذه العقلية بكل النقاشات والملفات بدءاً من الملف السوري وموضوع العلاقات مع سوريا. ويلحظ حتّي أنه يوم توقيع الاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي حطّت طائرة مساعدات إماراتية في دمشق، فيتوقّف عند موقف الرئيس السوري من الاتفاق الذي قال إنه “لا يخدم السلام، فلم يشتم ولم يخوّن”. لكن الشتم والتخوين حصل في لبنان.

يوم خروجه من قصر بسترس، أعرب حتّي عن تخوّفه من “انزلاق لبنان إلى الدولة الفاشلة”. وإذ يتثبّت اليوم أنّ لبنان بات دولة فاشلة. بالنسبة لحتّى، كانت تجربته في وزارة الخارجية غنيّة بقدر ما كانت محبطة له كمواطن لبناني. في أيامه في الوزارة شاهد أنّ المركب يغرق فيما المعنيون مختلفون على الديكور المناسب له. “ثمة حالة من العمى والطرش للأسف في التركيبة اللبنانية ومنظومتها”، يقول. أما ردّ الناس فـ”الله يستر منه” لأنّ الجوع والمذلّة لا يرحمان.