ناديا تويني الصمت الازرق

النهار
الأرشيف
20062018

ناديا تويني (أرشيف “النهار”).

ما القصيدة؟ انها كلمات تغيّر، وجودها، طبيعة الزمن. زمن القصيدة هو زمن آخر. زمن محصّن، وفي الوقت ذاته، عبر تمزّق سرّي يتعذّر ادراكه، معرّض – منفتح على شيء من الابد. منذ نقطة اندلاع “حزيران والكافرات”، ناديا تويني، ناديانا، تعرف ذلك، اذ تكتب: “املك مدينة” لا شمس لها، اصونها من القمر، ولا احد فيها يموت. واضح”. لكن، هل الامر في هذا الوضوح؟ صحيح ان القصيدة وضعت في شهر حزيران، الذي هو أعلى شهور السنة، هو شهر العدالة، شهر المرايا الرهيبة. الى هذا السيف المعلّق، بلّوْراً صافياً، تجيء على التوالي، او معاً، للارتطام ثم التحطّم شظايا كبيرةً من الولع الغامض، الكافرات الاربعُ، اللواتي تحمل كُلٌّ منهن سر حبّ، وشهوة – وطبعاً سرّ موت، واللواتي، باجمعهن، لسن سوى الحرب اللاهثة ذاتها، حرب رغبة وحيدة: في أن يُنْقَذ، عبر الكلام، ما يمكن انقاذه من هذا الكوكب المحبوب، المكوّن من تراب، المكون من بحر، المكون من رمل وزهور، المكون من دموع وشعشعة نجوم، المكوّن من ألوان وفصول، المكوّن من طيور ضاحكة ونباتات شبقية، المكون – للسراء والضراء – من كلمات. من “كلمات تتمدَّد”، يقال لنا.

الكلمات، كانت ناديا تعرفها واحدة واحدةً. واحدة واحدة كانت تحبّها لاجل ما تقول، وخصوصاً، لأجل ما تكتم. واحدة واحدة، كما يحرر عصفور، كانت تفلتها في الفضاء لترى أي اتجاه ستأخذ، وكيف ستهوّئ بالخفق الفطري و الخبير لاجنحتها، مدينة البشر الثقيلين – المنجرفة لمجرّد ثقلها نحو الدمار ونحو الموت: “مدينة – غبار بلا انفسٍ، بلا مطايا”. عندئذ، بسرعة كبرى، تجاه صعود الليل، فيما حزيران العادل لا يزال يشعّ ويتَّقِد، اذا بالاصوات، تلك الاربعة – اصوات الجهات الاربع للبوصلة، الطرق الاربع لكل المفترقات، الايدي الاربع لكل موسيقى قويّة، الأناجيل الأربعة لكلّ وعد – الاصوات الاربعة، قلت، ستعلن الكلمات الفقيرة والطاهرة التي سينسج منها اخيرا الكلام. كلام كبير: ذاك الذي هو مثل حجاب ثاقب، مثل جناح ملاك أفْرِدَ فوق مََتَاعِسِ الزمن. الكافرات، واحدة بعد الأخرى، عبر تواطؤ الكلام، عبر اجسادهنَّ، الاربعة المختصرة في جسد أوْحََدَ، ها هن، يبسطن ايديهن الى الراوي، ايديهن واذرعهن، اذرعن واكتافهن، اكتافهن، وما يجيء معها، لكي يتحررن اخيرا، يتخلصن، من هذا السر الاثقل فيهن، يبلغن السلامََ في الاذعان الحاصل ضمن الكلام المكتمل. بعد كل ذلك وقعت حربهن، ها هن يدخلن مصيرهن، اشباحا – بالشعر، ها هن، يفتتحن مسيرتهم المشرقة، في ما وراء الالوان، في ما تسميه الشاعرة على نحوٍ مُلغز – رائع – “الصمت الازرق”. هذا الازرق الذي يضع حدا في كل منا، تجاه الجمال، لـ”الكفر”: “لا شيء بهذا الجمال الا لان لا شيء الا سيموت بعد لحظة…”. ولكن، لا بأس! – كأن ناديا تقول – كان ذلك، وكان جميلا.  متحدّثا عن القصيدة كشرخ في قلب الزمن، ذكرت، في ثنايا احدى الجمل، ذكرت الفضاء. القصائد الكبرى حاملة فضاء.

هذا الفضاء بالذات هو الذي عرف روجيه عساف، في ما يشبه التراجيديا القديمة، مع الكورس الرباعي الاصوات وقائد الكورس، ان يستمده من “حزيران والكافرات”، نعم، هذا الفضاء بالذات هو الذي ينبسط على نحو رائع حول الخطوط المحورية لهذه القصيدة. كل من هذه الخطوط المحورية يتحول عمودا ذهنيا لمعبد لا مرئي، معبد يخضع، مثل مدينة الحلم كلها، لنوع من انهيار باروكي. اين نحن اذا؟ الموسيقى، قاسيةً ومطرَّقةً، تحمل معها انفجارات لونية كبرى كَأَنَّمَا شرارات ضوئية تتكون تحت الجفن المطبق للسامع، النساء الاربع الشابات، الجميلات جدا، هنا، كأربع موجات ترتطم بصَخر الشهوة، ومن كلامها المنفجر، ملطّخا قسوة حزيران، اربع موجات منقضة مرتدة سرعان ما تستعيد تكوينها جسما وقوة. وهو، روجيه عساف، قائد الكورس، يروي كل ذلك، وما تقوله النساء الشابات يبدو انهن لا يقلنه الا في حلمه هو، الذي يروح ويجيء على الخشبة رويدا رويدا على طريقة خبير المساحة. ولكن ما يقيه خبير المساحة هذا هو – سرعان ما ننتبه الى ذلك – موقع الحلم بالضبط، وهو كذلك، موقع الحياة.

نقلها عن الفرنسية جاك الاسود

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*