نابليون وبتهوفن والسمفونية الثالثة

زيد خلدون جميل 
القدس العربي
17072018

ارتعب سكان العاصمة النمساوية يوم العاشر من مايو/أيار 1809 وهم يسمعون الأصوات المخيفة لانفجارات القنابل في مدينتهم، فالجيش الفرنسي يحاصر المدينة، ولم يكن قائده سوى مكتسح أغلبية اوروبا الغربية الامبراطور الفرنسي نابليون بونابارت (1769 ـ 1821). وكان أول الهاربين من المدينة الامبراطور النمساوي نفسه، أما أغلبية الجيش النمساوي فقد كانت بعيدة عنها. وكان أحد المرتعبين في المدينة الألماني لودفيغ فان بتهوفن (1770 ـ 1827) أعظم موسيقار عرفه التاريخ، الذي اختبأ في قبو منزل أخيه كارل، وكان طوال الوقت يغطي أذنيه بالمخدات لحمايتهما من أصوات الانفجارات، وهو الذي أخذت حاسة سمعه في التدهور منذ عام 1798. وكتب بتهوفن حينها «يا لها من حياة مليئة بالاضطرابات حولي، لا شيء سوى الطبول والمدافع والتعاسة البشرية من كل نوع». ولكن الأمر لم يَطُل حيث استسلمت المدينة سريعا ليدخلها نابليون منتصرا في الثالث عشر من مايو/أيار 1809. وكانت الأضرار في المدينة قليلة، إذ كان تأثير المدافع بشكل عام نفسيا أكثر منه فعليا، ولم يدم الحصار سوى ثلاثة أيام. ولكن ذلك كان كافيا لإقناع حكومة الامبراطورية النمساوية بالاستسلام. وبهذا الشكل كان في «فيينا» في تلك اللحظة شخصان غيرا تاريخ العالم في مجاليهما؛ أولهما بتهوفن في عالم الموسيقى، وثانيهما نابليون في عالم السياسة. هذا الحدث المهم ليس القصة بأكملها، ولكن جزء من سلسلة من الأحداث المهمة التي بدأت بالثورة الفرنسية.

لم يكن نابليون بونابارت من خارج طبقة النبلاء الفرنسيين فحسب، بل إنه لم يكن فرنسيا من الناحية العملية، لأنه كان من جزيرة كورسيكا ومن أصول إيطالية. وكانت فرنسا قد احتلت جزيرة كورسيكا، التي ولد فيها نابليون، قبل عشرة أيام فقط من ولادته عام 1769.

الثورة الفرنسية

اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 ويعتبر اقتحام المتظاهرين المناوئين للنظام الملكي لسجن الباستيل للاستيلاء على مخزونه من البارود والأسلحة (ليس لتحرير أي سجناء) رمز بدايتها التي هزت العالم الغربي آنذاك، ومن الممكن اعتبارها علامة فارقة في التاريخ العالمي. وحازت الثورة الفرنسية تأييدا واسعا في أوساط الطبقة المتعلمة في أوروبا، حتى كبار المثقفين مثل الفيلسوف الألماني إيمانوئيل كانت (1724 ـ 1804) وكان السبب اعتقاد هؤلاء أن الأنظمة القائمة في أوروبا كانت حجر عثرة أمام تطورهم ومستقبل بلادهم. ولم يقتصر تأييد الثورة على هؤلاء، بل تعدى ذلك ليشمل حتى بعض أفراد طبقة النبلاء في أوروبا وحتى فرنسا نفسها، على الرغم من أن أحد أهداف الثورة الفرنسية كان القضاء على تلك الطبقة بالذات ورمزها المتمثل في الملك. ومن هؤلاء النبلاء الذين أيدوا الثورة الفرنسية كان دوق أورلينز، ابن عم ملك فرنسا ومنافسه على العرش، الذي كانت بعض اجتماعات قادة الثورة قبل قيامها تقام في قصره. وقام قادة الثورة الفرنسية بإعلان بعض المبادئ المبسطة حول الحرية وحقوق الإنسان، التي استعملت كدعاية لهم وانطلت هذه الخدعة على الكثير من الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين. ولكن سكرة الفرحة بقدوم الثورة أعمت المحتفلين بها عن حقيقة مهمة، وهي أن الثورة جلبت إلى الحكم مجموعة من الشخصيات المجهولة التي سرعان ما أثبتت أنها لم تكن سوى أشخاص متشبثين بالحكم مهما كان الثمن، وعلى حساب مصالح فرنسا، فقاموا بحملة إعدامات بالجملة استهدفت كل من عارضهم، أو من الممكن أن يعارضهم، وبشكل خاص أفراد الطبقات الارستقراطية، حيث كان دوق أولينز نفسه أحد أشهر من تم إعدامهم.


ونظرا لكون أغلبية ضباط الجيش والبحرية الفرنسيين من طبقة النبلاء، فقد كان عدد الضباط الذين تعرضوا للإعدام كبيرا، ما أضعف من قدرة الجيش والأسطول الفرنسيين بشكل كبير. ولم يسلم من تلك الإعدامات حتى من فشل من قادة الثورة عندما كانوا يفشلون في صراعاتهم الداخلية، وكذلك كبار العلماء الذين كان منهم العالم الفرنسي لافوازييه (1743 ـ 1794). وبلغ عدد الذين تم إعدامهم حوالي الأربعين ألفا، وهذا العدد لا يشمل الذين قتلوا في المواجهات المسلحة. ولم تكن المقصلة الأداة المفضلة في تنفيذ الإعدام بشكل عام، كما يظهر في الأفلام السينمائية، بل إنها كانت الوسيلة المفضلة في باريس فقط، حيث تنوعت وسائل الإعدامات خارج العاصمة الفرنسية، وكان منها الإغراق في البحيرات والأنهر.

نابليون بونابارت

وفي هذه الأثناء برز ضابط شاب يدعى نابليون بونابرت عرف بكفاءته وطموحه، واعتمد عليه قادة الثورة بسبب تأييده للثورة والنجاحات العسكرية السريعة التي حققها. ولم يكن نابليون بونابارت من خارج طبقة النبلاء الفرنسيين فحسب، بل إنه لم يكن فرنسيا من الناحية العملية، لأنه كان من جزيرة كورسيكا ومن أصول إيطالية. وكانت فرنسا قد احتلت جزيرة كورسيكا، التي ولد فيها نابليون، قبل عشرة أيام فقط من ولادته عام 1769. وكان نابليون فخورا بأصوله الإيطالية والكورسيكية، وكان يتقن اللغتين الإيطالية والكورسيكية، بينما لم يتقن اللغه الفرنسية! وعندما اندلعت الثورة الفرنسية أعلن تأييده لها وانتصر في مناوشات مع القوات المناهضة للثورة، خاصة معركة حدثت في باريس نفسها، ما أثار إعجاب قادة الثورة به، وبعد ذلك حقق انتصارات باهرة على الدول المجاورة. ومن هنا برز نجم نابليون بسرعة فائقة حتى قام بانقلاب واصبح ديكتاتور فرنسا عام 1799 قبل أن يتجاوز الثلاثين من عمره. وقام بإصلاحات مهمة في مجال الإدارة والقانون، أثارت الإعجاب لنجاحها، بالإضافة إلى انتصاراته العسكرية، وأصبح الناس ينظرون إليه وكأنه الرجل الذي يحول كل ما يلمسه إلى ذهب. إذ بعد الإعدامات التي قام بها قادة تلك الثورة وأصابت الكثيرين بالرعب، ما قلل من تأييدهم لها، ظهر نابليون، الذي نهض بفرنسا سريعا ليقدم نظاما جديدا على أنقاض النظام القديم، الذي أطاحت به الثورة الفرنسية، ولذلك اعتبر المسحورون بالثورة الفرنسية نابليون، استمرارية للثورة وليس من دفنها في قبرها كما حدث في الحقيقة.

بتهوفن

كان بيتهوفن في التاسعة عشرة عندما اندلعت الثورة الفرنسية، وكان شابا مثاليا ومن مؤيدي حرية الإنسان والمساواة في المجتمع. ولذلك كان من المعجبين بالمبادئ التي نشرتها تلك الثورة، وكان يقرأ باستمرار المجلات المؤيدة للثورة في ألمانيا، ويكتب فيها أكاديميون ألمان. وفي عام 1792 انتقل بتهوفن بشكل نهائي إلى العاصمة النمساوية «فيينا»، التي كانت تُعَدُّ عاصمة الموسيقى العالمية، وبرز فيها كموسيقار كبير ولكنه فوجئ عام 1798 بفاجعة فقدانه للسمع التدريجي، لسبب مجهول، ما سبب له ألما شديدا. وفي عام 1802 اقترح عليه أحد الأطباء قضاء الصيف في منطقة «هايلجنشتات» الواقعة في شمال «فيينا» للراحة. وفي بداية إقامته في تلك المنطقة كان بتهوفن غارقا في يأسه، حيث وجد نفسه محاصرا بالوحدة والألم، وكتب عن تلك المعاناة الخانقة التي تكاد أن تدفعه إلى الانتحار، وأن ما منعه عن القيام بذلك كان حبه للموسيقى. ولكن إصراره على الاستمرار في الحياة وطبيعة المنطقة الخلابة حسنا من حالته النفسية، وأخذ يفكر جديا في تأليف مقطوعة موسيقية تعبر عن مشاعره البائسة، وكانت تلك المقطوعة هي السيمفونية الثالثة التي اعتبرت ثورة على كل التقاليد والأصول الموسيقية. وقضى ستة أشهر في «هايلجنشتات».

عبّرت هذه السيمفونية عن آلام بتهوفن، فهي تبدأ بانفعال صاخب، وكأن رجلا يضرب المنضدة بقبضتيه بعنف كي يجذب انتباه الجميع، ثم تليه موسيقى حزينة مؤثرة، واعتبرت هذه الموسيقى الجنائزية أشهر القطع المصاحبة لجنازات المشاهير في الغرب.

السيمفونية الثالثة

عبّرت هذه السيمفونية عن آلام بتهوفن، فهي تبدأ بانفعال صاخب، وكأن رجلا يضرب المنضدة بقبضتيه بعنف كي يجذب انتباه الجميع، ثم تليه موسيقى حزينة مؤثرة، واعتبرت هذه الموسيقى الجنائزية أشهر القطع المصاحبة لجنازات المشاهير في الغرب. وكانت السيمفونية الأطول في تاريخ الموسيقى حتى يوم عرضها. وامتازت بكل ما ميز موسيقى «بتهوفن» بعد ذلك، فلا يمكن للمستمع لأي جزء منها أن يستنتج الجزء التالي، فموسيقى بتهوفن لا تمتع أحدا بل تثير الاضطراب والإرهاق لدى مستمعيها، وكأنها تخترق أعماق النفس البشرية وتقدم قصة كاملة مليئة بالألغاز جاعلة المستمع يسبح في أحلام اليقظة.
قام بتهوفن بتسمية تلك السيمفونية «بونابارت» تيمنا ببطله نابليون بونابارت، ولذلك كتب ذلك الاسم على الصفحة الأولى من وثائق السيمفونية تمجيدا له. ويعبر هذا عن الانفتاح والتساهل السياسيين في «فيينا» ذلك الزمن، حيث أن الطبقة السياسية النمساوية حينذاك كانت ضد نابليون بوضوح. ولكن آمال «بتهوفن» لم تدم، ففي عام 1804 وعندما كان في المراحل الأخيرة من السيمفونية أبلغه أحد تلامذته أن نابليون عين نفسه إمبراطورا، ما جعل بتهوفن يفقد صوابه و يستشيط غضبا، إذ قال «والآن سيقوم نابليون أيضا بالدوس بقدمه على كل حقوق الإنسان للانغماس في طموحه، والآن سيعتبر نفسه فوق الجميع ويصبح طاغية»، ثم انقض على الصفحة الأولى للسيمفونية وشطب اسم «نابليون» بقوة إلى درجة أنه أحدث تمزقا في الورقة التي لا تزال موجودة حتى اليوم. ولذلك قام بتغيير اسم السيمفونية إلى «السيمفونية البطولية» وأهداها إلى أحد الأمراء النمساويين، الذي كان أكثر من دعم الموسيقار الكبير. وازداد شعور بتهوفن العدائي تجاه نابليون تدريجيا، وتفاقم عندما حاصر نابليون «فيينا».
ولكن علاقة بتهوفن مع فرنسا لم تنته، بل استمرت بشكل غريب بعد وفاة الموسيقار الكبير، فقد كان الموسيقار الأشهر في الدول المتكلمة باللغة الألمانية ولكنه لم يكن بتلك الشهرة خارجها حتى ثلاثينيات القرن التاسع عشر عندما أصبحت العاصمة الفرنسية باريس عاصمة الثقافة الغربية وانسحر الموسيقيون الفرنسيون بموسيقى بتهوفن، خاصة موسيقار فرنسا الأول لويس هيكتر برليوز. وتعلم الفرنسيون الكثير من موسيقى بتهوفن، ومن «باريس» انطلقت شهرته ليصبح أعظم موسيقار في تاريخ البشرية.
يشترك نابليون بونابارت وبتهوفن في عدة صفات بمحض الصدفة، فقد كان الاثنان في العمر نفسه تقريبا (كان نابليون أكبر بسنة) وتمتعا بثقة مفرطة بالنفس و نرجسية واضحة، ولم يكونا بارزين في بداياتهما، حيث لم تكن هناك أي إشارة لإعطاء الانطباع بأن أيا منهما كان سيغير التاريخ، فلم يكن نابليون من العوائل النبيلة التي كان منها أغلب ضباط الجيوش الأوروبية آنذاك، بالإضافة إلى أصوله الأجنبية ولم يكن متفوقا، ولكنه نجح بفضل جهوده والظروف التي ساعدته في أن يصبح أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ، وتعتبر خططه العسكرية محط اهتمام كبير من قبل المؤرخين والقادة العسكريين، وهو أيضا إحدى الشخصيات التاريخية التي يفتخر بها الفرنسيون حاليا. أما بتهوفن فلم يكن الطفل العبقري مثل موزارت، ما خيب آمال والده، ولكنه نجح في إنتاج ثورة في عالم الموسيقى، وتعتبر سيمفونيته التاسعة في الوقت الحاضر اكثر القطع الكلاسيكية عزفا في العالم وعند تأسيس الاتحاد الأوروبي اتّفقَ على اعتبار السيمفونية التاسعة السلام الوطني للاتحاد الأوروبي. وكانت موسيقى بتهوفن توحي دائما بأن الحياة مأساة أليمة ولكن بصيص الأمل موجود فيها دائما لإنقاذ الإنسان من عذابه، وهو الأمل الذي طالما انتظره بتهوفن نفسه ولكنه لم يأت. ولا يمكن تجاهل مدى صعوبة عزف مقطوعاته الموسيقية التي كانت سبب شكوى الموسيقيين دائما، ولكن جوابه كان دائما «لا تهتموا، هذه الموسيقى للمستقبل»، فمن الواضح أن التواضع لم يكن من شيم بتهوفن. وعانى بيتهوفن من وحدة قاتلة والظاهر أنه اعتقد أن الموسيقى الشيء الوحيد الذي جعله مهما في الحياة، وعرف أيضا عدم وجود من يمكن أن ينافسه في هذا المجال. ولذلك فإنه لم يهتم إن كانت موسيقاه محط إعجاب المستمعين، حيث اعتبر نفسه من يقرر ما يسمع الآخرون، وكان هذا أحد أسباب إقدامه على عرض أشياء جديدة في الموسيقى.

٭ باحث ومؤرخ من العراق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*