الرئيسية / home slide / نابليون في المئوية الثانية لرحيله..معارض فنية وسجالات تاريخية

نابليون في المئوية الثانية لرحيله..معارض فنية وسجالات تاريخية

محمود الزيباوي |الخميس30/12/2021
Almodon.com

  • فرنسوا رود، "يقظة نابليون عند الخلود"، 1840.فرنسوا رود، “يقظة نابليون عند الخلود”، 1840.
  • نابليون في المئوية الثانية لرحيله..معارض فنية وسجالات تاريخيةهوراس فيرنيه، “نابليون خارجاً من قبره”، 1869.
  •  ادمون لويس دوبان، "رؤيا نابليون على شفير النكبات"، 1904.ادمون لويس دوبان، “رؤيا نابليون على شفير النكبات”، 1904.
  • جورج روجيه، نابليون على سرير الموت، 1846جورج روجيه، نابليون على سرير الموت، 1846
  •  جان باتيس موزيس، "نابليون والزمن"، 1833.جان باتيس موزيس، “نابليون والزمن”، 1833.
  • القناع الجنائزيالقناع الجنائزي
  • جان باتيست موزيس، نابليون على سرير الموت، 1843.جان باتيست موزيس، نابليون على سرير الموت، 1843.
  • كارل فون ستوبن، نابليون وسط ثلة من تابعيه المخلصين، 1828.كارل فون ستوبن، نابليون وسط ثلة من تابعيه المخلصين،

احتفلت فرنسا خلال هذا العام بالذكرى المئوية الثانية لرحيل الأمبراطور نابليون بونابرت، وأقامت لهذه المناسبة سلسلة طويلة من المعارض الفنية في نواح عديدة من البلاد وخارجها. تستمر هذه التظاهرة على مدى الأشهر المقبلة، ويستمر الجدال في أوساط المثقفين والمؤرخين حول صوابية إحياء هذه الذكرى في زمننا. خارج هذا السجال، كشفت هذه الاحتفالية عن مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية التي بقيت طويلا في الظل، ومنها أعمال تصور المرحلة الأخيرة من حياة الأمبراطور، وهي المرحلة التي قضاها منفيا في جزيرة القديسة هيلانة، جنوب المحيط الأطلسي.



في صيف عام 1969، احتفلت فرنسا بالمئوية الثانية لولادة الأمبراطور نابليون في الخامس عشر من شهر آب/أغسطس 1769 في أجاكسيو، عاصمة جزيرة كورسيكا، وقال رئيس الجمهورية جورج بومبيدو آنذاك: “لا يوجد اسم أكثر عظمة من اسم نابليون، بدأ من لا شيء، وكان محروما من كل شيء، ونال كل شيء”. أثارت هذه الاحتفالية نقاشاً حاداً كشف عن التاريخ الأسود للقائد الأسطوري، وبات إرث نابوليون المثير للجدال قضية تشغل الخاصة والعامة على حد سواء. في ربيع 2021، شرعت فرنسا في الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية لوفاة نابليون في 5 مايو/أيار 1821 في منفاه بجزيرة القديسة هيلانة الخاضعة للحكم البريطاني، وأثارت هذه الاحتفالية من جديد زوبعة من السجالات المحتدمة بين فريق يشدّد على الدور الذي لعبه نابليون في بناء “الدولة الحديثة”، وفريق يبرز وجهه كحاكم متسلّط ومستبدّ رجعي تسبّب في مقتل مئات الآلاف خلال حملاته العسكرية، وأعاد فرض نظام العبودية في المستعمرات الفرنسية بعد مرور ثماني سنوات على الغائها.

في الواقع، اليوم كما في الأمس، يبرز نابليون كشخصية استثنائية متعدّدة الوجوه، وتظهر الأبحاث الكثيرة التي تتناول مسيرته، هذه التعدّدية المثيرة. رغم مرور قرنين على وفاته، لا يزال الأمبراطور الفرنسي يبهر العالم، وقد شكلت الذكرى المئوية الثانية مناسبة لإصدار العديد من الكتب الجديدة عن هذه الشخصية التي كُرّست لها بالفعل آلاف الأبحاث والروايات والمقالات. في هذا السياق، رأت الأستاذة الجامعية ناتالي بوتيتو ان شخصية نابليون “ستظل مبهرة إلى ما لا نهاية، لأنها تمثّل قدراً فردياً استثنائياَ يُعبّر عن كل ما أتاحته الثورة”، والدليل صدور أكثر من ثمانية عشر ألف كتاب يتضمن عنوان كل منها اسم نابليون، بما في ذلك تلك التي تخص ابن أخيه نابليون الثالث. ويبدو أن هذا الرقم سيظل مرشَحا للارتفاع، كما يشهد مسلسل الإصدارات المتواصل المرتقب في العام التالي. هكذا تتبدّل صورة نابليون وفقا للتيارات السياسية السائدة، وتتجرّد اليوم من العديد من الجوانب الاسطورية التي نُسجت حولها، غير ان اسم صاحبها لا يفقد شيئا من جاذبيته كما يبدو.

شروق وغروب

يصعب اختصار مسيرة نابليون في سطور، والمعروف أنه وُلد ونشأ في جزيرة كورسيكا، وألحقه والده بمدرسة “بريان” العسكرية، والتحق بعدها بمدرسة “سان سير” الشهيرة، وأظهر في المدرستين تفوقًا باهرًا في العلوم العسكرية كما في الآداب والتاريخ والجغرافيا. أنهى دروسه الحربية في 1785، وعُين برتبة ملازم أول في سلاح المدفعية التابع للجيش الفرنسي الملكي، وشهد اندلاع الثورة الفرنسية، وبرز في تلك الحقبة المصيرية حيث كان السند الفعلي لما يُعرف بدستور 1795. في زمن كانت فيه النمسا تسيطر على شبه الجزيرة الإيطالية، قاد نابليون الحملة الإيطالية الأولى، وأمسك بزمام الأمور وحقق نصرًا حاسمًا على النمساويين في “معركة جسر أركول”، ثم توجه على رأس جيشه إلى الأراضي النمساوية نفسها، وفرض على النمساويين إبرام معاهدة سلام مع فرنسا، وأصبح فعليًا الرجل الأول في فرنسا.

أراد نابليون أن يسير على خطى الإسكندر الكبير، فسعى إلى تأسيس قاعدة لأمبراطورية فرنسية في الشرق تربط القارة الأوروبية بالهند، وشرع في التخطيط لغزو مصر قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره، فأعد أساطيله في ترسانة طولون، وخرج بها عام 1798، واستولى على جزيرة مالطا وسط البحر الأبيض المتوسط، ثم انطلق في اتجاه مصر سالكاً طريقاً غير مباشرة بغية تضليل المراقبة الانكليزية، ودحر قوات المماليك الدفاعية في خليج أبو قير، ثم سار إلى القاهرة وأنشأ فيها ديوانا محليا، وخاطب أهلها مقدّما نفسه كنصير للخلافة وللمسلمين، وقال: “إنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم”.

تمرّد المصريون على الحكم الجديد، فسحقهم قائد “جيش الشرق”، وانطلق في حملة جديدة لبسط سلطته على سوريا وفلسطين، فاستولى على العريش، وسيطر على يافا بعد معارك دامية أُسر فيها ألفا عسكري تمّ إعدامهم رمياً بالرصاص، ثم حاصر عكا وهدم بروجها، لكنه تراجع أمام تدخل العثمانيين والانكليز، وشكّل هذا التراجع بداية لنهاية سيطرته على مصر. احتد التنافس الاستعماري في المشرق العربي بين فرنسا وبريطانيا، وبعث الانكليز بأسطولهم إلى الإسكندرية واحتلوا أبو قير. هُزم الفرنسيون في الموقع الذي شهد انتصارهم الأول في مصر حيث أحكم الجنرال نيلسون الحصار عليهم وحطم أسطولهم وأغرقه. إثر هذه المعركة، وقّع الجنرال مينو مع الجيش الانكليزي اتفاقية التسليم التي قضت بخروج الفرنسيين من مصر بكامل عدتهم على متن السفن الانكليزية الظافرة في عام 1801.

فشل نابليون في تحقيق حلمه الشرقي، وعاد إلى موطنه، واتخرط في الحياة السياسية، وشارك في صياغة العديد من مواد الدستور الذي عُرف بدستور السنة الثامنة، وانتُخب قنصلا أول، فانتقل إلى قصر التويلوري، وهو القصر الذي اتخذ منه ملوك فرنسا مقرًا لهم في الماضي، وتعرّض لعدد من المؤامرات، فاستغل الأمر، وألغى نظام القنصلية، وعمل على انشاء نظام ملكي يحمل فيه لقب الأمبراطور، وتوّج نفسه امبراطورا في كاتدرائية نوتردام في باريس، بحضور البابا، صيف 1804، ثم تهيّأ لغزو بريطانيا، ودخل في مواجهة مع النمسا وروسيا، وتحقق له النصر في معركة أوسترليتز في 1805.

خاض نابليون في السنوات التالية سلسلة طويلة من الحروب أنهكت البلاد، وكانت آخر معاركه معركة واترلو التي تقهقر فيها جيشه منهزمًا شر هزيمة في صيف 1815، وحاول ان يهرب إلى الولايات المتحدة، غير أنه وقع في الأسر، ثم نُفي إلى جزيرة القديسة هيلانة في وسط المحيط الأطلسي الجنوبي، ودأب في منفاه على تدوين ذكرياته بمعاونة ثلة من تابعيه المخلصين، إلى أن مرض في شتاء 1821، وتدهورت حالته الصحية حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في 5 أيار/مايو، وهو في الحادية والخمسين من عمره، وفي اليوم التالي، قام طبيب مجهول الهوية بصناعة قناعه الجنائزي.

أوصى الأمبراطور المخلوع بأن يدفن على ضفاف نهر السين، إلا أن حاكم الجزيرة رفض ذلك، وأمر بدفنه في ركن يُعرف باسم “وادي الصفصاف”. في 1840، نجح الملك لويس فيليب الأول في أن يستحصل على إذن من الحكومة البريطانية بنقل رفات نابليون إلى فرنسا، وتم نقل هذا الرفات على متن سفينة حربية طليت بالأسود تعبيرا عن الحداد. شيِّع نابليون رسميا في منتصف أيلول/ديسمبر، ووُضع نعشه في “مجمّع ليزانفاليد” (الانفليد)، أي “المقام الوطني للمعوقين”، في مأتم مهيب شارك فيه حشد غفير من المواطنين.


صور وإشارات

تستعيد فرنسا اليوم هذا التاريخ الحافل من خلال سلسلة طويلة من المعارض والمحاضرات، وتحوي هذه المعارض مجموعة ضخمة من اللوحات “الرسمية” التي أنجزها الرسامون “الرسميون” بين نهاية القرن الثامن عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، ويمكن القول ان هذه اللوحات هي في الدرجة الأولى أعمال “دعائية” تعظّم نابوليون بأسلوب أكاديمي يبهر العين التي تهوى هذا النوع من الرسم. إلى جانب اللوحات التي حصدت شهرة واسعة وباتت صورها متداولة منذ زمن بعيد، تحضر أعمال تخرج من الظل إلى النور، نذكر منها زيتية من الحجم الجداري من توقيع الفنان الأكاديمي ادمون لويس دوبان، عنوانها “رؤيا نابليون على شفير النكبات”.

تعود هذه اللوحة إلى عام 1904، وتمثل القائد العسكري في الظلمة منكبّا على مكتبه في حالة تأمل. لباس القائد مزيّن بالنياشين التي حازها، وحاجياته التي تظهر في اللوحة هي تلك التي ارتبطت بإسمه فعليا في الواقع، وأغلبها محفوظ اليوم في “متحف الجيش”. في ما يشبه لمعان البرق في الظلمة، تظهر أربع قامات نسائية تمثل كل منها مرحلة من مراحل تاريخ نابليون. تجسّد المرأة الأولى الجمهورية الفرنسية، وتجسد الثانية الحلم المصري، أما الثالثة فتجسد الحقبة الأمبراطورية، وتجاورها الرابعة التي تحمل السمات الجنائزية الكلاسيكية.

يحضر احتضار نابليون وموته في سلسلة من الأعمال المثيرة، منها زيتية من توقيع جورج روجيه تعود إلى عام 1846، وفيها يحضر القائد في لحظاته الأخيرة مستلقيا على فراشه، محتضنا فوق صدره ميدالية الشرف التي ابتكرها إثر معركة اوسترليتز. في زيتية أخرى انجزها جان باتيست موزيس سنة 1843، يظهر القائد ممددا على فراشه، معتمرا قبعته الشهيرة، ويظهر أمامه في الطرف الآخر الأباتي الكورسيكي أنجيلو باولو فينيالي الذي رافقه في لحظاته الأخيرة، ولويس مارشان، مرافقه الخاص الذي لازمه في سنوات المنفى. يتضاعف عدد الحاضرين في لوحة من توقيع كارل فون ستوبن تعود إلى 1828، وقد نجح أهل الاختصاص في تحديد هوية كل منهم، وهم تباعا الجنرال هنري برتران، رفيق نابليون في حروبه كما في أيام المنفى، ومعه أفراد عائلته، ثم طبيب نابليون، ولويس مارشان، وهو مرافقه الخاص كما أشرنا. وإلى جانبه يحضر علي، وهو حارس نابليون ومملوكه، ثم الجنرال شارل مونتولون، وهو كذلك رفيق نابليون الذي لازمه في أيام المنفى، نراه هنا وهو يحمل بين يديه وصية قائده، متطلعا في اتجاه ضابطين بريطانيين.

بقي اسم نابليون حيا في الوجدان الفرنسي، كما تشهد سلسلة أخرى من الأعمال، أشهرها منحوتة كبيرة أنجزها فرنسوا رود في 1840، وأسماها “يقظة نابليون عند الخلود”، وتمثل القائد وهو ينهض بلباسه العسكري من خلف الكفن الذي يلف قامته. تتحوّل هذه القيامة الرمزية إلى واقع في لوحة لهوراس فيرنيه تعود إلى 1869، وفيها يظهر نابليون منتصبا، خارجا بلباسه التقليدي من قبره، وتظهر على واجهة غطاء القبر كتابة تنقل وصيته التي دونها في 16 نيسان/ابريل 1821: “أرغب في أن يستريح رمادي عند أطراف نهر السين، وسط هذا الشعب الفرنسي الذي أحببته حبًّا جمًّا”.

في زيتيّة من توقيع جان باتيس موزيس تعود إلى 1833، يظهر نابليون جالسا فوق غمامة بيضاء، مدوّنا بقلمه على لوح كبير القانون المدني الذي حمل اسمه في 1807. ويظهر من أمامه شيخ جليل يهمّ بتتويجه بإكليل الغار. عند قدمي القائد، يظهر نسرٌ كبيرٌ يبسط جناحيه في الأفق، ومن خلفه، تظهر قبعته وعلم الجمهورية ورمح يعلوه نسر ذهبي. ويجسد هذا الشيخ الزمن، ويظهر عند قدميه منجل يرمز إلى الموت، هذا الموت الذي غلبه نابليون بقانونه المدني.