الرئيسية / home slide / مَن يتزوّج أمّي (قسرًا) لن يصير عمّي ولا بيّي

مَن يتزوّج أمّي (قسرًا) لن يصير عمّي ولا بيّي

15-10-2021 | 00:00 المصدر: “النهار”

عقل العويط

من أحداث الطيونة أمس (نبيل إسماعيل).

أمُّنا البلاد – الأرملة، تواجه الخطر الوجوديّ والكيانيّ والجمهوريّ الأعظم. ما جرى يوم أمس ليس حادثًا عابرًا. ويجب على العقل والحكمة أنْ يكونا هما الموئل الوحيد. ويجب ألّا يفلت الملقّ من جرّاء ما حصل، أو من جرّاء سواه، وممّا جرى قبله، وممّا قد يجري بعد. يجب ألّا يفلت الملقّ أمنيًّا، ثمّ يجب، ثمّ يجب. وبالثلاث.
لكنْ ليس كلّ مَن أراد بالقوّة، بالزعبرة، أو بانتحال الصفة، أنْ يتزوّج أمّنا، صار عمّنا. فاسمعْني جيّدًا يا عبد الرزّاق غورنة، الحائز نوبل الآداب لهذه السنة. وليسمع من خلالك مَن يحبّ أنْ يسمع. لقد قلتُ لكَ، وأكرّر القول، إنّهم يزعمون امتلاك الحقيقة، الحقيقة كلّها، وحصرًا. أمّا هذه الحقيقة التي يزعمونها في جيبتهم، فيعتقدون أنّها تخوّلهم وضع اليد على #لبنان، بطريقةٍ غير مسبوقة، ولا حتّى في أيّ بلدٍ ظلاميٍّ وديكتاتوريّ. إنّهم يسفحون القانون والدستور والميثاق (لا تنسَ الميثاق)، والعيش المشترك (لا تنسَ العيش المشترك)، ويغتصبون مبدأ الفصل بين السلطات، وينحرون الجمهوريّة اللبنانيّة. فلا تُتعِب نفسكَ، ولا تُتعِب غيركَ، بالحماقات، والترّهات، والأحلام (هل قلتُ: الأحلام؟!). هل نسيتَ (أو تناسيتَ) ما كتبتَه بحبركَ وقلمكَ وكومبيوتركَ – أنتَ يا عبد الرزّاق – في “قرب البحر”؟ هل نسيتَ أنّ مَن يمتلئ بنفسه فيعتقد أنّه يملك الحقيقة، لا يقشع أحدًا سوى ذاته في المرآة. وإذا تراءى له أنّ ثمّة أحدًا قد يقفز إلى حافّة المرآة، أزاحه من طريقه (بالأساليب المناسبة) قبل أنّ يفكّر في القفز (أو يهمّ به). مفهوم، يا عبد الرزّاق؟مَن يملك الحقيقة، يعتبر الآخرين حمقى، بل حشرات، بل عبيدًا، بل صرامي عتيقة، يا عبد الرزّاق.لقد ذكّرتَني بإميل يواكيم البيطار. أنتَ بالطبع لا تعرف هذا الرجل. كان نطاسيًّا بارعًا، متخصّصًا في العظم، من عائلةٍ كريمة في بلدة كفيفان، من أعمال بلاد البترون بشمال لبنان. وقد عُيِّن في أحد الأيام وزيرًا للصحّة في جمهوريّتنا غير السعيدة، في حكومةٍ أُطلِق عليها يومذاك اسم “حكومة الشباب”. ما يرويه التأريخ (الحياديّ) الموضوعيّ عن هذا الرجل، أنّ إغراءات السلطة (والصحّة بالطبع) لم تستطع أنْ تغيّر شيئًا، وإنْ بسيطًا للغاية، في أخلاقه وقيمه. وعندما حزّت المحزوزيّة في مسألة الدواء وأسعاره، ووقعت الواقعة بين ابن البيطار (ذاك) ومافيات المستوردين، والكارتيلات (والحكومة والسلطة والعهد)، لم يكن يخطر في بال الطبيب الوزير إلّا أنْ يسأل ميزان ضميره (هل قلتُ الميزان؟!)، ويهتدي بمكاييله، فيواجه الأخطبوط الذي صار في زمننا تنّينًا (ليس كمثله تنانين)، فكان ما كان ممّا استدعى استقالته (القسريّة)، أو إقالته (عملانيًّا). لقد “استقيل”، بالأحرى. لأنّه لا يستطيع أنْ يخون ضميره، ويلوّث شرفه ويديه، فيكون – كما نحن الآن – في الغابة الظلاميّة مع الوحوش ذوي الأنياب والأظفار الضارية، الذين يحكمون لبنان (ألا يحتلّونه؟!).ترى، لماذا أتذكّر الآن ابن البيطار (ذاك)؟ أإلى هذا الحدّ، يتداخل بي الزمن بين ماضٍ (العام 1971) يُستذكَر فيه ذلك الوزير النبيل الأغرّ، وحاضرٍ يقفز فيه الآن إلى واجهة المواجهة، اسم بيطارٍ آخر (طارق)، في تحقيقٍ عدليّ يتعلّق بتفجير (لا بانفجار) مرفأ بيروت، بل بتفجير بيروت كلّها، بل لبنان جميعه، في الرابع من آب 2020؟قد يتداخل الزمن، صحّ، لكن العقل لا يتلخبط، ولا الذهن يَتشوّش، ولا الحكمة، يا عبد الرزّاق. يعتقدون أنّ في مقدورهم أنْ يفرضوا بالقوّة العارية ما يريدون، وأنّ الويل ثمّ الويل ثمّ الويل (بالثلاث)، في مرصاد مَن لا يعتقد هذا الاعتقاد، ويعمل بـ”هديه”.يصدر هذا المقال، غداة 13 تشرين الأوّل 2021 (هل يذكّركَ هذا التاريخ بـ 13 تشرين سابق آخر، يا ابن غورنة؟!). أمّنا البلاد – الأرملة تواجه الخطر الوجوديّ والكيانيّ والجمهوريّ الأعظم، وثمّة مَن يريد أنْ يرغمها على الزواج، بالقوّة، بالزعبرة، أو بانتحال الصفة.فاسمعني يا عبد الرزّاق (إسمعوني) جيّدًا: ليس على المرء (الإبن) أنْ يقبل بمفاعيل المثل الشعبيّ القائل: كلّ مَن تزوّج أمّي (البلاد) صار عمّي. أو بيّي.
بل على المرء أنْ يُعلي المبدأ الآتي: أمّي (البلاد) أرملة، وهي لا تريد – واضحٌ أنّها لا تريد – أنْ تسلّم نفسها إلى أحد، ولا أنْ “تستر” نفسها، فتدخل في ذمّة أحد. أمّا أنا فأدعو إلى القول علنًا جهارًا: لا أبا لي (ولا أريد)، ولا أعمام، ولا خؤولة. لكنْ، ثمّ لكنْ، ثمّ لكنْ: ما جرى يوم أمس ليس حادثًا عابرًا. ويجب أن يسود منطق العقل والتعقّل والحكمة في معالجته. ويجب ألّا يفلت الملقّ من جرّاء ما حصل، أو من جرّاء سواه، وممّا جرى قبله، وممّا قد يجري بعد. يجب ألّا يفلت الملقّ أمنيًّا – أكرّر: أمنيًّا -، ثمّ وجوديًّا وكيانيًّا وجمهوريًّا، ثمّ يجب، ثمّ يجب، ثمّ يجب. بالثلاث. والسلام.
akl.awit@annahar.com.lb
الكلمات الدالة
لبنان