الرئيسية / أضواء على / مَن هو التاجر الهادئ فضلو حوراني النهضوي اللبناني العربي؟

مَن هو التاجر الهادئ فضلو حوراني النهضوي اللبناني العربي؟

كتاب “فضلو حوراني التاجر الهادئ في مانشستر”.

يسجل كتاب “فضلو حوراني التاجر الهادئ في مانشستر” لسيسيل وزلفا حوراني (ابن وحفيدة فضلو) ما هو أبعد من سيرة هذا الرجل (1871-1960) أحد قادة المجموعة المتحدرة من أصول عربية في مدينة مانشستر التي دعمت الحملة البريطانية في الشرق الاوسط في الحرب العالمية الأولى. ثمة تاريخ في الكتاب، بل تواريخ، فأيّ تاريخ وأيّ تواريخ؟

هناك تاريخ العائلة الذي يصبح جزءاً من التاريخ الاجتماعي للبنان ولمنطقة الشرق الأوسط. وهناك تاريخ المنطقة العربية وكيف خضعت لوصاية القوى الاستعمارية واحتلالها. وهناك التحولات السياسية والتحولات الاجتماعية والثقافية. إنها سيرة الهجرة. وكذلك الإنجازات في المدرسة والجامعة (تخرج في الجامعة الاميركية في 1890) والسعي الدائم إلى التنمية والتطوير والإصلاح والتحسين. يظهر فضلو حوراني كأحد النهضويين في لبنان والعالم العربي الذي سعوا إلى تحقيق الاستقلال والتقدم، بالارتكاز على العلم والمبادئ الأخلاقية الصلبة. وإذا كانت سيرة فضلو حوراني تحمل هويته وذاتيته فإنها بمعنى ما سيرة جيل حاول أن يبني ويغير ويستقل ويقول كلمته بإرادة وكرامة رغم كل شيء. هي سيرة امتزاج الخاص بالعام والانغماس في قضايا الشعب والمجتمع.

في فصل بعنوان “فضلو والحرب العالمية الأولى” يتضح أنه كان يرأس المجموعة التي تدعم التعاون البريطاني مع الشريف حسين، بهدف الوصول إلى دولة عربية موحدة تشمل سوريا وفلسطين والعراق والأردن ولبنان والحجاز. ولكن مع تقدم المفاوضات والأمر الواقع على الأرض يبني فضلو قناعاته من خلال لقاءاته مع مارك سايكس بأنه “يلعب على الحبلين” وبأنه يتناقض في موقفه بحسب اجتماعاته مع شريكه جورج بيكو، لينكشف الموقف عن اتفاق سري مع فرنسا يجعلها الدولة المنتدبة على سوريا ولبنان.

لا يتوقف فضلو حوراني في سيرة الغربة أو سيرة الإقامة لحظة عن استئناف نشاطاته دوماً، وفي عمله الناجح في حقل المنسوجات والأقمشة. كان دائم الانتقال والسفر لإتمام صفقاته بين بريطانيا والبرازيل ولبنان وأميركا. لكن انشغاله الآخر يظل يضيء حياته من خلال تعاطيه بالشأن العام والخدمة الاجتماعية والأعمال الخيرية والنشاطات الثقافية والتعليمية.

تأثرت سلبًا الأعمال التجارية للتاجر الهادئ والناجح في مانشستر بعد الحرب العالمية الثانية مع تعرض مكاتبه هناك إلى القصف الذي دمر معه سجلات حياته التجارية وملحقات نشاطاته العامة. وبات من الصعب أن يستمر فضلو حوراني في الرحلات التجارية الناجحة. على رغم ذلك لا تتوقف جذوة العمل بل يندفع في اتجاه الدور الإذاعي الإعلامي التثقيفي في هيئة الإذاعة البريطانية في لندن (1940-1947)، محاولاً أن يعبر عن المواقف التي آمن بها والتي تهم لبنان والعرب وبريطانيا. كأن إقامته المديدة في بريطانيا ساعدته في بلورة رؤيته وأفكاره في اتجاه الهوية، حيث يتضح ذلك في كتاباته في مجلة ” القلم الصريح” في الأربعينات. وكقنصل فخري لشمال بريطانيا أقام فضلو علاقات وطيدة مع رجال عهد الاستقلال في سوريا ولبنان، مقدِّمًا العون والمساعدة والمشورة في كل أمر وقضية تهم لبنان سوريا وبريطانيا. في فصل بعنوان “فضلو وفلسطين” نقرأ وعيه بأن ليس هناك في الشرق مواقف معادية لليهود باعتبار أنهم “أهل كتاب” ويميز في موقفه من فلسطين بين اليهودية والصهيونية. ويؤكد أن تأسيس دولة يهودية في فلسطين أمر سخيف وسياسة فاشلة.

عمد فضلو إلى جمع التبرعات من المغتربين اللبنانيين والعرب في بريطانيا وأميركا والبرازيل، ونجح في تأسيس كلية في بلدة مرجعيون لتخريج التلاميذ. وساهم في دعم مستشفى الأمراض العقلية في لبنان. ولبث في الـ 15 سنة الأخيرة يدعم “كلية مرجعيون الوطنية ” في مسقطه. فهو عاد إلى لبنان لا ليتقاعد أو يمضي سنواته الاخيرة، بل ليجدد العلاقة مع عائلته وجيرانه وأقربائه ومتابعة دوره التأسيسي للكلية. وظل متمسكاً بحبه للثقافة ومنتمياً إلى هويته اللبنانية والعربية، ووفيّاً أيضاً لبريطانيا بلد الاغتراب الذي صنع نجاحه. عاش فضلو حوراني عصره حتى الثمالة بوعي، متساحًا بالموقف النقدي من الأشياء والقضايا والآخرين وفي مساحة مشتركة بين بلدين بدون أن يوزع ولاءاته حيث استطاع أن يجمعها ويصالحها.

لم يترك فضلو حوراني كتاباً بل ترك يوميات ورسائل ومقالات وكتابات بمجلة كانت تصدر عن الإذاعة بعنوان “المستمع العربي” ومحادثات وخطبًا ومواقف. كانت حياته كلها تدور على هذه المحاور، وأثر كل ذلك على أسلوبه بالإنكليزية والعربية، الذي يخصه وحده. وظل على همته فسافر إلى البرازيل لأجل تبرعات لبناء حرم جديد للكلية وللأسف لم يشهد وضع الحجر الأساس. وكانت سفرته الأخيرة إلى تونس آذار 1960.

توفي فضلو حوراني في 28 حزيران في اكسفورد عن 89 عاماً تاركاً الأثر الطيب والعبرة في بلده وفي عالم الاغتراب اللبناني والعربي. كان والداً فخوراً بعائلته وأولاده جورج الأكاديمي في جامعات أميركا، وألبرت المؤرخ والمفكر في “كلية سانت أنتوني” في جامعة اكسفورد العريقة في بريطانيا، وسيسيل الشريك المؤلف في هذا الكتاب ومستشار الرئيس بورقيبة في تونس وولي العهد الاردني الحسن بن طلال وصاحب المؤلفات الاكاديمية والبحثية.

قصة فضلو حوراني في هذا الكتاب قصة حقيقية لإنسان لا يتقدم إلا بخطوة واثقة ولا يبادر إلا بإيمان صلب. عاش متصالحاً مع ذاته ودينه وهويته اللبنانية وثقافته العربية والإنكليزية. وعرف دائماً كيف يوظف خبراته وتجاربه ومعارفه لأجل إضاءة الجانب المظلم في حياة البشر من طريق العلم والمعرفة وقيم الحق والخير والجمال.