الرئيسية / مقالات / مَن هم المافيوزيون اللبنانيون في السياسة؟

مَن هم المافيوزيون اللبنانيون في السياسة؟

عقل العويط
النهار
29032018

المافيوزيون اللبنانيون (لوحة لمنصور الهبر).

على كلّ حال، لم يعد ثمّة لزومٌ في الأزمنة الحاضرة، لاستيراد “الموديل” المافيوي، لا من إيطاليا ولا من سواها، بهدف “النقل” عنه، وتطبيق مواصفاته، أو لإٍسقاطه على أحوال البلد المستورَد إليه، على غرار ما يجري في عمليات استيراد العادات والمفاهيم والأفكار والأسلحة والطائرات والأقمار الاصطناعية وثياب الموضة والعطور والسيارات والرجال والنساء، وإلى آخره.

لقد أصبح إنتاج المافيا والمافيويين مثل شربة الماء، وفي المتناول، وهو يُصنَّع محلياً، في “بلاد الأرز”، ببراعةٍ منقطعة النظير.

هكذا بات في مقدور اللبنانيين – مثلاً – أن يقولوا باعتدادٍ شديد، إن الشغل المافيوي المصنَّع محلياً، هو في أحيان كثيرة أفضل من الشغل الأجنبي. الإيطالي تحديداً، وعلى وجه الخصوص.

كما بات في مقدور هؤلاء اللبنانيين، أن يتفوّقوا على المعنى الأصلي نفسه، وأن يطوّروه، ويهجّنوه، ويستولدوا منه معاني تفوق الوصف والدلالة، وأن ينجبوا منه موديلاتٍ وأحفاداً وذرّيّات تشمل الميادين كلّها، ولا استثناء: من تجارة المخدرات نفسها، إلى تجارة السلاح، إلى تجارة الأعضاء البشرية، إلى تجارة الأرواح، إلى تجارة الدواء المزوّر والفاسد، إلى تجارة الطعام المغشوش، إلى تجارة الكهرباء، إلى تجارة الماء، إلى تجارة الهواء، إلى تجارة الأطفال، إلى تجارة النساء، إلى تجارة الأفكار، فإلى تجارة السياسة و… الحياة، وإلى آخره.

هذا كلّه معروفٌ جداً عندنا، وبأسعار تنافسية.

يطيب لي أن أختار من بين هذه التجارات كلّها، تجارةً عزيزةً على قلوب اللبنانيين جداً، وقلوب مستعبِديهم، وأسيادهم، وجلاّديهم، وزعمائهم، هي تجارة السياسة.

ليس لي أن أجتهد كثيراً في هذا، إذ ليس عليَّ سوى أن أقدّم مثلاً يومياً حياً يحدث في حياتنا السياسية، بمستوياتها ومجالسها ورموزها كافةً.

فإذا كان الأمر سهلاً إلى هذا الحدّ في حياتنا السياسية العادية، فكيف لا أستطيع أن أقدّم وليمةً سياسية استثنائية وغير مسبوقة، هي ما يجري حالياً لمناسبة الانتخابات النيابية، وفق النظام النسبي، وبالصوت التفضيلي!

والحال هذه، ما لي ولمافيا المخدّرات، وتجارتها وتجّارها. مافيا بائخة تقريباً.

أريد مافيا السياسة حصراً.

هكذا ينبغي لي أن أستنتج على طريقتي، هوية المافيا السياسة، وهوية المافيوي في السياسة اللبنانية، في ضوء الانهيار اللبناني العميم.

ثمة مسؤولون عن هذا الانهيار اللبناني العميم. المسؤولون عن هذه “الجريمة السياسية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية والأخلاقية المنظّمة”، هم الذين يديرون مافيا السياسة في لبنان، هذه التي تتألف من أوكار الزعامات والأحزاب والتيارات السياسية التي تستولي على الحكم منذ الاستقلال إلى اليوم، وتتناوب على السلطة، مدّاً وجزراً، وتضع البلاد في شدق الانهيار الكبير: مئة مليار دولار ديناً عاماً.

مع ملاحظة مهمة: ثمة مافيات سياسية لبنانية ولدت بعد الاستقلال، وهذه قصتها قصة، وهي ليست مافيات فحسب، بل مافيات – دويلات، بل مافيات – دول، بأمّها وأبيها.

لكن، ما سبب الكتابة، الآن، عن المافيا والمافيويين؟

فرنسيس هو السبب.

فقد أدلى أسقف روما البابا فرنسيس في عظته الأسبوعية العامة الأخيرة بكلامٍ تصعيديّ خطير، مخاطباً أعضاء في المافيا الإيطالية، يذهب كثيرون منهم إلى الكنيسة حيث يمارسون طقوس المسيحية علناً، قائلاً لهم إنه لا يمكنهم أن يطلقوا على أنفسهم اسم مسيحيين لأنهم “يحملون الموت في أرواحهم”.

وفي أثناء حديث عام عن “المسيحيين الزائفين” الذين يتظاهرون بالصلاح بينما هم فاسدون، قال البابا “ليس علينا أن نذهب بعيداً، دعونا نفكر في ما يحدث هنا على أرض الوطن”.

ليس علينا في لبنان، أن نذهب بعيداً. دعونا نفكر في ما يحدث هنا على الأرض، أرض الدين ورجال الدين، وأرض الإيمان ورجال الإيمان، و… أرض السياسة ورجال السياسة، وأرض المال ورجال المال. وهلمّ.

فلو أردنا تطبيق كلام البابا على المسيحيين الزائفين، بل على كلّ المؤمنين الزائفين، مسيحيين ومسلمين، وسواهم، عندنا في لبنان، فمن يبقى في الغربال ومن يسقط منه؟

وماذا لو طبّقنا كلام البابا على “المؤمنين” المافيويين اللبنانيين في السياسة، تنفيذاً وتشريعاً وقضاء، وعلى “المؤمنين” المافيويين منهم في الاقتصاد والأعمال والتجارة والزراعة والتربية والأمن والكهرباء والماء والدواء والقضاء، وخصصناً المجال لـ”المؤمنين” السياسيين، ولا سيما منهم هؤلاء الذين يديرون البلاد، ويسيطرون على العملية الانتخابية، وينظّمون تأليف اللوائح الطائفية والمذهبية والمالية والحزبية، ويقرّرون اختيار المرشحين، شاربين الإلهام من نبع الطبقة السياسية الحاكمة وأذيالها وأتباعها، فعلى مَن نطلق هذه التسمية المافيوية؟

هل ننزّه أحداً من هؤلاء، فنقول حاشا أن يكون منهم؟ أعطوني اسماً واحداً من بين هؤلاء “المؤمنين الزائفين السياسيين” يزمط من صفة المافيوزو السياسي، وتزمط جماعته من صفة المافيا السياسية؟!

أنا أستعرض الوضع اللبناني فحسب، وما آل إليه على أيدي رجال السياسة ورجال الدين والمال، معاً وفي آن واحد.

النتيجة كارثية. فماذا تريدون أن تفعلوا أيها اللبنانيات واللبنانيون بالمافيوزيين اللبنانيين في السياسة؟

أمامكم يوم السادس من أيار، يوم الانتخاب. فتمرّدوا على المافيات والمافيوزيين!

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد