مَن قال إنّه سيّدٌ حرٌّ مستقلّ؟

خلافًا للأدبيّات السياسيّة التي سادت أخيرًا، وخصوصًا في شأن لزوم عودة سوريا إلى الجامعة العربيّة، وذهاب لبنان الرسميّ إلى دمشق لمناقشة موضوع النازحين واللاجئين (وسواه!)، يمكن القول باختصارٍ شديدٍ للغاية: لا صحّة لـ”عودة” لبنان إلى حضن نظام سوريا الأسد، لأنّ لبنان لم يخرج يومًا – خروجًا عملانيًّا – على هذا الحضن (أو عنه) ليُعاد إليه، ولا يد النظام السوري رُفِعتْ – عملانيًّا – عن رقبة لبنان، لتعود تلك اليد المقيتة فتمسك بهذه الرقبة من جديد.
لمَن تهمّه الدقّة في استخدام التعابير السياسيّة، ألفت إلى أنّه، من باب تسمية الكلّ باسم الجزء، والجزء باسم الكلّ، يمكن، تجاوزًا، استخدام نظام سوريا الأسد للكناية عن الحلف الإيرانيّ – السوريّ، وذراعه الفاعلة في لبنان، “حزب الله”، باعتبار أنّ الجمهوريّة اللبنانيّة تخضع واقعيًا وفعليًا لسلطة هذا الحلف، مباشرةً أو مداورةً، أو كيفما كان.

يجب أن تُقرأ وقائع التاريخ جيّدًا، وبهدوء، وبرويّة، وبدون انفعال، ويجب خصوصًا أنْ تُقرأ بموضوعيّة. فباستثناء الخروج الرسميّ للجيش السوريّ ومخابراته من الأراضي اللبنانيّة في العام 2005، لم تشهد الحياة السياسيّة اللبنانيّة الرسميّة أيّ حدثٍ علنيٍّ مشهود، أو إجراءٍ، أو ممارسةٍ فاقعة، تدلّ على فعلٍ سياديٍّ لبنانيٍّ جوهريّ. لقد خرجت سوريا الأسد شكليًّا من لبنان، ليحلّ محلّها واقعٌ عملانيٌّ تحكمه سلطةٌ فعليّةٌ غير لبنانيّة، موازيةٌ للسلطة اللبنانيّة، وبواسطتها.

كان ينبغي للمواطن أنْ يتابع التغريدات التي غصّت بها مواقع التواصل، على هامش ذكرى 13 تشرين (المشؤومة وغير المجيدة)، وأنْ يعاين، بهول، كيف تفلسف هذه الأدبيّاتُ العبوديّةَ، وكيف تستنبط لها التسميات والأوصاف المحبّبة، وكيف تظلّ (هذه الأدبيّات) تشتهي تمكين هذه العبوديّة، وتطالب بها، وتريد لها أنْ تستعيد بطشها المباشر (إذا استشعرت لحظةً أنّها واهنة)، وكيف تستدعيها استدعاءً مَرَضيًّا لاهثًا إلى حضنها الداعر (إذا استشعرت أنّ الظروف الموضوعيّة تتيح لها أنْ تبادر إلى مثل هذا الاستدعاء). علمًا أنّ سياط هذه العبوديّة تلسع الظهور، ويلكز مسّاسُها المهين خواصر الناس، وتمعن أيديها المجرمة في تمريغ الرقاب.

يستطيع كلّ فريقٍ لبنانيّ، وخصوصًا الفرقاء الممسكين (ظاهريًّا) بالسلطة، أنْ يدبّجوا الخطب الاستعراضيّة التي تستهويهم عن لبنان السيّد الحرّ المستقلّ، وأنْ يحوّلوا الأسوَد إلى أبيض، مستفيدين من المناسبات (التاريخيّة) الملائمة، مستنهضين غرائز القطعان البشريّة، وحساسيّات “الجماهير”، عارضين دخول المتاجرة في سوق النخاسة الإقليميّة والدوليّة، مقترحين، مرّةً جديدةً، نحر “فكرة” لبنان السيّد الحرّ المستقلّ، من أجل حفنةٍ مهيضةٍ من السلطات.

لبنان سيّدٌ حرٌّ مستقلّ؟ مَن قال إنّه سيّدٌ حرٌّ مستقلّ؟!

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*