الرئيسية / home slide / ميليشيات الإجرام اغتالت رهام يعقوب: “وجع الحريات واحد من بغداد إلى بيروت”

ميليشيات الإجرام اغتالت رهام يعقوب: “وجع الحريات واحد من بغداد إلى بيروت”

الناشطة رهام يعقوب.

يستمر مسلسل تصفية النشطاء في العراق منذ اندلاع الاحتجاجات في تشرين الأول الماضي. ووقع اغتيال رهام يعقوب برصاص أطلقه عليها ملثمان من دراجة نارية، فيما كانت تستقل سيارة مع رفيقاتها في مدينة البصرة، بعد أيام من مقتل ابن مدينتها، الناشط تحسين أسامة الشحماني، الذي ألهب بمقتله المحتجين فعاودوا النزول الى الساحات منذ 14 آب.

قضية رهام هي مسألة قمع وموت كل ناشط عراقي يصادر رأيه إلى أن يسكت بالرصاص. مجهولية هذا الرّصاص تطول وتدوم ليبقى المجرم طليقًا، والعراق مسرحاً للدماء والحريق وفقدان خيرة شبابه.

جدد اغتيال رهام غضب الشارع ضد الأحزاب الحاكمة، فقام العشرات بهدم مقار حزبية في الناصرية بعدما أضرموا النار، على خلفية أن هذه الأحزاب الموالية لإيران حرّضت ضدّها، وألصقت بالناشطة تهمة “العمالة” لأميركا من خلال جيشها الإلكتروني، ومارست عليها الترهيب منذ عام 2018، حيث تحدثت رهام عن رسائل تهديد وصلتها وضغطت عليها لتعتزل النشاط المدني وتغادر مدينتها.

وعلى الرغم من إقالته قائد شرطة البصرة، تعهّد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بمحاسبة المجرمين، مقسمًا لعائلة رهام وأهالي البصرة “بدم الشهيدة أن المجرمين لن يفلتوا من العقاب مهما طال الزمن”، إلا أن الشارع العراقي يستبعد الكشف عن القتلة. فالعراق لا يزال يسجل مقتل واختفاء قافلة من النشطاء الشباب، بدون متابعة تحقيق يضع حداً لهذه الجرائم.

ويستغل المجرمون هذه الأوضاع، في ساحة تتنازعها سياسات طهران وواشنطن وأجهزة الحشد الشعبي بكل مسمياته وذيول داعش وهيمنة الميليشيوية التي أرستها رخاوة الأمن الوطني، وفي ظل استفحال الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في العراق، التي دفعت لتبني مبدأ “الأمن الذاتي” بصيغتيه الفردية والعشائرية.

أجواء ترهيب وصولات وجولات مع الموت يصفها لنا رئيس المركز العراقي لحقوق الانسان مصطفى سعدون بـ”عجيبة”، حصدت أكثر من “20 ناشطًا خلال الشهور الأخيرة”، وتدور رحاها “منذ بداية احتجاجات تشرين الاول 2019، من جماعات مسلحة وأحزاب سياسية. لقد ظهر الوحش المخفي تجاه النشطاء والصحافيين. وبعضهم غادر العراق الى إقليم كردستان واسطنبول هربًا من الموت”. ويضيف جازماً أنه “لم ولن تكشف نتائج أي تحقيق بخصوص أي عملية اغتيال تطال نشطاء وصحافيين”. ويرى في قضية رهام “مرحلة اغتيالات خطيرة ستزداد في الأيام المقبلة” لأنه يجري قياس مؤشرات الخطورة “كلما زادت حملات تحريض ضد النشطاء في فيسبوك وتويتر”.

ويؤكد الكاتب والصحافي العراقي إياد الدليمي لـ”النهار” انطلاق “حملات تحريض ممنهجة من وسائل إعلام وإعلاميين محسوبين على منظومة الحشد الشعبي أو بعض فصائلها منذ وقت ليس بالقصير”، والغرض منها “تخوين النشطاء الشباب في بغداد والبصرة والناصرية والنجف”، واصفاً “ما يجري في البصرة منذ نحو عام من الاغتيالات هو نتيجة لهذا الاستهداف لسمعة هؤلاء الشباب، ويتهمهم بالتعامل مع السفارة الأميركية من أجل التخريب، ثم تقوم عناصر مدربة بتنفيذ الاغتيالات التي طالت شخصية مثل الدكتور هشام الهاشمي، وأخيراً الدكتورة رهام يعقوب التي سبق اغتيالها قيام وكالة “مهر” الإيرانية بنشر تقرير عن نشطاء يلتقون بالقنصل الأميركي في البصرة”.

ويرى الدليمي في الاغتيالات رسالة للكاظمي مفادها “أن الميليشيلات التابعة لإيران قادرة على إعادة العراق الى مربع الفوضى إن حاول تقليص وجودهم أو محاربة نفوذهم الاقتصادي الضخم، وأيضًا رسالة للولايات المتحدة الأميركية بنفس المغزى ناهيك برسالة تخويف للشباب العراقيين الذين يعتزمون تدشين تظاهرات مليونية عارمة لمناسبة عام على انطلاق ثورة أكتوبر”.

ويعتقد الصحافي العراقي عمر الجفّال أن التوصل لمعاقبة المجرمين “مسألة غير منظورة وشديدة التعقيد، لأن العراق مجال تتقاطع بداخله مصالح وديناميات سياسية عديدة، ولا تحقيق انطلق رسميا منذ بداية الاغتيالات”، مستنتجاً أن “وجع الحريات واحد من بغداد لبيروت، ويعتمد نفس أدبيات التخوين في ذم النشطاء والتحريض ضدهم من خلال مصطلح “السفارة”، لتلفيق ارتباطهم بأجندات أميركية”.

ولا يمكن إغفال الوجه النسوي العراقي المشرق، الذي حاول أن يذويه اغتيال رهام يعقوب. نجحت رهام في اختراق محظورات مجتمعها المحافظ، فانطلقت بدون أن تخشى في حقها لومة لائم. أحلامها كثيرة ولم تتوقف حتى الرمق الأخير، تابعتها في دكتوراه في كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة، وأصبحت محاضرة في جامعة البصرة، وباحثة في علم التغذية، وزاولت تدريب اللياقة على الانترنت في نادي Dr Fit وهو حلم راودها وسرعان ما حولته الى فسحة مجتمعية للمرأة تساعدها في التحرر من وظائفها التقليدية، وترشيد اتباعها لنظام حياة صحي وسليم.

المنظمات النسوية في العراق عبّرت عن غضبها بالتظاهرات والبيانات المطالبة بكشف المجرمين. في سياقه تقول منسقة شبكة النساء العراقيات أمل كباشي لـ”النهار” إن “جرائم قتل متسلسلة انطلقت بعد أيام من انتفاضة تشرين ولا نتوقع توقفها. بدأت مع الناشطة سارة طالب وزوجها في البصرة، وتستمر باستهداف النساء المؤثرات في بغداد والبصرة والناصرية”، كنتيجة “الخوف يلازمنا في مكان عملنا لأنه أصبح غير آمن. بتنا ننشغل بتأمين الحماية لأنفسنا وللنساء المتعرضات للعنف الناتج من النزاع المسلح”، وتتابع “هناك قوى خفية تحاول أن تجر العراق الى الخلف ليكون قندهار أخرى”، مشيرة الى “ضعف في مؤسسة إنفاذ القانون، المتمثلة في الأجهزة الأمنية التي لا تكشف أي جريمة اغتيال تعرض لها ناشط أو صاحب رأي حر”.

وتحدثت في رثائها عن “رهام الشابة الناشطة المثابرة صاحبة الصوت الحق دفاعاً عن حقوق الفقراء والمستضعفين. عبّرت عن إرادة نسوية كبيرة جدا، في واقع اجتماعي يجب أن يكسر الصور والرموز النمطية التي تقيد النساء في مجتمع محافظ عشائري، وهو ما تتميز به البصرة. خرجت بصوت عال على رأس تظاهرات تنادي بالحقوق والمساواة وتطالب بلا كلل بتحسين الواقع الاجتماعي والخدماتي وتوفير فرص عمل للشباب. خرجت الى الشارع تبحث عن وطن ولم تجد في هذا الوطن الا رصاصة أسكتت صوتها”- هذا الصوت الذي هدر في احدى ساحات البصرة عام 2018، هاتفاً:

“آنا اللي جيت ومحترق.. إنتَ منو؟

ما همني حر ولا برد.. إنتَ منو؟

آنا اللي رفض كل الدول… إنتَ منو؟

آنا الولائي للوطن… إنتَ منو؟

آنا البطل وابن البطل… إنتَ منو؟”

إنّه المجرم يا رهام. وكم مؤلم وظلم أن تأتيك الإجابة بثمن ليس بقليل. لترقد روحك الحرة بسلام وأمان.