الرئيسية / أبحاث / ميلادُ المتحف: مجتمعُ الفرجة مقابل عالم السجون

ميلادُ المتحف: مجتمعُ الفرجة مقابل عالم السجون

 محمد تركي الربيعو 
https://www.alquds.co.uk/
23052020

لم تمر سوى سنوات قليلة على ولادة مؤسسة نقل المعارف/ البحرين، حتى أخذت تؤسّس لوجود ومكانة لها في عالم النشر والترجمة العربية؛ وقد لا يبدو الأمرُ مستغرباً في ظلّ إدارتها من قبل السوسيولوجي التونسي الطاهر اللبيب، الذي طالما تعاملَ مع الثقافة لا بوصفها معطى أيديولوجياً أو مجرد مصطلحات غير مفهومة ومعقّدة يردّدها المثقّفون، بل هي قبل كلّ شيء عالمٌ من المتعة، وربما هذا ما دعاهُ مؤخّراً في سياق شهادته حول راهن العلوم الاجتماعية العربية، إلى القول بأنَّ المشهدَ قاتمٌ، ثقيلُ الظلّ، تخيّمُ عليه الطقوسُ التقليديةُ؛ وربما هذا ذاتُه ما يخيّم على واقع النشر العربي، إذ يُلاحظُ انشغالَ غالبية دور النشر بالروايات، أو المؤلّفات السياسية، على حساب نشر كتب وترجمات تعنى بالتاريخ الثقافي والاجتماعي، أو حتى التاريخ العالمي، وكأنّه مكتوبٌ على المثقّف العربي أن يبقى ينظّر لشؤونه وهمومه من زاوية تاريخ محدود، أو أن لا يراعي التحوّلات الجديدة على صعيد العلوم الإنسانية، وهي إشكالية كان الروائي العراقي الراحل سعد رحيم، قد أشارَ إليها بأسلوب طريف في روايته «مقتلُ بائع الكتب»، ففي أحد الأيام، وبعد الغزو الأمريكي للعراق، تفاجأ صاحبُ المكتبة المهملة الواقعة في مدينة بعقوبة، التي هجرها القرّاءُ، بعد افتتاحه لها بدقائق، بدخول عدد من الجنود الأمريكيين المدجّجين بأسلحتهم، والذين قاموا على الفور بقلب المكتبة رأساً على عقب، ثمّ تقدّم أحدُ الجنود إليه ليستوجبه حول وجود كتب معادية للولايات المتحدة الأمريكية في مكتبته، فما كان من صاحبها إلّا أن ردَّ بطريقة فكاهية، لكنها مؤلمة تعكسُ واقعنا الثقافي العربي، فقد قالَ له «يا عزيزي نصف كتب العالم العربي تتحدّثُ عن أمريكا». ما أرادَ رحيم قوله أنّ عالمَ الكتب العربي بقي مهموماً وغارقاً بالسياسي والأيديولوجي (كتب الإسلام السياسي مثلاً) بينما لا نعثرُ في المقابل على كتب تعنى بالتاريخ الثقافي العربي إلا ما ندر، أو العالمي بالأخص (لعب مشروعُ كلمة دوراً مهماً في هذا السياق). هذه النقطة، وإن لم يكتب عنها الطاهر لبيب، لكن من يتابع مشروعه، سواءً على صعيد التأليف أو إدارة مشاريع الترجمة، سيدرك أنَّ الهموم ذاتها هي التي بقيت تشغل باله، وربما هذا ما برز من خلال إدارته لمشروع المنظمة العربية للترجمة، ولاحقاً مشروع نقل المعارف بعيد الربيع العربي؛ إذ يُلاحظُ، في معظم ما نشره هذا المشروع من ترجمات، التركيزُ على عناوين ثقافية ومداخل معرفية جديدة، مثل تاريخ الألوان، وقصص الفن، وكتابة التاريخ الجديد (تاريخ الباب)، وسوسيولوجيا الدين، وكأنّ لبيب يهدفُ هو وفريقه، من خلال هذه الانتقاءات إلى القول بأنّ لا ربيع لعالم الثقافة العربي، بدون مداخل معرفية جديدة، وبدون مقاربة أخرى للثقافة والكتب بوصفها أماكن وعوالم، ليس بالضرورة أن تكون أيديولوجية، بقدر ما هي فضاءات للمعرفة والإطّلاع على تواريخ، وأفاق أخرى مثقلة بالهموم والتجارب الإنسانية، بدل أن نبقى محاصرين بتواريخنا الضيقة والقاتلة أحياناً. ومن بين الكتب الأخيرة التي تتّسمُ بهذا النوع من المعرفة الجادة وفي الوقت ذاته الممتعة، كتابُ «ميلادُ المتحف: التاريخ والنظرية والسياسات» الذي تُرجمَ مؤخراً عن المشروع ذاته؛ فهذا المؤلَّفُ، وإن بدا أنّه يتطرّقُ لمؤسسة باتت بعيدة اليوم عن اهتمامات القارئ العربي المثقلة بيومياته الدامية أو العجفاء، لكن مجرّد أن نتخطّى العتباتَ الأولى له، حتى ندركَ أنّنا أمام تاريخ اجتماعي مثير للدهشة لواحدة من مؤسسات المجال العام وأنّنا أمام مؤسسات كان لها مكانة تُذكر في واقعنا العربي في يوماً ما، قبل أن تأتي الدولةُ العربيةُ المتوحّشة لتنحيها جانباً، كما فعلت مع باقي مؤسسات المجتمع العمومية (السينما/المسرح/المركز الثقافية/المكتبات). وربّما من الجدير ذكره هنا أنّ فكرةَ المتحف أو المعرض قد شكّلت في يوم ما مدخلاً لعدد من الدراسات حول العالم العربي والشرق الأوسط، وأذكر هنا دراسة تيموثي ميتشل «استعمار مصر» التي تطرّقَ في فصولها الأولى لموضوع المعارض والسياسات الاستعمارية، كما يمكنُ أن نشيرَ إلى رواية «متحف البراءة» للروائي التركي أورهان باموق، التي حاول من خلالها تحويلَ هذا العالم إلى مكان يحفظُ فيه ذكرياته الجميلة عن إسطنبول، أو ربّما ذكريات جيل بأكلمه، في الوقت الذي كانت فيه رائحةُ ووجهُ هذه المدينة آخذان بالتغير ليس فقط بسبب قدوم المحافظين، الذين كان وصولهم يعني بشكل أو بآخر تنحية زمن طويل من عمر الجمهورية، بل لأنّ هذا القدوم قد ترافقَ، كما يرى السوسيولوجي التركي جيهان توغال، مع سياسات اللبرلة، التي أخذت تغيّر من معالم المدينة، وحتى من أزقّتها القديمة، إذ لم تعد مجردَ مكان لحفظ الذاكرة والتراث، بل مكاناً للسياحة ولجمع الأموال.

إذن فمع باموق ومتحفه، الذي بُني لاحقاً في عام 2012، كان يجري استدعاءُ مؤسّسة المتحف من جديد، والذي غدا مع الدولة القومية متحفاً لنقل تراث الأمة، ولكن هذه المرة لحفظ ذاكرتنا وقصصنا الصغيرة عن مدينة إسطنبول وربما مدننا. وبالعودة لكتابنا الجديد، يذكرُ المؤلّفُ طوني بينيت أستاذ الدراسات الثقافية في جامعة غريفيث في استراليا، أنّ هدفَه من كتابته يتمثّلُ في وضع جينالوجيا مركّزة سياسياً للمتحف العمومي الحديث. وما يقصده بمصطلح «جينالوجيا» هنا، هو توصيفُ تشكّل المتحف والتطورات المبكرة في سيرورته؛ إذ يرى بينيت أنّ فكرةَ المتحف ظهرت إلى الوجود مع القرن التاسع عشر، وقد تم هذا التشييد عبر تمييزه عن اللانظام (المعارض والكرنفالات) التي أخذ يُنظرُ لها بوصفها أماكن فوضوية، ولهذا فقد كان من المعتاد في أواخر القرن التاسع عشر، أن يُقابل بين نظام المتحف وعقلانيته، والتنافر المضطرب الذي كان في ذلك الوسط سمة لما سمي خزائن العجائب، التي حلّ المتحفُ محلَّها وجاوزها في مجالها ذاته. كما أنّ ولادتها ترافقَت مع قدوم تخصّصات جديدة في الجيولوجيا والتاريخ الطبيعي والفن، ما أتاحَ عرض المعروضات في كلّ منها بطريقة مدروسة لتقديم رؤية علمية وقابلة للفهم. ظلّت الحوارات بشأن التوجّه السياسي للمتحف مسكونةً بالخوف من الحشود لأكثر من قرن، وعلى الرغم من أنّه كان مسلماً به أنَّ المتحفَ البريطاني هو متحفٌ عمومي، إلّا أنَّ مفهومَ العموم كان محدّداً. إذ كان الزوارُ يدخلون مجموعات من خمسة عشر شخصاً فقط، وكان لزاماً عليهم أن يُبرزوا وثائقَ إثبات شخصياتهم للفحص، قبل أن يُمنحوا الموافقة على دخوله وهي موافقة لم تكن تُمنح، إلّا إذا تبيّن أنّهم ليسوا موضع اعتراض، وعندما اقتُرحت تغييراتٌ على هذا التوجّه السياسي، عارضها أمناءُ المتحف والقيّمون عليه، خوفاً من أن تُفسدَ جموع الدهماء العرضَ المتناسق للثقافة والمعرفة، وعندما قُدم اقتراحُ بعد فترة وجيزة من تأسيس المتحف، بأن تكون هنالك أيامٌ عامة يُسمح فيها بالدخول من دون قيد، خُنقَ في مهده على أساس أنَّ بعض الزوّار القادمين من الشارع، لا بد أن يكونوا تحت تأثير المسكرات، ولن يمكن التحكم في انضباطهم، لكن بعد عقود قليلة حُلَّت المسألةُ نهائياً لمصلحة المصلحين، وقد تميّز التحولُ الأبرزُ في موقف الدول حيال المتاحف، من خلال افتتاح متاحف لخدمة جمهور واسع وغير متمايز، وبساعات افتتاح وسياسات دخول مُصمّمة لتسهيل دخول الطبقات العاملة إلى أقصى حد. وقد أثبتَ هذا التوجّهُ السياسي نجاحاً لافتاً أيضاً في جذب الروّاد، ما أدّى، كما يرى مؤلّفُ الكتاب، إلى تشكيل ثقافة عامة عقلانية، خلافاً للتصورات عن الرعاع الجامحين، وبذلك غدا المتحفُ أداةً للتربية العامة، ما أدّى إلى ازدياد أعداد المتاحف العمومية في بريطانيا من 50 متحفاً في عام 1860 إلى 200 في عام 1900. كما ساعدت هذه المؤسّسات في تشكيل جمهور جديد، وفي إدخاله في علاقات جديدة مع البصر والرؤية، كما مثّلَ أداةً جديدة للتنظيم الأخلاقي والثقافي لطبقات العامة.
في أحد فصول الكتاب، يتطرّقُ المؤلفُ لبعض الآراء، التي حاولت الانطلاقَ من مقاربة فوكو حول السجن للقول بأنّ المتحفَ ليس سوى مؤسسة احتجازية أيضاً، وهذا ما يراه المؤلّفُ أمراً في غاية الغرابة؛ فالحركةُ التي يتعقّبها فوكو في المراقبة والمعاقبة هي حركةٌ سحبت فيها الأشياءُ والأجسادُ (منصةُ الإعدام وجسدُ المحكوم عليه)، التي شكّلت سابقاً جزءاً من العرض العمومي للسلطة، بعيداً عن نظر الجمهور، عندما اتّخذت العقوبةُ شكلَ الحبس. وحين لم يعد جسدُ المحكوم عليه مدرجاً في المسرحية العامة للسلطة، صار عالقاً في شبكة من علاقات القوّة الناظرة إلى الداخل. لقد استُبدلت بمنصة الإعدام، إذ كان جسدُ المجرم المعذّب يتعرّضُ لقوة العاهل الجلية بشكل طقوسي، بنية تراتبية عظيمة ومعقّدة ومغلقة (السجن) أُدمجت في صلب جسم جهاز الدولة.
وعلى العكس من ذلك، فقد اشتركت المؤسّسات التي كوّنت مركبَ العرض (المتاحف) في عملية نقل المواضيع والأجساد من النطاقات المغلقة والخاصة، التي كانت تُعرضُ فيها سابقاً، إلى نطاقات مفتوحة وعمومية، عبر التمثيلات التي أُخضعت لها، فشكّلت نواقلَ لنقش رسالة السلطة وإذاعتها إلى المجتمع.
ها هنا إذن مجموعتان مختلفتان من المؤسّسات وعلاقة المعرفة/السلطة المصاحبة لهما، يسيرُ تاريخهما من هذه المنطلقات في اتجاهين متعارضين، وعلى الرغم من ذلك، فهما تاريخان متوازيان. تطوّرَ مركبُ العرض، وأرخبيلُ الاعتقال على مدى الفترة عينها تقريباً من أواخر القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر. ويُعتبر فوكو أنّ افتتاحَ المسجد الجديد في ميتراي عام 1840 كان لحظةً مفتاحيةً في تطوّر نظام الاعتقال، وكان مركبُ العرض أيضاً بمثابة ردّ على مشكلة النظام، ولكنّه ردٌّ اشتغل بشكل مختلف بسعيه لتحويل تلك المشكلة إلى مسألة ثقافية؛ مسألة الفوز بعقول العامة وقلوبهم، بالإضافة إلى ضبط وتدريب أجسادهم. وبهذا، فإنَّ المؤسّسات المكوّنة لهذا المركب قامت بعكس توجّه الأجهزة الانضباطية في سعيها لجعل قوى النظام ومبادئه مرئيةً بالنسبة إلى العامة، وقد تحوّل العامةُ هنا إلى شعب، إلى مواطنين بدل أن تخفيها، كما بدا واضحاً في جعل المدينة مرئية، وبالتالي قابلة للمعرفة، كوحدة كلية. وبينما اخترقت أعماق حياة المدن بتطوير شبكات من المراقبة، فقد قامت المدنُ بفتح سيروراتها للفحص العمومي، واضعةً أسرارها ليس أمامَ أنظار السلطة وحسب، ولكن نظرياً أمامَ الجميع، بل إنّها جعلت الهيمنةَ البصريةَ لعين السلطة متاحة للجميع، فقد أخذ المتفرجون في باريس يقومون بجولات في المجاري والمشرحة والمسلخ، ومصنع التبغ والمطبعة الحكومية، ومصنع النسيج وورشة صكّ العملة وبورصة الأسهم والمحكمة العليا أثناء انعقادها، وبذلك نجدُ أنّ مؤسسةَ المتحف لعبت دوراً في عودة العلانية التي هدفت السلطة إلى كبح جماحها من خلال مؤسّسة السجن.

٭ كاتب من سوريا