ميشال سير… الرحّالةُ الذي دعا إلى بَهْجةِ التفلسُفِ

عبدالدائم السلامي
القدس العربي
13062019

ودع أكثرُ من ألف شخصٍ من سكان مدينة «أَجان» (الواقعة في الجنوب الغربي الفرنسي) الفيلسوفَ ومؤرخَ العلوم والأكاديمي الشهير ميشال سير إلى مثواه الأخير في مقبرة «غيار» عن عمر 88 سنة. ولد ميشال سير عام 1930، لأبٍ يعمل ملاحا في البحرية الفرنسية، وتربى تربية كاثوليكية ككل أبناء جيله، درس في المدرسة البحرية، ثم غادرها طوع إرادته ليلتحق بدار المعلمين العليا في باريس إذ تحصل على دبلوم الدراسات العليا ببحث عن «البُنَى الجبرية والطوبولوجية» بإشراف الفيلسوف غاستون باشلار، ثم على دكتوراه دولة عن رسالة بعنوان «نظام لايبنيز»، وعين في جامعة باريس الأولى لتدريس تاريخ العلوم، تعرف على أهم فلاسفة فرنسا في عصره أمثال ميشال فوكو وجيل دولوز، وسافر إلى أمريكا للتدريس في جامعاتها بدعوة من صديقه الأنثروبولوجي رينيه جيرار. وحالَ عودته إلى فرنسا تم انتخابه عضوا في الأكاديمية الفرنسية.
وكان ميشال سير قد عُرِفَ بأنه أكثر فلاسفة أوروبا المعاصرين شعبيةً لدى الناس، إذ كان يرى أن على الفيلسوف أن يُوجد في ملتقى جميع الاختصاصات، أي ألا يكون طبيبًا مختصا، وإنما عليه أن يكون طبيبًا عاما يهتم في أسئلتِه وفحوصاتِه بجميعِ مُكونات الجسد الاجتماعي. وقد شملت اهتماماته الفلسفية التي صدرت في 67 كتابًا على غرار كتبه «زمن الأزمات» و»الإصبع الصغيرة»، و»العَقْدُ الطبيعي»، خاض فيها بالبحث في مجالاتٍ عديدةً منها، تاريخ العلوم، والابستيمولوجيا، والمجتمع الرقمي، والأخلاق، والرياضيات، والتربية، والحرب، والإعلام، والإيكولوجيا والعنف. وكان جهدُه في بحوثه منصبا على تبين ما نعيشه من انحراف خطير بالمفاهيم عن حقائقها التي وُضعت لها، صوبَ أخرى هي صنيعة الإعلام والرأي العام والعادة، ومن ثَم كان حرصُه كبيرًا على تقليص الفجوة بين حقيقة العلوم الإنسانية في نِسْبيتها، والحقيقة العلمية في صِدْقيتها. فالمشكلة بالنسبة إليه لا تكمن في معرفة ما إذا كانت حَبةُ الأسبرين ذات جدوى صحيةً، وإنما في معرفة سبب تزايد عدد الأشخاص الذين يؤمنون بأن لحَبة الأسبرين جدوى صحيةً أفضل من جدوى التلْقيح. وفي هذا الشأن، وحول ما إذا كان عصرنا هو الأشد خطورة من العصور الماضية يقول ميشال سير: «عند الحديث عن التوترات الدولية الراهنة، أجد نفسي مضطرا لتذكرِ العالم الذي عرفته في شبابي. كانت الصراعات آنذاك عديدة ومتتالية ـ أتحدث هنا عن حروب تواجه فيها دولة دولة أخرى، أو تضع جيشين في صدام كبير. لقد شهد عصري العديد من الاشتباكات المسلحة مثل حرب إسبانيا الأهلية، والحرب بين اليابان والصين، والحرب العالمية الثانية. وباختصار، كان هناك تسلسل مأساوي تسبب في مقتل حوالي 100 مليون شخص. يجب عليّ ملاحظة أنه، منذ تلك المجزرة، لم تعد توجد حروب تناظرية (يتواجه فيها طرفان متخاصمان). في ما يتعلق بالهجمات الإرهابية، التي تثير قلقنا، بشكل مشروع، علينا عدم نسيان الماضي. فطوال القرن التاسع عشر، لم يكن يمر شهر، في باريس أو في أي عاصمة من َالعواصم الأوروبية الكبرى، بدون تفجير أو إطلاق نار أو هجوم يستهدف قادة أو حكام ذلك الوقت. فقد قُتل القيصر ألكسندر الثاني في انفجار قنبلة، ومات الرئيس سادي كارنو بعد أن طعنه أحدهم بخنجر. وفي سراييفو تسبب اغتيالُ إحدى الشخصيات السياسية في انفجار عالمي. إذا ما كتبتَ على غوغل «أسباب الوفاة في العالم»، فستُلاحظ، على اللائحة التي تظهر لك، أن أحدَ آخر الأسباب يحمل عنوان «الحروب والعنف والإرهاب» بينما تحتل حوادثُ الطرقات مرتبة عالية في قتل البشرية أكثر من الحرب. بكل وضوح، وعلى الرغم من شعورنا بأننا نعيش في عالم مرعب، نحن نحيا الآن في سلام».

مفكر من البدو الرُحل بعبارة دولوز، الذين يصنعون أقدارهم ويخترعون أفكارهم، خلال رحلاتهم وتيههم، يصنعونها بلا تعالٍ وبلا نكدٍ علموي، بل ببهجةٍ وأرْيَحياتٍ عاليةٍ.

وصفَ الشاعر والناقد جون فيليب كازييه ميشال سير بكونه المُفكرَ المُتحركَ المقيمَ دومًا على الحدود، التي تجعله مُتنقلًا عن طيب خاطر بين الأفكار تنقلا هامشيا، ولكنه بهيجٌ. وهو لم يتوقف أبدا في بحوثه عن دراسة الحركات والتدفقات والتغييرات والمناطق الداخلية، وهي كلها موضوعات غير مستقرة. إنه مفكر من البدو الرُحل بعبارة دولوز، الذين يصنعون أقدارهم ويخترعون أفكارهم، خلال رحلاتهم وتيههم، يصنعونها بلا تعالٍ وبلا نكدٍ علموي، بل ببهجةٍ وأرْيَحياتٍ عاليةٍ، وهو من أولئك الذين يَفِرون من الحدود والأسيجة، ويحررون لهم أرضًا جديدة وبعيدة، فيها من الأفكار ما لم يخطر على بالِ أحد من قبلهم، بل لم يتم تصورُها بوضوح على أنها إمكانية قابلةٌ للتفلسُفِ وجديرةٌ بأنْ تُعاش.
خصص ميشال سير جزءًا من اهتمامه الفلسفي بدراسة علاقتنا بالتكنولوجيا الرقمية، على غرار ما جاء في كتابه «الإصبع الصغيرة»، حيث نُلفيه ينبهنا إلى حقيقةِ «أن عقول شباب اليوم لم تعد فوق أكتافهم وإنما هي بين أيديهم» (يعني: في الهاتف أو في اللوحة الرقمية …)، وفي هذا الغرض يتحدث عن التوترات التي سببتها العولمة والثورة الرقمية، فيقول: «يجب على المرء أن يكون موضوعيا. صحيح أن التقنيات الجديدة توحي بأنها تُدمر من الوظائف أكثر مما تخلق. لذلك نتوجه نحو مجتمع جديد ومثير للاهتمام بشكل بالغ، ولا نمتلك، في مواجهة هذه البطالة أي أمل، في حين أن تحولًا جذريًا في علاقتنا بالعمل هو الآن في طور الحدوث. لقد شهدنا، بالفعل، تغيرَ عمال الياقات الزرقاء (عمال الساعد) إلى عمال ياقات بيضاء (عمال الذهن)، ونعيش الآن تحولَ أنشطة الإنتاج إلى أنشطة خدمات، وما زال يتعين علينا مواجهة انتشار الريبوتات في مجالات العمل. إننا نفتقر إلى فلسفة واقعية لهذا المسار الجديد، الذي من المحتمل أن يدفع بنا نحو مجتمع لا ينتظِمه العملُ، كما كانت عليه حالنا سابقًا. إنها، في الواقع، رؤية مثيرة للاهتمام إلى حد كبير، ولكن يتحتم علينا التفكير فيها بجدية، وهو أمر يبدو صعبا للغاية. قد يتوجب علينا، تقريبًا، تصور حضارة بدون عمل، وهو ما لم يعرفه البشر مطلقا، ويُفترض في ذلك توزيعٌ أكثر مساواة للمهام. في هذه المرحلة نحتاج لليوتوبيا. نعم.. لقد كان الاشتراكيون الطوباويون، في القرن التاسع عشر، مثمرين أكثر مما نعتقد. إننا مدينون لهم بأفكار مجنونة على غرار ابتداعهم لحضانات الأطفال، وبنوك الفقراء، وخدمات الضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، وهي ابتداعات جعلت حياتنا، اليوم، سهلة وجميلة. فهؤلاء الطوباويون هم الذين ابتكروا تلك الأفكار ولم يبتكرها الاشتراكيون العلميون الذين لم ينتجوا سوى نُظُمِ السجون. إنني أُساند الطوباوية بشكل مطلق، فنحن نقوم اليوم بقفزة إلى الأمام نحو عالم جديد تمامًا، لكننا لا نقدر على تصوره أو تخيل شكله، لأننا نفكر بعقلية ماضوية. لكي لا ينخدع المرء حول المستقبل، عليه أن يُولي الخيالَ حظه من التفكير».

٭ كاتب تونسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*