الرئيسية / أضواء على / موقعية المنزل في الشعر العربي

موقعية المنزل في الشعر العربي

 سلمان زين الدين 
https://www.alquds.co.uk/
25042020

(1)
أثار الضيف الثقيل غير المرئي الذي حَل على العالم مؤخرًا عاصفةً من ردود الفعل، على المستويات جميعها. تمظهرت، على المستوى الثقافي، في مئات المقالات، والشهادات، واليوميات، والدراسات، والبحوث، والقصائد، والرسوم، والأغنيات، والطرائف، والنكات، حول العالم. وهي في مستويات متفاوتة، تتراوح بين السقوط في درك رد الفعل السريع، في معظم الأحيان، والارتقاء منه إلى الفعل الإبداعي، في بعضها. وتزامنت هذه الحركة مع استعادة توقعات علمية، وتنبؤات دينية، وقراءات روائية محددة. وطفت على السطح مجددًا روايات «الطاعون» لألبير كامو، و«مئة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» لغابرييل غارسيا ماركيز، وغيرها.
(2)
أما على المستوى الاجتماعي، فإن الظاهرة الأبرز التي ترتبت على زيارة الضيف الثقيل الطويلة، على ما يبدو، هي ظاهرة الحجر المنزلي، تحت طائلة أن يكون المُضيف هو الضيافة، في حال عدم التزامه، بأوامر الضيف الخفي ونواهيه. وهذه الظاهرة تعيد الاعتبار، مرةً أخرى، للمنزل، وموقعيته في حياة الأفراد والمجتمعات. وهي موقعية تختلف من شعب إلى آخر، وتتعدد تمظهراتها الفردية، ضمن الشعب الواحد. فقد يكون المنزل هو الواحة التي يفيء إليها الفرد مضطرا، بعد طول ضربٍ في صحراء الحياة. وقد يكون هو السجن الذي يلازمه حتف أنفه، ويتوق إلى التحرر منه بفارغ الصبر، وقد يكون في منزلةٍ بين المنزلتين.
(3)
في كتابه «لأن الإنسان فانٍ»، الصادر مُعَربًا في سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية، يذكر الطبيب والكاتب الأمريكي المتحدر من أصول هندية أتول غواندي، ما كان قد قرأه عن هاري ترومان، الثمانيني الأمريكي، الذي رفض في مارس/آذار 1980 أن يتزحزح من بيته، في سفح جبل سانت هيلينز، قرب أولمبيا، في ولاية واشنطن الأمريكية، حين بدأ بركانٌ يدمدم في المحيط. وفي مواجهة الضغوط الكثيرة التي مورست عليه صونًا لحياته، قال للضاغطين: «إذا كان البيت سيزول، فدعوني أزُلْ معه، لأنني إذا فقدت هذا المكان فسأموت في غضون أسبوعٍ، على أي حال». وبالفعل، «انفجر البركان عند الساعة 8:40، من صباح يوم 18 مايو/أيار، عام 1980، بقوة تشابه قوة القنبلة الذرية»، ما أدى إلى اختفاء المنزل وصاحبه تحت الحمم البركانية، وتحويل ترومان إلى رمز، وإقامة نصب تذكاري له عند مدخل بلدته، وتمثيل فيلم سينمائي عن قصته. وهكذا، يُصبح البيت، في هذه الحكاية، جزءًا من حياة صاحبه، وتُصبح مغادرته مغادرة للحياة.

٭ شاعر لبناني

اضف رد