الرئيسية / home slide / موسم الهجرة…

موسم الهجرة…

غسان حجار
05-10-2020 | 00:50 المصدر: النهار
 @ghassanhajjar

تمثال المغترب اللبناني.

 في عددها الصادر أمس، عنونت جريدة “لوموند” الفرنسية تحقيقاً عن لبنان بالآتي: “يذهب اللبنانيون إلى المنفى عن طريق البحر مخاطرين بحياتهم”. ويعرض التحقيق كيف يبيع المهاجرون ما يملكون في بلدهم للانتقال في قوارب صغيرة الى قبرص التي ترفض استقبالهم، أملاً في بلوغ أي أرض أوروبية تحقق لهم العيش الرغيد. ولا يسلّط التحقيق الضوء على جديد إذ ان النكبة التي حلّت بعدد من هؤلاء لا تزال ماثلة، لكن الجانب المهم، هو في إظهار الصحافة العالمية هذه الرغبة اللبنانية المتزايدة في الهجرة شبه المستحيلة والتي تدفع لبنانيين، انقطع بهم الأمل، الى الخيار المُر ما بين موت في الوطن، واحتمال الموت في عرض البحر، أو في أحسن حال الاستيطان في مخيمات اللجوء اذا قبلت دول طلبات لجوئهم اليها.  وقد أعادت السلطات القبرصية 200 مهاجر في الأسبوع الأول من ايلول الفائت، فيما سقط آخرون في عرض البحر. ولا يزال اللبنانيون يذكرون ذاك الوالد الذي أطلَّ عبر الشاشات راوياً كيف اضطر الى القاء ابنه في البحر بعدما توفى الاخير على متن القارب ولم يعد ممكناً إبقاء جثته وسط الأحياء تحت اشعة الشمس الحارقة بعدما بدأت تتحلل.  صحيح ان الارقام المتوافرة لا تشير الى حركة هجرة كما يروَّج لها، لكن اللبنانيين المتضررين من الأزمة الاقتصادية والمالية، بل من الانهيار، بات اكثرهم يفكر في الهجرة، وقد عمد كثيرون هذه السنة للانتقال الى قبرص واليونان ودول خليجية أو أوروبية، مع أولادهم قبل انطلاق العام الدراسي، للالتحاق بمدارس هناك، وتنظيم حياتهم قبل موسم الشتاء. ولا يمكن إهمال انفجار المرفأ كعامل أساسي في فقدان الأمل، وازدياد الرغبة في الهجرة، لكن معظم اللبنانيين الذين يطمحون الى المشروع لا يجدون إليه سبيلاً بسبب عدم قدرتهم على تحمّل تكاليف السفر والاقامة، بعدما “صودرت” ودائعهم بطريقة او بأخرى، وحُرموا التحويلات الى الخارج، او حتى استعمال بطاقاتهم الائتمانية لشراء بطاقات السفر عبر الانترنت، وحجز فندق أو شقة في الخارج.  الذين سافروا هم من الطبقات الميسورة، او من الذين اشتروا في الاعوام الاخيرة شققاً لهم في قبرص واليونان ودبي، او ممن يحملون جنسية ثانية اضافة الى جنسيتهم اللبنانية. هؤلاء انتقلوا بسهولة الى اوطانهم الثانية او الى بلدان اخرى لهم فيها اعمال ومصالح.  طلبات الهجرة في القنصليات التي تفتح ابوابها تتم بأعداد وفيرة بالطبع، لكن لا احصاء لها، والارقام المعلنة لا تستند الى اي مستند، بل تدخل ضمن الحملات السياسية التي تبلغ الحضيض، كما مجمل المواقف السياسية في لبنان. واذا كانت بعض الارقام تشير الى ازدياد أعداد الوافدين الى لبنان، فمردّ ذلك على الارجح، الى طرد هؤلاء من أشغالهم أو تركهم الاعمال التي تتعرض لخسائر متلاحقة في كل دول العالم في ظل جائحة كورونا. وفي المعطيات ان تلقّي كثيرين نصف راتب، يدفعهم الى التخلي عن مغترباتهم، لا لوجود فرص عمل في لبنان، بل لان ما يجنونه بات غير كافٍ لسداد متوجباتهم حيث يقيمون ويعملون. الرغبة في الهجرة تتزايد، بعدما تحققت الهجرة النفسية، وباتت العودة الى الوطن من المقيمين اولاً، تتطلب دراية وعلاجاً نفسياً وجراحة على مستوى مؤسسات الدولة، لكي يستعيد اللبناني بعضاً من الثقة بإمكان ضمان عيشه في بلد غير مستقر.