موت الدم الزراعي في الجنوب وساحل النصارى

محمد أبي سمرا
الإثنين06/05/2019
Almodon.com

وجه الضاحية الجديد في الثمانينات (غيتي)

تلبية لنداء المدينة العاصف في سائر قرى جنوب لبنان، بين خمسينات القرن العشرين وسبعيناته، انتقلتُ مع أسرتي في مطالع الستينات من القرية الجردية الحدودية النائية إلى محلة الطيونة في الشياح بطرف الشمال الغربي من ما سُمي لاحقًا ضاحية بيروت الجنوبية، قبل سنوات كثيرة من محو اسمها الواحد هذا أسماء ما كان قرى زراعية بلدية في ساحل المتن الجنوبي. وهذه تسمية إدارية لبنانية للسهل الساحلي بين حرج صنوبر بيروت شمالًا وصحراء الشويفات جنوبًا، وحلّت محل تسميته السابقة ساحل النصارى في حقبة متصرفية جبل لبنان وبدايات نشوء دولة لبنان الكبير.
 
النوّارة: صلف المستضعفين

موجات مهاجري نداء المدينة (بيروت) إلى ضواحيها، حاصروا تلك القرى الساحلية، وأخذ عمرانهم الفوضوي يمحوها من دون أن يمحو أسماءها الكثيرة التي اختلطت بأسماء أحياء المهاجرين الكثيرة بدورها، حتى راحت تمّحي كلها في الشطر الثاني من حروب لبنان (1982 – 1989). صلف المستضعفين، المولودين من النزوح التهجير الحربي، هم من حملوا راية المحو، شاهرين اسم جنس اسمًا علمًا بلا صفة ولا إضافة: الضاحية. وراحت منظماتهم العسكرية تسيطر على أحياء العمران العشوائي في ضاحية بيروت الجنوبية، في سياق تحويلها مجتمعًا أهليًا مذهبيًا وحربيًا، متصلًا ومتجانسًا. ومن العلامات على ذلك المحو والتجانس والتوحيد في أواسط ثمانينات القرن العشرين، إصرار رئيس الصحيفة البيروتية العروبية والحربية الأوسع انتشارًا في لبنان العربي آنذاك، على زفاف أحياء الضاحية الجنوبية عروسًا تعانق الأنقاص والمشردين وجثت القتلى في واحدة من أعنف جولات تلك الحروب، فسماها (الضاحية) في أهازيج افتتاحياته الصحافية اليومية “النوارة”، فيما كان يلفّها الظلام والموت ويشعّ في أحيائها وميض القنابل.

بيروتمن أصابتهم عدوى نداء بيروت من أهالي قرى جنوب لبنان، في الربع الثالث من القرن العشرين (1950 – 1975)، كانوا موعودين بالخلاص من فقر حياتهم الفلاحية البدائية الشحيحة الموارد وانهيارها، ومن قسوة زراعة التبغ ومشتقاتها في قراهم التي رحلوا منها حاملين بين ضلوعهم توقًا إلى عمل ومهن جديدة، وإلى تعليم أبنائهم في المدينة. لكن شاعرًا شابًا منهم (الراحل محمد العبد الله) كتب وأنشد في كلية التربية – الجامعة اللبنانية أواخر الستينات: “أي موتٍ شدّ يا بيروت رجليَّ إلى ظهري/رماني/عند قدميك أبيع الضحك/أزني بالأغاني؟/لستِ أمي/إنما أنت خياناتي لأمي/ وخضوعي للذي مزّق أمي واشتراني”. ثم خاطب بيروت قائلًا: “يا بنت الحديد الصلب/يا بنك الدماء الآسيوية”. هذا فيما كانت أفواج المهاجرين الجنوبيين لا تزال تتواتر كثيفةً في شدّ رحالها من قراها لتنزل في بيروت وضواحيها، ومنها أحياء ضاحيتها الجنوبية.

وكان عمران المهاجرين وتجار البناء الجاهز المستعجلين يحاضرون بقايا العمران الزراعي للملاك والسكان “الأصليين” في ما كان قرىً زراعية في ذلك السهل الساحلي، فاستدرك الشاعر إياه وكتب في مطالع السبعينات: “الدم الزراعي مات/رأيت دمًا بفصلين /فصل تراجع نحو الحكاية/ وفصل يصير إلى ما لا نهاية”.

ما تراجع نحو الحكاية في حياة السكان “الأصليين”، ملاكًا ومزارعين جنائنيين في تلك القرى الساحلية، هو نمط عيشهم الزراعي الذي انطوى واندثر أمام زحف عمران أحياء الضواحي الجديدة، بعدما كان أصاب بعضهم ضمور أو كسل بيولوجي نجم عن إقامتهم على تزاوج داخلي، عائلي وقرابي مغلق، وظهرت آثاره تشوهات خِلقيّة في بعض مواليدهم. 

هجرة وتمدين

لكن هذه كانت حال الملاك والسكان “الأصليين” الشيعة. أما المسيحيون الذين كانوا قبلهم ملّاك معظم أراضي ساحل النصارى الزراعية، ثم ساحل المتن الجنوبي، فسبق أن باع معظمهم أملاكه عندما كانت قراه محليةً وبلدية بعدُ، وقليلة السكان. وكثرة ممن كانوا يقيمون منهم في بيوت قديمة التقليدية الطراز المعماري (لم تكن كثيرة)، باعوها مع أملاكهم في الثلاثينات الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، ورحلوا تاركين الحياة القروية والزراعية، مدفوعين بإقبالهم على التمدين والارتقاء الاجتماعي والهجرة، وبقوة حراكهم “البرجوازي – الرأسمالي” العقاري، وبتحصيلهم تعليمًا عاليًا أهّلهم للمهن الحرة، أطباء ومهندسين ومحامين. وهذه كانت حال مسيحيي قرية الشياح القليلة السكان المحليين أصلًا، ربما بسبب الهجرة الخارجية التي سبق أن أصابت عدواها مسيحيي المتن في جبل لبنان وساحله قبل سواهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. لكن حارة حريك والمريجة ظلتا عامرتين بسكانهما المسيحيين حتى أرغمتهم الحرب الأهلية البادئة سنة 1975 على بيع أملاكهم بدواعي الخوف والحصار والتهديد، وكثيرون منهم هُجّروا منها عنوةً إلى مناطق التجانس المسيحي.


طرق بيروت
وكان سبق لما سمي لاحقًا طريق صيدا – بيروت القديمة أن شُقّت من خلدة إلى المتحف فطريق الشام، مرورًا بأطراف ساحل المتن الجنوبي الداخلية، قبل إنشاء الطريق الأخرى الساحلية من خلدة إلى الأوزاعي فالرملة البيضاء، وصولًا إلى الكولا، فكورنيش المزرعة ووسط بيروت. فشطرت طريق صيدا القديمة الداخلية، السهل الزراعي الداخلي، شطرين، وأنشأت فاصلاً بين بعض قراه. إلى شرق الطريق: الشويفات، كفرشيما، الحدث، المريجة. وإلى غربه: صحراء الشويفات وبساتين زيتونها، برج البراجنة، حارة حريك، والشياح. وفي نهاية الخمسينات أو مطلع الستينات أدى التطور العمراني وشق طرق جديدة إلى إنشاء فرع جديد لطريق صيدا القديمة يمتد من كنيسة مار مخايل في طرف الشياح الجنوبي إلى مستديرة الطيونة. شطر هذا الفرع الشياح شطرين: غربي احتفظ باسم الشياح، وشرقي سُمي عين الرمانة التي صارت ضاحية مسيحية إلى جانب فرن الشباك البلدة القديمة، وبدارو الناشئة حديثةً وبمواصفات عمرانية ومعمارية لسكن فئات “برجوازية” متوسطة محدثة.

أحياء الأهل 

في الخمسينات بدأ تجار البناء الجاهز والمهاجرون الشيعة إلى الشياح ينشئون عمرانهم فوضويًا ومتكوبًا في نوى (جمع نواة) أحياء، غلب عليها الطابع الأهلي والقرابي، حسب مصادر المهاجرين المناطقية والقروية. فحي الغندور، خلف معمل غندور، كان النازلون فيه من قرية كفرصير الجنوبية في معظمهم. شارع أو حيّ الحجّاج سكنه أهل من قرى جنوبية متفرقة. حيّ المختار اختلط فيه قرويون جنوبيون شيعة بكثرة من السكان “الاصليين” الشعية، شأن شارع عبد الكريم الخليل الممتد بين طريق صيدا القديمة والغبيري. أما شارع أسعد الأسعد الموازي لعبد الكريم الخليل شمالًا، فغلب على سكانه خليط شيعي جنوبي. وبين هذين الشارعين نشأ حيّ المصبغة مستقطبًا أكثرية بعلبكية وقلة من الجنوبيين. وجنوب الشياح خلف كنيسة مار مخايل كان حي مارون مسك، المستمد اسمه هذا من مالك الأرض المسيحي، ونزل فيه قرويون جنوبيون مع أقلية بعلبكية وبقايا مسيحيين سرعان ما رحل معظمهم. وفي طرف الشياح لجهة حارة حريك سبق أن نشأ حي المقداد، حاملًا اسم العشيرة التي نزلت فيه قادمة من جرود جبيل وقرى بعلبك – الهرمل. وإلى جنوب الشياح الغربي كان يكثر في الغبيري السكان “الأصليون” الشيعة، قبل أن تنشأ فيها أحياء مهاجرين جنوبيين وبعلبكيين متكوكبة على نوىً أهلية وقرابية تتخللها ورش متكاثرة لمهن الحدادة وتصليح أعطال السيارات وبيع قطع غيارها المستعملة. وربما في الخمسينات انفصلت الغبيري بلديًا عن الشياح، وصارت لها بلدية مستقلة. وقد تكمن أسباب انتخابية، وأهلية طائفية، وراء هذا الانفصال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*