الرئيسية / مقالات / “مواقف فاعليات الطوائف من لبنان الكبير” جديد أنطوان الحكيّم يُضيء ويُصوِّب ويُعدِّل

“مواقف فاعليات الطوائف من لبنان الكبير” جديد أنطوان الحكيّم يُضيء ويُصوِّب ويُعدِّل

15-07-2021 | 00:00 المصدر: النهار

غلاف الكتاب

الدكتور جورج شرف
 التاريخ محاولة ديناميّة لإعادة رسم الماضي وبنائه إنطلاقاً ممّا يتوفّر حوله من معطيات يعمل العقل الموضوعي على ربطها واستخلاص العبر منها. وهذا البناء يتجدّد ويتوسّع بقدْر تكاثر المعطيات بشأنه وتنوّعها. هناك أشكال من الكتابة التاريخية تشوّه مجرى أحداث الماضي أو تنحرف بها عن مسارها الطبيعي: الكتابة الإيديولوجيّة التي تعتمد انتقائية وقائع في الأحداث التاريخيّة تخدم فكرة إيديولوجيّة مسبقة التصوّر عند المؤرّخ؛ التاريخ الأدبيّ المنحى القائم على الأقاصيص والروايات الهادفة إلى استثارة الأحاسيس والمشاعر؛ الكتابة التكراريّة للتاريخ التي تقوم على بديهيات يتناقلها المؤرّخون دون تمحيص، فتكون كتاباتهم تكراراً لبعضها. 

 صدرت للدكتور #أنطوان الحكيّم دراسة بعنوان “قراءة في مواقف فاعليات الطوائف من دولة لبنان الكبير”، ضمن منشورات جامعة الروح القدس الكسليك. ظلّ المؤلّف في دراسته هذه، كما في كتاباته السابقة، أميناً على أصالته العلميّة وصرامته المنهجية، ليقدّم إسهاماً فيه من الجديّة والجدّة حول مرحلة – مفترق في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر. 

 ١- جديّة أنطوان الحكيّم تقوم على ثلاثيّة: الوثيقة/المصدر كأساس للمادة البحثيّة؛ التحليل المستند إلى معطيات ثابتة والذي يقوم على ربط منطقي بين المعطيات للوصول إلى خلاصات لا تكون أبداً نهائية؛ الموضوعيّة التي تبتعد عن الاستنتاجات العشوائية أو المواقف الشخصيّة الانفعاليّة أو التزام خيارات إيديولوجيّة مسبقة، وهذه أمورٌ أساسيّة في أي بحث يعالج تاريخ لبنان، لما في هذا التاريخ من حساسيّات طائفيّة استطاع الحكيّم أن يتعالى فوقها. 

 ٢- الجِدّة، وهي المبرّر الأساس عند الحكيّم للخوض في أي موضوع يتطرّق إليه. تقوم هذه الجِدّة على الإضافة على المنشور القائم، أي إضافة حجر على البناء التاريخي المعرفي المتعلّق بالموضوع الذي يعالج. فالحكيّم، الخبير المُجَلّي في الأرشيف الفرنسي الخاص بلبنان، مُهيّأ، من النواحي كافةً، للتمحيص في ثنايا هذا الأرشيف واستخراج المهمل منه أو غير المتداول أو المتجاهَل عن قصد. إضافة الجديد لا تعني عنده نقض ما سبق، بل الإضاءة عليه أكثر أو استكماله بمعطياتٍ لم تكن معروفة قبلاً، بدون أن يدّعي الحسم في الموضوع. 

 الاضافة التي يقدّمها الحكيّم في دراسته الجديدة تصوّب وتُعدِّل، إلى حدٍّ ما، في مسارين أصبحا من البديهيات عند كثير من المؤرّخين حين يتناولون مرحلة تأسيس دولة لبنان الكبير:

  – إعادة النظر في المتداول حول رفض المسلمين المطلق للبنان الكبير. فمن خلال الوثائق/ النماذج التي يعرضها المؤلّف يتبيّن وجود مرونة في مواقف بعض قيادات الصف الأوّل عند السُنّة (من دينيّة وسياسيّة)، ارتكزت على برغماتيّة راوحت بين قبول الأمر الواقع والاعتراض المشروط، وهذا ما يعدّل في الرأي القائل برفض السنّة الحاسم للبنان الكبير. الأمر ذاته ينطبق على الشيعة، وقد أظهر الحكيّم في دراسته انعطافهم نحو القبول النهائي بلبنان الكبير في العام ١٩٢٦، بعد أن كانت مواقف بعض قياداتهم في المرحلة السابقة متأرجحة. 

– توضيح حول مواقف نخب الطائفة الارثوذكسيّة، وذلك على المستويَيْن الديني والسياسي. فعلى المستوى الأوّل، جرى تحوّل ملحوظ في موقف البطريرك غريغوريوس حدّاد الذي أيّد، في البدء، مشروع الأمير فيصل، ولم يتردّد بعد ذلك في التقرّب من الفرنسيين وفي المطالبة بتثبيت انتدابهم على سوريا ولبنان.يحاول الحكيّم أن يعطي تفسيراً لذلك استناداً إلى وثائق جديدة. على المستوى الثاني، تلقي الدراسة أضواءً على مواقف أعيان الطائفة في بيروت (عائلات تويني وسرسق وطراد وأبو شهلا ودبّاس…) والجبل وطرابلس ، الذين دافعوا، بدون تردّد، عن لبنان الكبير وطالبوا بقوّة بالإنضمام إليه.

 لا يدّعي الحكيّم أنّ ما يطرحه يشكّل انقلاباً جذريّاً في تاريخ هذه المرحلة، بل يفتح الباب أمام مقاربة إضافية، جديدة ومكمّلة في آن، تخرق البديهيّات المتداولة. انّها محاولة جديرة بالمتابعة للتعمّق أكثر في الأرشيف المتعلّق بتاريخ لبنان، وانّها تشكّل حافزاً لباحثين آخرين كي يُنقّبوا بدورهم عن الجديد، لأنّ تاريخ لبنان لا يزال بحاجة إلى المزيد من الابحاث الموثّقة والرصينة.