الرئيسية / home slide / مواقف الراعي تاريخ من مواجهة “مجد لبنان” للمخاطر المحدقة

مواقف الراعي تاريخ من مواجهة “مجد لبنان” للمخاطر المحدقة

البطريرك الراعي (أرسيفية).

“المرحلة التي بلغناها تحملنا إلى توجيه هذا النداء: نناشد فخامة رئيس الجمهورية العمل على فكّ الحصار عن الشرعية والقرار الوطنيّ الحرّ. ونطلب من الدول الصديقة الإسراع إلى نجدة لبنان كما كانت تفعل كلّما تعرّض لخطر. ونتوجّه إلى منظّمة الأمم المتّحدة للعمل على إعادة تثبيت استقلال لبنان ووحدته، وتطبيق القرارات الدولية، وإعلان حياده”، البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، في 5 تموز 2020.

“كم كان مُعبِّرًا هذا التَّأييد الكبير لموضوع الحياد، من مرجعيَّات وقيادات وأحزاب وشخصيَّات وشعب، من مختلف الطَّوائف والمواقع… كلُّ هذا يعني أنَّ اللُّبنانيِّين يُريدون الخروج من معاناة التَّفرُّد والجمود والإهمال. يُريدون شركة ومحبَّة للعمل معًا من أجل انقاذ لبنان وأجياله الطَّالعة. يُريدون مواقف جريئة تُخلِّص البلاد… لا يريدون أن يتفرَّد أيُّ طرفٍ بتقرير مصير لبنان، بشعبه وأرضه وحدوده وهويَّته وصيغته ونظامه واقتصاده وثقافته وحضارته، بعد أن تجذَّرت في المئة سنة الأولى من عمره”. البطريرك الراعي، في 12 تموز 2020.

من جنين الولادة إلى شمعة المئوية، لا تزال التحديات المحدقة ببلاد الأرز تعيد كتابة تاريخ مواجهة لبنان مع المخاطر المهددة للكيان منذ مرحلة ما بعد السلطنة العثمانية وصولا اليوم إلى خطر هيمنة إيران. واذا كانت وجوه الذين حاولوا التربّص بلبنان قد تغيّرت، الا ان الاستحقاقات تستعيد نفسها. الهدف: إنقاذ البلاد وتحقيق سيادتها.

تذكّر الوفود اللبنانية التي تزور الديمان دعماً وتبنيّاً لمواقف البطريرك الراعي، بحقبة مشابهة كان شهدها الصرح البطريركي في أيار 1919، بعدما صرّح الأمير فيصل في دمشق بأنّ لبنان هو جزء من سوريا، فأمّت الوفود اللبنانية الصرح من كلّ الطوائف، وسلّمت البطريرك الحويّك تفويضات من اللبنانيين على اختلاف طوائفهم في جبل لبنان ولبنان الكبير والمهجر على حدٍّ سواء، تخوّله التكلّم باسمهم والسعي الى تحقيق مطالبهم المتضمّنة مطلب الاستقلال والسيادة التامة، بحسب ما ذكر في كتاب “وثائق البطريرك الحويك السياسية”، وصولا الى مساعي الوفد اللبناني الثالث إلى مؤتمر الصلح لتثبيت الكيان اللبنانيّ الكبير وللاعتراف باستقلاله والتي لم تمرّ بسهولة ولا بسلام، لا خلال وجوده في باريس ولا بعد عودته الى لبنان. فبينما كان الوفد في باريس، جمع فيصل حلفاءه في دمشق في 7 آذار 1920، وعقد ما يعرف بالمؤتمر السوري الثاني، الذي أعلن فيصل ملكاً على سوريا وفلسطين ولبنان. وكان هذا الإعلان الرسمي الأول للمملكة السورية وعلى رأسها فيصل ملكاً. وقد كتب الجنرال غورو الى البطريرك الحويّك في 12 تموز 1920، يبلغه أن فيصل أرسل مالاً إلى بيروت بغية رشوة الناس لينحازوا إليه. احتجّ الحويّك في لبنان وفرنسا وكان احتجاجه صاخباً وشبيهاً بمواقف البطريرك الراعي اليوم، فأرسل نسخة من تلغراف إلى مؤتمر السلام ونسخة ثانية الى وزارة الخارجية الفرنسية في 10 آذار 1920. وصيغت النسخة الأصلية من النصّ باللغة الفرنسية، كالآتي:

En vertu du mandate que le peuple libanais nous a confié pour le représenter et défendre ses droits auprès de la Conférence de la Paix, nous protestons de toutes nos forces contre le décret du congrès Syrien à Damas, contraire aux vœux des Libanais. Nous persistons a réclamer énergiquement les revendications exprimées dans le mémoire présenté pas nous à la Conf. De la Paix en date du 25 octobre 1919. Si les Libanais ont pris part à ce congrès Syrien, ils ne représentent nullement la nation libanaise. Nous avons confiance que les Alliés donneront justice aux pauvres libanais qui ont tant souffert pour leur dévouement à la cause de l’Entent.10 Mars 1920.

مضت السنون ووصية حماية لبنان لم تتغيّر. رسّخها خطاب البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في افتتاح الدورة العاديّة السنويّة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، 1992. “إذا وضع اللبنانيّون أمام الخيار الصعب بين العيش المشترك والحريّة، فإنّ التاريخ يدل على أنّ اللبنانيين، وفي طليعتهم المسيحيّون، لم يتردّدوا يوماً أمام هذا الخيار، وهو عندهم من الأولويّات والثوابت… ولا اعتصموا بهذه الجبال طوال قرون إلّا ليحافظوا على أغلى الأغليين في نظرهم، وهما إيمان بالله وحريّة مسؤولة ينشدونهما، إذا انتفيا في لبنان، على كلّ أرض وتحت كلّ سماء”.

لم تتراجع بكركي في معركة استعادة الحرية والسيادة في زمن الوصاية السورية، فإذ بالكنيسة المارونية تضع مذكّرة مفصّلة عام 1998، حيال التدهور الحاصل في الوضع اللبنانيّ وانسداد آفاق التقدّم نحو الإصلاح الحقيقيّ، جاء فيها أن “المشكلة السياسيّة القائمة هي أساس كلّ المشاكل والأزمات التي نعاني منها. ولذلك، يجب قبل كلّ شيء تحقيق الوفاق الوطنيّ، بتطبيق وثيقة الوفاق الوطنيّ نصّاً وروحاً… ويتحقّق هذا الوفاق الوطنيّ بالاتفاق على قيم مشتركة، هي الحريّة والديموقراطيّة وسيادة القرار السياسيّ الداخليّ وصياغته في المؤسّسات الدستوريّة، وتجسيد هذه القيم الوطنيّة على قاعدة العيش المشترك المترجمة بالمشاركة المتوازنة المسيحيّة والإسلاميّة في الحكم والإدارة، وبتطبيق عدالة شاملة غير مجتزأة وغير مسيّسة… إلى متى يستمرّ الاستقواء بالخارج داخل السلطة الللبنانيّة، لماذا لا تنظّم العلاقات المميّزة مع سوريا على قاعدة الولاء للبنان ومصلحة البلدين بالمساواة، فإذا لم يتمّ ذلك كانت العاقبة الوخيمة على لبنان وسوريا معاً…”.

ومن النداء الشهير في 20 أيلول 2000 الذي وضع الأسس لإنهاء سلطة الوصاية السوريّة واستعادة السيادة والاستقلال، إلى ما ذُكر في نصوص المجمع البطريركي الماروني، النص التاسع عشر – الفقرة 33 : “شكلت انتفاضة الاستقلال إثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، لحظة تاريخية فتحت الباب للخلاص الوطني بتوحّد غالبية الشعب اللبناني على نحو غير مسبوق. إن خروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، بعد ثلاثين سنة من سلطة الوصاية، كان تتويجاً لنضال الشعب اللبناني المقيم والمنتشر، وتوحّده، وبمثابة الحلم الذي تحول الى حقيقة”.

غداً كما في الأمس… سيكسب لبنان تحقيق نداء بكركي.

majed.boumoujahed.annahar.com.lb