موافقة البطريرك على الزواج المدني مُفخّخة

حرّكت وزيرة الداخلية ريا الحسن المياه الراكدة، وولّدت عصفاً فكرياً ما بين المع والضد في موضوع الزواج المدني. هذا العصف الفكري، وإن لم يؤدّ إلى نتيجة آنية بسبب التصدّي الهائل من حملات ممنهجة تستغل بساطة الإيمان وعفويته، فإنّه بلا شك سيؤدّي لاحقاً إلى تطوير في النظم والقوانين المعمول بها، إذ إن الأجيال الجديدة لن تبقى مكتوفة الأيدي حيال مصادرة قرارها وحريّتها، اللّهم إلا إذا نجح الممسكون بالقرار في إغراق الشباب في الفقر والجهل، وهما آفتان متلازمتان. والجهل ليس عدم نيل الشهادات من جامعات دون المستوى، بل إن تخطّي الجهل يكون في إعمال العقل والفكر والمنطق.

عام 1936 صدر القرار 60/ ل ر الذي جمع بين مراعاة خصوصية الطوائف في لبنان، وقيم حداثويّة مستمدّة من فكر الجمهوريّة في فرنسا، وفي طليعته حريّة الضمير والاعتراف بالفرد، وحقّه في ترك الطائفة أو في اعتناق طائفة أخرى، وقد أشار القرار المذكور إلى فئة من اللبنانيّين لا ينتمون لطائفة ما وأخضعهم للقانون المدني في أحوالهم الشخصيّة.

لكنّ المعترضين على إقرار الزواج المدني “الاختياري” من كل لون ودين لم يطلعوا على ما سبق، ولم يقرأوا جيّداً الدستور اللبناني في مقدّمته ومواده، ولم يوسّعوا آفاقهم إلى الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل إنّهم في الأساس لم يتعمّقوا في جوهر الدين المُلازم للحريّة، والذي يجب أن يكون منفتحاً على الآخر، يبشّره بأفكاره ومعتقداته بـ”الحسنى” وليس بالترهيب.

أمس رحّب البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي بالزواج المدني “الإلزامي” الذي يساوي ما بين اللبنانيّين. كلامه “المُفخخّ” إقرار بالزواج المدني من دون نعوت “إلزامي” أو “اختياري” أو “ما بين بين”. ويعلم البطريرك أنّه رمى الكرة في ملعب “الشريك” أو “الخصم” لا فرق. الطرف المُسلم الذي يستميت في الرفض خصوصاً إذا ما تحوّل الزواج المدني “إلزاميّاً”، لأن الإلزام هنا يعني التقيّد به، وجعله المرجع الأوّل. وبذلك تخضع له أحكام تعدّد الزوجات والميراث والطلاق وما إليها. ورفضه يصير مضموناً من المسلمين. والتضامن معهم واجب للمصلحة الوطنيّة.

المهم في النقاش الفكري غير المُثمر حاليّاً على أرض الواقع، أن يرتقي إلى مستوى العقل. فربط الزواج المدني بالرذيلة والانحلال والتفكّك المجتمعيّين ضرب من “استهبال” اللبنانيّين، لأن الأديان لم تتمكّن إلى اليوم من منع الخيانة الزوجيّة، والخلافات العائليّة، والتفكّك الأسري، ورمي الأولاد في مستوعبات النفايات.

ولم تحل الأديان دون وقوع الحرب اللبنانيّية وقتل وأعاقة نحو 200 ألف لبناني وتهجير ضعفي هذا العدد أو أكثر. ولم يمنع المجتمع الطائفي الفساد المتغلغل في المؤسّسات، ومنها المؤسّسات والمحاكم الدينيّة.

الأديان بما تهدف إلى رقي الإنسان وتقدّمه، يجب أن تُساهم بفاعليّة في كل الملفّات الآنفة الذكر، وهي ربما تسعى إلى تحقيق الأفضل، لكن المجتمعات العلمانيّة سبقتنا في مجال حقوق الإنسان، والتقدّم العلمي، وتحقيق الرخاء الاجتماعي.

أمام كل ما سبق، يُصبح السؤال عن أسباب إلصاق كل الصفات السيّئة بالعلمانيّة والمدنيّة، وتبرئة الحالة الطائفيّة التي لم توفّر لنا رغد العيش. اللّهم إلّا إذا صدّقنا أن لبنان جنّة الله على الأرض، وصدّقنا الكذبة.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb – Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*