الرئيسية / أضواء على / مواطنو العمل والصمت

مواطنو العمل والصمت

نتذكرهم في مناسبتين فقط: الأولى، سنوية، وهي ذكرى الابادة الكبرى التي ذهب ضحيتها اكثر من مليوني إنسان، وشرّدت ملايين آخرين في انحاء العالم، كانت حصتنا منهم عشرات الآلاف. الثانية، دورية، وهي في مهرجان الانتخابات النيابية، ومعارك الاستقطاب والبحث عن الاصوات. وفي ما عدا ذلك نكاد لا نشعر بوجودهم، فلا ذكر لأي منهم في باب المحاكم أو المخالفات، ولا في باب الاستفزاز السياسي أو الاجتماعي، كأنما بيننا وبينهم كوكب آخر. لهم جامعتهم الموازية في عدد كبير من كلياتها، وخصوصاً العلوم، للجامعتين اليسوعية والاميركية. ولهم صحفهم ولهم معابدهم. ولهم لغتهم التي تؤنث المذكر وتذكّر المونث، ولهم مصانعهم ومدارسهم وتجارتهم الذكية والمفلحة أكثر بكثير من تجارات الفينيقيين التي تحيط بهم. عندما وصلوا الى هنا، لاجئين وهاربين من المذابح التركية، سكنوا في ما عُرف يومها بـ”الكامبات”. كمب شرشبوك وكمب هاجين. وباقي الاسماء المعذبة. وشيئاً فشيئاً فكّكوا تلك العزلة البائسة من حول اعناقهم، وتضامنوا في الخروج الى حال أقتصادية أفضل، وبرعوا في الفنون وفي العلوم. ثم انتقلوا في الكدّ والبراعة، الى التحدي الأكبر. فاصبحوا يجيدون اللغة العربية أكثر مما نجيدها، وبرز بينهم كبار المحامين والاساتذة والأدباء. والتزموا القانون والأصول والأخلاق، أكثر من أي مواطن آخر. ورفضوا حمل السلاح في عز الحرب والانفلات على القتل. وعلى رغم انتمائهم الى احزاب عقائدية وطائفية ضمن مجتمعهم، فإنهم لم يُقحموا الحكومة أو الدولة، أو المجتمع اللبناني، في اي من سياساتهم أو خلافاتهم.

ليس الأرمن من جنس الملائكة بالتأكيد. فإنهم بشر، والبشر بشر. لكن بالتأكيد ايضاً لم نعرف في لبنان، أو في سوريا، أسرة إثنية تصرفت بمثل هذا السلوك الملوكي بفقرائها ومساكينها واثريائها وأهل اليمين أو اليسار فيها. لا نعرف تماماً ما هي مطالبهم الحقيقية، ولكن المؤكد أنهم الاسرة الوحيدة القادمة من خارج لبنان، والتي لم تطالب بعزل اللبنانيين، أو طردهم أو التأكد من هوياتهم وهم عائدون الى منازلهم. ولم يحاولوا أن يقيموا جمهورية خاصة بهم. وفي عز الفقر أو الغنى أو الرضى أو التبرّم أو الولاء أو التمرد، لم يرَ احد متسوّلاً أو متسوّلة من الأرمن في الطريق. أما كيف صنعوا ذلك، فلا نعرف لأن عالمهم مغلق ومنفتح في وقت واحد. نعرف عنهم ولا نعرفهم. وبكل إباء يعرفون عنا ويعرفوننا ويتركوننا لأحوالنا المقزّزة. حتى في تجارتهم، لا ينافسوننا على شيء. لهم عالمهم المتماسك والمستقيم والمجتهد أيما اجتهاد، ولنا هذا الكرنفال الطائفي والاجتماعي والسياسي المزري. وبكل إباء وترفّع وشعور بالكرامة الكبرى، يعيشون أحزانهم منفردين. وحيثما تكون مناطقهم يكون عمل وازدهار. وتغيب العصبيات الصغيرة وباقي الصغائر وباقي. وهذه ليست قصيدة مدح في الأرمن، وإنما هي شهادة من إنسان عرفهم في لبنان وفي فرنسا وفي أميركا. واتذكر دائماً يوم كنت في جاكرتا العام 1994 أغطّي قمة عدم الانحياز، عندما تقدم مني شاب وسيم وممتلىء، وقال باسماً: “أنا رئيس ارمينيا، هل تسمح لي بالتعرّف إليك؟”. يومها لم يكن اي صحافي يجرؤ على الاقتراب من أي رئيس، ليقدم نفسه إليه. وعندما سألت الرئيس الأرمني، بماذا استطيع أن أخدمه، أجاب باسماً ايضاً: شكراً، فإن ما قدّمه لبنان لنا يكفي ويزيد.

ثمة أرمني شهير آخر، حدث أن جلست الى جانبه في الطائرة بين باريس ونيويورك. أردت طوال الوقت أن أحدثه عن الأرمن وأرمينيا، وأصرّ طوال الوقت على أن يحدثني عن لبنان واللبنانيين. وعندما قلت لشارل ازنافور إنكم شعب شجاع صبورٌ وطموح، قال ضاحكاً: “ألا تعتقد انك تتحدث عن اللبنانيين”. ذهبتُ ايام الشباب الى طبيب اسنان ارمني في بناية ستاركو. وكنت اتوقّع كما في الحال آنذاك، أن يؤنث المذكّر ويذكّر المؤنث، لكنه كان يتحدث العربية مثلنا تماماً. فلما سألته عن ذلك، قال: “لقد درست المحاماة ومارستها سنوات، وذلك من أجل أن أدافع بنفسي عن قضية والدي أمام المحاكم، وبعدما ربحتها عدت الى ممارسة مهنتي الأولى التي حملتك اليّ”. واكتشفت يومها أيضاً أن هذا الطبيب المحامي يستخدم بدل البنج مخدراً اكثر جمالاً بكثير، وهو موسيقى باغانيني، مقتنعاً كل الاقتناع بأنها اكثر فاعلية في مواجهة “الخرّ برّ” الكهربائي.

أصدرت “دار المُراد” حديثاً انطولوجياً من الشعر الارمني جمعتها وترجمتها الباحثة جولي مُراد، المختصة في احياء التراث الارمني وترجمته. من خلال القصائد المختارة تحاول مُراد رسم اللوحة الأرمنية، باعتبار ان الشعر، أبرع مدوّن للقصص والمآسي والحماسيات الوطنية. يقول الدكتور ربيعة أبي فاضل في هذه السلسلة المضيئة التي تعدّها مُراد: “… والنفحات الشعرية والألوان البهية والترجمة الأمينة والاستشهادات المقدسة والتجلّيات الصوفية والإيمانية إنما هي تحفة نادرة، لا تضيء التاريخ وحده، بل تؤكد حقيقة المستقبل، وهي انتصار المحبة على الحقد، والعدالة على الظلم، والانسان على الوحش. من هنا رؤية جولي مُراد في الشعر الأرمني فجراً يطلع من جراح، واريجاً تفوّحه الآلام، وحياة تنهض من سكينة الموت المبارك”.

يرفض حكام تركيا الاعتراف بالإبادة لأن ذكراها تحمّل الدولة أكثر مما تستطيع الاحتمال. ويتعامل رئيس شعبَويّ مثل اردوغان مع هذه القضية، بطريقة عنفيّة ومبتذلة. وفي الوقت الذي كان العالم يتأمل بإعجاب لا سابق له، في تصرّف رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أردرين حيال مجزرة المساجد، أعلن اردوغان تحويل متحف آجيا صوفياً الى مسجد، فيما اللهب الطائفي يشتعل عالمياً. كتبت زميلتنا موناليزا فريحة يومها: المطلوب لهذا العالم المزيد من جاسيندا والأقل من اردوغان. في هذا المنطق التنويري ذهب سفير السعودية وليد البخاري الاسبوع الماضي الى كاتدرائية الأرمن لكي يقدّم الى البطريرك تعازي المملكة في ذكرى الابادة. لا يمكن ان تسلم هذا العالم بسهولة الى حَمقى السياسة ومجانين الدماء. وإلاّ فإن مجزرة مريعة في نيوزيلندا سوف تستجر مجازر لا وصف لها في سيري لانكا. يوم رفض صدّام حسين الاصغاء الى جميع المناشدات الدولية والخروج من الكويت، قال فرنسوا ميتران جملته الشهيرة: “لقد دخلنا منطق الحرب”. والعالم اليوم يقبع في منطق الإرهاب. إرهاب غربي ابيض وإرهاب آسيوي بنّي، أما لون الدماء فواحد في كل مكان. كذلك هي الوان الهمجية والتوحش وموجات العنف الغبي التي تجتاح سكان هذا الكوكب على الدوام، متنقلةً من ذريعة الى أخرى، جميعها تفاهات تُعطى اشكال الفصاحة، ومبررات من العصر الحجري أو القرون الوسطى. تشكل نيوزيلندا إحدى أرقى معّدلات التقدم والكفاية والرغد، فيما تشكل سيري لانكا أدنى هذه النسب. لكن الإرهاب كان متساوياً. في البلدين ونحن نعيش الآن في عالم يعلي اسوار العداء ويفجر أبواب التسامح. إذ ضمن هذا المنطق يتحول كل شيء الى رفض للآخر. الجدار الذي يريد دونالد ترامب اقامته على حدود المكسيك ليس رفضاً للمكسيكيين والهجرة غير الشرعية، وإنما هو رفض لجميع من يخالف الصيغة الاميركية التي قامت على ابادة الهنود وسيادة الاوروبيين. حتى بلد من أكثر دول العالم تقدماً، دخل في متاهة الرفض. وها هي بريطانيا تتعثر وتضطرب في دائرة الخروج من الدمج الاوروبي. ويتقدم أهل الرفض في كل مكان، خصوصاً في دول الامبراطوريات السابقة مثل النمسا وتشيكيا والمَجَر وغيرها.

أرمينيا تمثل دول وشعوب القيامات والنهوض في هذا العالم العطوب، الذي تجتاحه الموجات القاتلة كل حين. في كل عصر هناك هولاكو يتأبط الطاعون ويخرج به على الناس. وما من مرة كانت الأوبئة العمياء في مثل وحشية القتلة المتقصدين. حريق نوتردام الفادح بين حرائق التاريخ أحزن العالم، لكنه عثر أيضاً على “نيرونات” صغار يغنون له ويعزفون للّهيب.

في ذكرى ابادة الأرمن وزعت علينا جولي مُراد باقة من شعر الأمة المنبعثة في الأمم. كان لهم أيام السوفيات أعلى رجال التوافق في موسكو، انستاس ميكويان، واليوم لهم في روسيا رئيس الديبلوماسية، سيرغي لافروف، الذي يبدو أنه سيبقى في الكرملين قدر ما أمضى ميكويان. المقدرة الأرمنية على التفوق في المهمات الصعبة.

اضف رد