موازنة 2017 توسع العجز وتؤخّر النمو

مروان اسكندر
النهار

9 شباط 2017

مراجعة ارقام موازنة 2017 التي عرضت على مجلس الوزراء يوم الاربعاء 8/2/2017 لا يمكن وصفها بأنها تهدف الى الإنماء. فهذه الموازنة التي تبلغ نفقاتها 24701 مليار ليرة ارتفعت بنسبة 7.7 في المئة عن موازنة 2016 التي بلغت 22983 مليار ليرة، ولا تزال الاجور وخدمة الدين العام تستحوذ على القسط الاوفر بحيث بلغت كلفة الرواتب والاجور 8737 مليار ليرة أي 35.7 في المئة من مجمل الانفاق. واذا احتسبنا كلفة الدين العام البالغة 7100 مليار ليرة وتحويلات مؤسسة كهرباء لبنان 2100 مليار ليرة، تتآكل هذه البنود جميعها نسبة 72.6 في المئة من الانفاق الاجمالي. وقد بيّن هذه الارقام الدكتور غازي وزني في مقاله يوم الثلثاء 7/2/2017 وأشار في التفاتة مختصرة الى ان الوفر المتحقق نتيجة انخفاض اسعار المشتقات النفطية والذي يساوي 1100 مليار ليرة لم يدفع الحكومة الى الاستفادة والعمل على تطوير خدمات الكهرباء ومن هذه انجاز الوصلة في المنطقة الواقعة تحت بيت مري بحيث يتحسن توزيع الكهرباء على خطوط التوتر العالي والذي يؤدي الى اختصار العجز اضافة الى هبوط اسعار المشتقات.
بنود الموازنة الجديدة، في مجملها، ما عدا سلسلة الرتب والرواتب التي تستوجب تخصيص 1200 مليار ليرة معروضة بتفصيل في المقال المشار اليه وبوضوح مفيد. واعتمادًا على هذه الارقام نود أن نبدأ مقالنا هذا بالتأكيد ان الموازنة غير انمائية وانها تساهم في زيادة العجز ولن تساهم في تحسين توافر الكهرباء، والمياه، ومعالجة مخاطر البيئة، وتطبيق ضمان الشيخوخة، وجميع هذه البنود أهم من الاهتمامات السياسية الضيقة والتي تهدف الى صون مراكز قرار في قطاعات معينة في أيدي ممثلي مذاهب معينة.
تقرير صندوق النقد الدولي عن الاوضاع النقدية والاقتصادية والمالية في لبنان عن عام 2016 يفيد ان السياسة النقدية (أي السياسة التي هي من اختصاص مصرف لبنان) كانت ناجحة ومفيدة في تمكين لبنان من تحصيل موارد نقد أجنبية اضافية في مصارفه ولدى مصرف لبنان.
في المقابل، يشير التقرير الى ان السياسة المالية لا تزال متعثرة، وان التوجه الانمائي شبه مفقود، وان تأثير المهجرين السوريين على الانتاج وخدمات المياه والطاقة والنقل والتعليم والمنافسة في مجالات العمل والتجارة تسهم في خنق امكانات النمو والتي قدرها التقرير بـ1 في المئة عام 2016 مقابل تقدير مصرف لبنان الذي يعتمد على عدد من معايير النشاط Coincident Indicators ان معدل النمو بلغ 2 في المئة.
الاستخلاص البالغ الاهمية هو ان النمو لن يتحقق ما لم تقر سياسة مالية تؤدي الى اختصار الهدر في الكهرباء مثلاً وتحسين الاستفادة من تدفق مياه نظيفة تغطي حاجات الزراعة والصناعة والحاجات المنزلية دونما حاجة الى شاحنات توزع المياه وتزيد اختناق السير في بيروت وغيرها من المدن كصيدا وطرابلس.
النمو ممكن وضروري على مستوى 5 في المئة سنويًا اذا كان لنا ان نحسن فرص العمل والاكتساب للشباب اللبناني. والنمو بالمعدل المشار اليه قد يمكننا من ان نتوقع انخفاض نسبة الدين العام الى الدخل القومي، ومن بعد وفي حال تحقيق معدلات نمو واعدة على مدى سنوات، قد نبدأ بخفض أصل الدين ومن بعد وفي حال تحصيل مداخيل من انتاج الغاز والنفط نستطيع اطلاق الصندوق السيادي الذي ارتأى الكثيرون ضرورة تأسيسه قبل تأمين موارده، ونحن في لبنان نشطح في الآمال والتصورات من غير ان نتوقف للتفكير المتزن في الشأن العام.
لو مارسنا التفكير المتزن في الشأن العام منذ سنوات لما كنا نواجه الازمة المالية والاقتصادية التي نواجهها، ولا تزال لدينا فرص لتكريس التفكير المتزن والانمائي، علمًا بان هذه الاستهدافات غائبة عن مشروع الموازنة والمثل التالي يكفي لعرض مخاطر اهمال التفكير في المستقبل.
يعرض مشروع الموازنة زيادات ضريبية عدة منها زيادة الضريبة على الفوائد المتأتية للمودعين والزيادة هي من 5 في المئة الى 7 في المئة أي بنسبة 40 في المئة.
ان هذه الزيادة في هذا الوقت تناقض جميع معطيات العمل المصرفي، ومعطيات حاجات المواطنين. فهنالك شريحة كبيرة من المواطنين ممن كرسوا حياتهم لادخار بعض الاموال لكفاية حاجاتهم في سنوات الكهولة، سيعانون هذه الضريبة الاضافية، وفي الواقع سيعاني الاقتصاد اللبناني كثيرًا من زيادة هذه الضريبة، والدليل واضح. فالجميع يعلمون ان ارتفاع الودائع لدى المصارف في لبنان حتى اواخر آب 2016 لم يتجاوز الـ2 في المئة أي في الواقع كان هنالك انخفاض في المستوى الذي كانت ستبلغه الودائع مع الفوائد، وتالياً كان تمويل حاجات الحكومة متعثرًا لولا ما سمي الهندسات المالية، التي اثنى عليها صندوق النقد الدولي. ومعلوم ان مصرف لبنان كان ولا يزال ينادي بترشيد وتطوير السياسة المالية منذ عشر سنين وأكثر دون نتيجة. وتقرير صندوق النقد الدولي يؤكد ان السياسة النقدية الحكيمة ستواجه صعوبات في استمرار تأمين الاستقرار النقدي وضبط التضخم ما لم تتحسن بصورة جذرية ممارسات السياسة المالية.
لماذا لا يقر مجلس الوزراء والنواب انجاز محطة لانتاج 1000 ميغاوات بكلفة 800-900 مليون دولار، وننجز اتفاقاً على استيراد الغاز المسيل لتزويد هذا المعمل ومعمل البداوي والزهراني الغاز بدل المازوت؟ والكل يعلم ان موردي الغاز المسيل على استعداد لانجاز مواقع تسلم الغاز المسيل وربط الغاز المتوافر بشبكات لتغذية المعامل، فنوفر في السنة الاولى (أي قبل أواسط 2018) ما يعادل 800 مليون دولار من تكاليف دعم مؤسسة كهرباء لبنان. وبعد انجاز المعمل بطاقة 1000 ميغاوات ولو بكلفة 900 مليون دولار، يصبح الوفر في تأمين اللقيم للطاقة 1.5 مليار دولار سنويًا، اي ما يفوق كلفة انجاز المعمل. ومن بعد وحين نبدأ بانتاج الغاز من مياهنا الاقليمية بعد 7 أو 8 سنوات نكون قد حققنا وفورات تقرب من 12 مليار دولار.
منذ سنوات بعيدة كان هنالك تفكير طليعي في لبنان، لدى موريس الجميل، واميل البستاني، وشكري الشماس. فهؤلاء وغيرهم قبلهم مثل ابرهيم عبد العال اعتبروا ثروة لبنان المائية في حال الحفاظ عليها كافية لتأمين مستقبل اللبنانيين ولبنان، والسبيل كان ولا يزال في تحويل خط التابلاين، شرط توافر مياه نظيفة من مجرى الليطاني، لضخ المياه الى الاردن والسعودية بكميات تتجاوز المليار ونصف المليار متر مكعب سنويًا، ويكون الثمن البخس لهذه الكميات 4 دولارات للمتر المكعب أو 6 مليارات دولار من الدخل السنوي. ولا بد من التذكير بان اهمال حفظ المياه في لبنان يؤدي الى خسارة 3-4 مليارات متر مكعب من مياه الامطار.
أخيرًا ندعو الى المسارعة للعمل الانجازي والابتعاد عن المبالغة في توقعات مداخيل النفط والغاز، فهذه لن تتوافر قبل 7-8 سنوات وعلينا قبل ذلك ان نعمل لتفادي زيادة الضغوط الاقتراضية والمالية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*