مواجهات قطر

عانت قطر موجة من الانتقادات والتشكيك في الصحافة الدولية منذ 2003، ووجهت الانتقادات جهات مختلفة كان منها مثقف قطري هو الدكتور علي الكواري الذي أصدر كتابًا اتهاميًا مع عشرة مثقفين ينتقد فيه السياسات القطرية، الاستثمارية والانفاقية، والتوجهات الاعلامية المتعصبة. وكانت قناة “الجزيرة” تحمل الانتقاد الشديد لكل حكام دولة الامارات والسعودية والكويت في حين كانت قطر بمنأى عن أي انتقاد. وبلغ استياء حكام الخليج حدًا جعل دولة الامارات والبحرين والمملكة العربية السعودية تسحب سفراءها من قطر، ولم تستعد العلاقات الديبلوماسية مستواها إلا بعد تعهد الامير الجديد (منذ صيف 2013) الشيخ تميم كبح تعليقات “الجزيرة”، وابعاد عدد من الشيوخ السلفيين مع ابقاء زعيم هذه المجموعة الشيخ يوسف القرضاوي، الذي وفد الى قطر اوائل الستينات بعد سجنه اثر محاولة “الاخوان المسلمين” اغتيال جمال عبد الناصر.

يبدو ان الاجراءات الوقائية التي تعهد الشيخ تميم تنفيذها لم تأخذ مجراها على الصورة الكاملة. ذلك ان “الجزيرة”، حتى بعد تسريح 600 اسلامي من موظفيها، بقيت تطفح بتعاليم “الاخوان المسلمين” وطموحاتهم.

وجدير بالذكر ان استياء الرئيس جورج بوش الابن من تغطية “الجزيرة” للاعمال العسكرية الاميركية في العراق بلغ حدًا دفعه عام 2004 الى مباحثة طوني بلير حليفه البريطاني في امكان تدمير ابنية “الجزيرة” في قطر. لكن بلير حثه على التأني لان انعكاسات عملية كهذه سيئة في العالم العربي، ومع ذلك قصفت الطائرات الاميركية مكتب “الجزيرة” في كابول، وكذلك في بغداد، وكانت هنالك خسارة للارواح في العاصمة العراقية. ومنذ 2004 وحتى 2009 كانت نشرات “الجزيرة” مرهونة بالموافقة الاميركية، الامر الذي يدعو الى التساؤل عن الدور الاميركي حاليًا وخصوصاً بعد انجاز قاعدة العديد التي تعتبر القاعدة الكبرى لسلاح الجو الاميركي خارج الولايات المتحدة، وعدد العسكريين الاميركيين في القاعدة يفوق عدد قوات قطر بنسبة كبيرة.

خلال السنوات الاولى للرَّبيع العربي 2010-2012 كانت قطر تنعم بالاستقرار والازدهار وعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة واسرائيل، على رُغمَ أنها كانت توفَّر الامان والامكانات لنشاطات “حماس”، وحركة “طالبان” التي صارت لها شبه سفارة في قطر، ومتطرِّفين اسلاميين وسلفيين، وجميع هؤلاء كانوا يَحُوزون مساعدات مالية، وتسهيلات اعلامية على شبكة “الجزيرة”، كما كانوا يتلقَّون معوناتٍ من قطر ويتبرعون بها للإسلاميِّين والسلفييِّن الذين حملوا السلاح في سوريا وليّبيا، وقد توافر لهؤلاء سلاح من قطر ومعونات مالية سخية.

ولقد اختار الشيخ حمد بن خليفة، المعروف بتوجهاته الاسلامية المتشددة، وبالتعاون مع رئيس وزرائه، والى حدٍّ ما زوجته الثانية مساندة القوى الاسلامية المتشددة بالمال والاعلام والسلاح في مختلف بلدان الرَّبيع العربي. وسهلت هذه المهمة على الثلاثي المتحكِّم بقيادة قطر لاقتناعه الراسخ بأنَّ الاسلام هو الخيار للتحُّركات الشعبية، وكانت قطر ترأس، دوريًا، جامعة الدول العربية خلال 2013-2014 وتحظى بمركز المصدر الاول عالميًا للغاز المُسيَّل منذ عام 2005.

قبل نهاية عام 2012 أدركت القيادة القطرية أنَّ أفرقاء يتلقون مساعداتها على افتراض أنهم يمثِّلون الاسلام الحقيقي، قد اصبحوا بمثابة حركات مخيفة اقليميًا ودوليًّا. فالسلفيُّون، و”جبهة النُّصرة”، المتفرعة من تنظيم “القاعدة”، داسوا الَقِيم الاخلاقية والانسانية ونكلّوا بأقليات دينية في العراق وسوريا أو اقتلعوها. ومقاتلو “جبهة النُّصرة” المتفرِّعُون من “القاعدة” كانوا لا يزالون يحظون بمساعدات من قطر حتَّى أيلول 2014 كما صرَّح بذلك أمير قطر الجديد في المقابلة التلفزيونية الاولى التي أجرتها معه على شبكة “سي إن إن” كريستيان امانبور ، التي هي من أصل ايراني وقد حقَّقت شهرة عالمية نتيجة مقابلاتها، وخصوصاً مع زعماء عرب وايرانيين.

ومساعدة السلفيِّين و”جبهة النُّصرة”، التي كانت تشهد انتقال بعض مقاتليها الى “داعش” والعكس بالعكس، دفعت البلدان الرئيسية في مجلس التعاون الخليجي، أي السعودية والبحرين والامارات العربية، الى مقاطعة قطر وسحب سفرائها من الدوحة.

ولا شكَّ في انَّ الاندفاع الاسلاموي لقيادة قطر السابقة وانشاء حلقةِ التعاون الدوليّ والعربي لمواجهة “الدولة الاسلامية” في العراق وسوريا كانت من اسباب توسع الانتقادات لقطر.

واضافة الى مواجهاتها مع البلدان العربية الشقيقة، تواجه قطر بضعة تحديات لا يمكن تجاهلها، وبعضها شددت عليه كتابات الدكتور علي الكواري وزملائه:

– عدد القطريين يبلغ في اقصى حد 280 – 300 الف شخص.

– عدد الاجانب المشاركين في النشاط كعمال أو رجال أعمال أو مقاولين أو اساتذة أو اطباء الخ يبلغ 1,8 مليون شخص، وهؤلاء لا بد من توفير الكهرباء والمياه والمعالجات الصحية لهم، دونما نظر الى مستويات أجور العمال ومعاملتهم بقسوة، ويستحوذ الاجانب على الاقل على نسبة 25 في المئة من الدخل القومي القائم.

– استثمارات قطر في الخارج ومنها استثمارات جيدة وأخرى أقل جودة توازي 220 مليار دولار.

– الانفاق المفترض على استضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم في قطر في 2022 تقدر بـ120 مليار دولار، في حين ان تكاليف دورة الألعاب الأولمبية في لندن 2012 لم تتجاوز الـ15 مليار دولار.

– لدى قطر عدد من البعثات الديبلوماسية يتجاوز عدد البعثات الديبلوماسية الاميركية، ولكن ليس لدى قطر العدد المناسب من الديبلوماسيين.

– لدى قطر التزامان لا تستطيع تجاوزهما، الاول قاعدة العديد للأميركيين، والثاني ارتباط مع ايران على تخصيصها بجزء من مداخيل تطوير حقل الشمال الذي يتداخل بين البلدين.

– ازدياد حدة المنافسة مع شحنات الغاز المسيّل سواء من أوستراليا، أو الولايات المتحدة.

ولعل الخطر الاكبر على مستقبل قطر رهن بمدى استمرار اضطلاع الشيخ يوسف القرضاوي بدور محوري في تطوير السياستين المحلية والاعلامية.

وللحديث صلة الاسبوع المقبل.

اضف رد