مهرجان البستان في كنيسة مار يوسف: الموسيقى هذه الساحرة التي تروّض الغابات الخائنة!

يتردّد صدى الروح داخل كنيسة مار يوسف المُنمّقة بالشموع المُضاءة بقشعريرة الإيمان وببعض شُجيرات تفيض جمالاً وأناقةً وتنساب من القناطر الداخليّة بعظمة لا تخلو من البساطة. وتنقلنا هُناك، إلى حيث إبتسامة صغيرة وبعض أمل نواجه من خلالهما الأيام الداكنة اللون بكآبتها وابتسامتها الخبيثة. خُشوع وانخطاف ما إن نصعد “هالكم درجة” التي تنقلنا من الباحة الخارجيّة التي تُشرف على شارع مونو المَرصوف بالحكايات، إلى القاعة المديدة التي سُرعان ما تتحوّل ملاذنا لهذه الأمسية الشتويّة المتوقدة بالأنغام العريقة. وهذه الشُجيرات التي تُرافق الصوت والنغمة وتتحوّل زينتها الخلفيّة. حديقة صغيرة تخرج من المُخيّلة وبعض بريق بعد انقطاع وعزلة. وها هي الأنغام تتداخل مع عوالمنا الداخليّة. أرجوحة صغيرة تنقلنا إلى أيام أقل ضبابيّة. لحظات سامية ترفعنا من كل ما هو عادي.

للموسيقى قُدرة هائلة على تطويع الأوهام ومُراقصة حناياها على صدى تململ جامح للأجساد المُتأرجحة بين أحلام اليقظة وكوابيس الواقع. الأنغام تستدرج الجمال الذي يأخذ كل وقته قبل أن يصل إلى الذروة. أضواء “ليّنة” تخالها شُعاع القمر يمتصّ كل ما هو سلبيّ ويُروّض الغابات الخائنة التي تترنّح أوراقها دون حسيب أو رقيب. هذا العام، يُطلق مهرجان البستان عنوان
“Crescendo”
(وصول الصوت إلى ذروته تدريجياً – أو الصعود نحو الأفضل) على برنامجه المؤلف من 20 حفلة تحتفي بالموسيقى الإيطاليّة وتتشرّب من رحيقها. الأمسية في كنيسة مار يوسف حملت عنوان
Stabat Mater,
وأخذنا البرنامج إلى مؤلفات لدومينيكو سكارلاتي وجيوفاني باتيستا بيرغوليسي ونيكولا بوربورا. مجموعة
Pergolesi
أكادميا بيزنتينا وديلفين غالو “كونتر ألتو” ومونيكا بيتشيني (ميزو) بقيادة عازف الكمان أليساندرو تامبييري دعونا إلى إعادة التفكير بمقطوعة “ستابات ماتير” التي ألّفها بيرغوليسي في نهاية حياته وخلال إصابته بالمرض وأنهاها قبيل وفاته. وتعتبر المقطوعة من أهم ما وُضع في مديح السيدة العذراء. ويُقال إن الحركة الافتتاحيّة فيها من أجمل الثُنائيات التي كُتبت عبر التاريخ.

مع الإشارة إلى أن دومينيكو سكارليتي يعتبر أحد عمالقة حقبة الباروك قبل باخ وهاندل. ونيكولا بوربورا يعيش حالياً “طحشة عالميّة” على مؤلفاته بعدما تغاضى الرأي العام عن مؤلّفاته لسنوات طويلة. أمّا جيوفاني باتيستا بيرغوليسي، فلم يختبر النجاح الكبير خلال حياته. ولكنه بعد وفاته تحوّل نجماً لم تتمكّن الأيام من أن تسلب مؤلّفاته تنهيدة اللقاء الأول.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*