الرئيسية / home slide / من يعطي لبنان اتفاقاً مماثلاً للـ2008؟

من يعطي لبنان اتفاقاً مماثلاً للـ2008؟

27-11-2021 | 00:25 المصدر: “النهار”

روزانا بومنصف

الرئيس ميشال عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

أعطى الرئيس الفرنسي #إيمانويل ماكرون معنى آخر مختلفاً للتهنئة بالاستقلال في البرقية التي وجّهها الى رئيس الجمهورية في لبنان، الذي ارتاح على الأرجح لعدد لا بأس به من البرقيات من رؤساء الدول الذين لا يزالون يرون في لبنان دولة، على عكس مواطنيه الذين لا يشاطرونهم الرأي، أي وجود الدولة ووجود مسؤولين يستحقون أن يتلقوا برقيات مماثلة بصفتهم المعلنة. ولكن ما همّ المسؤولين لأن لا أهمّية للناس فعلاً ولا قيمة لهم. وليست البرقيات في الواقع في معظم الأحيان إلا توجيهاً آلياً بروتوكولياً لا يعرف بها رئيس الدولة المعنيّة بل ترسلها دوائره فحسب، ولكنّها مهمّة من حيث الإيحاء بأن لبنان الدولة لا يزال موجوداً ولا يزال معترفاً به خارجياً على أنه كذلك، فيما يبحث القيّمون عليه عن استمرار الدعم الخارجي على رغم الجحيم الذي يدفعون البلد إليه يوماً بعد يوم.

برقية ماكرون ستسقط بدورها على آذان صمّاء، ولن تجد أيّ تجاوب، تماماً على غرار ما حصل إزاء التساهل الذي أبداه الرئيس الفرنسي لضغوطه من أجل تأليف حكومة بعد انفجار مرفأ بيروت في آب 2020. فالخجل من التقريع الخارجي لم يرد في أيّ لحظة، ولا التحذير من المزيد من الانهيار وتفكك المؤسّسات وتحلّلها في لبنان، ولا كذلك جزرة الدعم الخارجي.

الباخرة تغرق ولا يظهر الموجودون في مواقع المسؤولية أيّ اهتمام بل يظهرون غياباً عن الوعي وتآمراً على البلد وأهله. لبنان انتهى على نحو كلّي، ويتمسّك اللبنانيون ببعض ما بقي من فتات على أمل أنه يمكن استعادته كما كان، ولكن يُخشى أن لا قيامة له ولو بعد سنوات كثيرة. يتلهى أهل السلطة بالرهانات الخاطئة من أجل المصالح الشخصية أو غير اللبنانية فيما أحد أكبر هذه الرهانات هو الاعتقاد بأن اتفاقاً جديداً على صيغة لبنان قد يبقي على الواقع المسيحي كما هو.

يبذل الفاتيكان أقصى ما يمكنه من أجل المحافظة على صيغة العيش المشترك وبقاء المسيحيين فيما المتغيّرات تشي بصعوبة ذلك بعد رهانات مسيحية خاطئة ومدمّرة من أعلى السلطات، وعدم قدرة الكنيسة على القيام بما يجب من أجل تصحيح هذا المسار المستمرّ حتى الآن. لا يستطيع رئيس الجمهورية أن يستمع في الفاتيكان الى ما لا طائل له على الاستماع إليه نتيجة مسؤوليته الكبيرة عمّا آل إليه الوضع في لبنان أو عجزه في أحسن الأحوال. قال البابا في برقية الى عون إن “مشروع أمّتكم قائم على تخطي الانتماءات الطائفية”. يذهب رؤساء الحكومات السنّة الى الفاتيكان من أجل تجديد التزام العيش المشترك فيما الوقائع تتغيّر ومشاركة الفاتيكان في بلورة اتفاق مماثل لاتفاق الطائف لا بدّ من أن يأخذ في الاعتبار المتغيّرات التي باتت موزعة في اتجاهات متعدّدة أكثر من السابق.

أحد أبرز الرهانات الخاطئة الأخرى هو التمهيد أو الإيحاء بسيناريوات مماثلة لعام 1989 أو لعام 2016. انتهى لبنان ولم يعد كما كان لا في 1989 ولا في 2016. بات أشبه بالصومال فيما استسلام الناس لمصيرهم على رغم تدهور الوضع يومياً الى جحيم أكبر قد يزيّن للبعض القدرة على فرض سيناريوات مماثلة. فالرئيس عون بالكاد يبقى مقبولاً من أجل مواصلة إنهاء ولايته، ودول عدة عربية لا تودّ التعامل معه منذ زمن ليس بقصير، وينسحب غياب الود بنسبة أكبر على صهره الذي تلتقي دول غربية مع دول عربية على رفضه كخيار محتمل في أيّ وقت في المستقبل المنظور. وإن كان ثمّة سيناريو محتمل فهو أقرب الى ما يكون لعام 2008 يدفع إليه البعض بقوة تحت طائل تسعير التدهور وتغذيته ما قبل نهاية عهد عون انطلاقاً من واقع أن الأخير يعتقد أنه لا يزال يمسك أوراقاً في يديه يستطيع أن يعزز موقعه أو شروطه من خلالها من أجل حماية وريثه السياسي وحفظ موقع لتيّاره في الواقع السياسي، فيما المشكلة الرئيسية أن لا جهوزية راهناً لاتفاق مماثل لا داخلياً ولا إقليمياً، علماً بأنه الأكثر ترجيحاً. وينسحب ذلك على عدم إعطاء حليفه الشيعي ما يريده تحت الضغط الذي يمارسه في تعطيل الحكومة راهناً لقاء إطاحة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، إذ يقول ديبلوماسيون إن الحزب ليس قدراً وهناك أوهام مضخمة حول قدرته على الإمساك بلبنان واللبنانيين، فيما لا يتمّ تجاهل محاولات ترهيبهم أو الضغط عليهم أو مساعيه لإغراء بيئته بالمساعدات والتقديمات، كما لا يتم تجاهل استمرار امتلاكه العملات الصعبة التي يحصل عليها من إيران أو بوسائل أخرى من أجل التحكم بالوضع على نحو أفضل من الآخرين، ولكن لن يكافأ على تعطيل الحكومة وضرب قدرات البلد على النهوض من خلال هذا التعطيل وتالياً منع انطلاق المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والإصلاح ثمّ إتاحة منع انزلاق اللبنانيين الى المزيد من المهانة والذل، فيما الحؤول دون إطاحته التحقيق في انفجار المرفأ، على أهمّيته بالنسبة الى منع إنهاء السلطة القضائية على رغم الإنهاك الذي هي عليه، فإنما يكتسب طابعاً بحسابات الرئاسة مسيحياً كذلك والسعي الى إتمام مقايضة على هذا الصعيد على الأقل من أجل ضمان الجزء الداخلي من المصالح والحسابات السياسية تماماً كما كانت حسابات الحكومة والثلث المعطل فيها بعيداً من التحالف الاستراتيجي بين طرفي مار مخايل نتيجة إدراك عون أن حساباته مع حليفه قد تفترق في بعض المحطات، علماً بأن تجربة جورج قرداحي أخذت التعطيل الى بعد آخر بوزير واحد لا بثلث معطل فحسب.

الوقت ضيّق أمام فرنسا لإعطاء لبنان فرصة اتفاق مماثل لاتفاق الدوحة، ولديها أولوياتها والعلاقات العربية مع الأطراف اللبنانية على طرفي نقيض، وإيران في ذروة تحفزها، ما لا يجعل الأمور سهلة في المدى المنظور، لا بل قبل الانتخابات وإعطاء الافرقاء براءة ذمّة مسبقة في اتفاق سياسي يثبّت حصصهم.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb