الرئيسية / مقالات / من يشطف الدرج يا عبود؟

من يشطف الدرج يا عبود؟

 

راجح خوري
24102018
النهار

مرة جديدة يضرب رئيس الهيئة العليا للتأديب القاضي مروان عبود، مع علمه الأكيد بأن الضرب في الميت حرام، وان كل الأحاديث المضحكة التي يسمعها عن محاربة الفساد في لبنان، ستبقى مجرد كلمات جميلة لم تعد تصنع الاحلام والآمال في أذهان اللبنانيين بل باتت من يأس تصنع السخرية والألم… والخلاصة دائماً واحدة: حطّ في الخرج!

أرفع قبعتي لهذا القاضي الصادق والنزيه والمتألم، فعندما قرأت كلماته قبل أشهر عن أنه يفضل ان يكون بائعاً للفلافل على ان يبقى حزيناً وكئيباً، وهو يراقب بحور الفساد والفاسدين، تتلاطم من حوله في هذه الدولة السعيدة، وهو عاجز فعلاً عن القيام بدوره في تأديب الفاسدين، أدركت مدى ألم الأوادم في هذا البلد البائس.

حديثه مع زميلتنا كلوديت سركيس المنشور يوم الاثنين في “النهار”، يشكّل مضبطة اتهام وبيان إدانة حاسمة ليس في حق جيوش الفاسدين عندنا فحسب، بل أيضاً في حق هذه الدولة المسخرة، التي تعرف ان سوس الفساد نخرها وسيظلّ ينخرها، وأنه لم يعد مرضاً يمكن علاجه، بل أصبح إنهياراً عاماً، جعل لبنان مرجلاً يغلي ألماً وغيظاً ويتجه حتماً الى إنفجار عام!

من المؤكد ان القاضي عبود يضحك ساخراً ومتحسّراً، عندما يقول إنه يجب ان نستحدث جهاز هيئة عليا تسمى المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، يضمّ كل الهيئات الرقابية والقضاء الجزائي، وان تعلن حال طوارئ إدارية مثل الطوارئ الأمنية. نعم هو بالضرورة يتألم لأنه يعرف واقع البلد ويعرف جيداً صحة ما قاله ماكسويل عام 1888 من “ان الدرج يشطف من فوق الى تحت”، بما يعني ان “المكانس” يا سيدي لن تجرؤ قط على التفكير بالبدء من فوق، لأن معظمها عيّن من فوق، وهي تعجز عن التنظيف تحت لأن الدرجات في الأسفل تحظى بالتغطية السياسية، التي يفترض ان تأمر بالتنظيف وان تؤمن المكانس والمساحيق ومجاري الصرف.

ولا بد من ان القاضي المتألم مروان عبود، يعرف تماماً ان الرئيس شارل حلو والرئيس الشهيد رفيق الحريري حاولا كل بدوره وفي تواريخ مختلفة طبعاً، إجراء عملية تطهير لبعض الفاسدين في إدارات الدولة المنهوبة، لكنهما إصطدما بغضب الطوائف والمذاهب بعدما صار تطهير أي ماروني أو سنيّ أو شيعي، يعني تعدياً على حقوق الطائفة وتجنياً عليها، وهكذا أعيد الفاسدون الى مكاتبهم ومراكزهم، ليقول زملاؤهم من الأوادم : يا لنا من مهابيل، ها هم الفاسدون يعودون مظفرين الى السمسرة والسرقة!

هل تغيّر شيء من ذلك الحين؟

نعم تغيّر الكثير، صار الفساد ثقافة عامة تقريباً، ولهذا يقول عبود: “إذا نظرنا الى حجم الفساد يمكن ان نيأس”. نعم، فقد حلّ لبنان بعد غواتيمالا وبنغلادش وموريتانيا في قائمة الفساد، ونحن أصحاب ثالث أكبر مديونية في العالم، والموظفون مثلاً على ما يقول عبود، سمك أكل طعم سلسلة الرتب والرواتب ولم يعلق في سنّارة تمديد ساعات العمل!

والخلاف متأجج على حقيبتي العدل ومكافحة الفساد من غير شرّ، لكن من يشطف الدرج الوسخ؟

rajeh.khoury@annahar.com.lb

Twitter:@khouryrajeh

اضف رد