من يشدّ مفاصل الدولة قبل الانهيار؟

اول من امس، كان حراك مدني رافض لمحرقة نفايات بيروت، او ما بات يسمى معامل التفكك الحراري، للتلاعب بالكلام، وزيادة في غش الناس، عبر تسميات يظن المواطن انها تقنيات حديثة عصية على فهمه البسيط.

لا يمكن قياس نجاح التحرك بعدد المشاركين، بل بعدد المؤيدين وهم كثر، اذ ان اللبنانيين، او اكثرهم، استسلموا امام الواقع المزمن، وفقدوا المبادرة والحماسة للنزول الى الشارع، لكنهم بالتأكيد يؤيدون كل حركة رفض واعتراض، من دون ان يملكوا البدائل غالبا.

والمشكلة في حقيقتها، وبعيداً من الحقائق التقنية، ليست مع المحرقة، بل في ادارتها وطريقة عملها، وضمان عدم بثها المزيد من السموم القاتلة والمسرطنة التي “تعبق” فيها اجواء العاصمة أصلاً من المولدات والنفايات والسيارات وغيرها. الضمانات المعلنة من بلدية بيروت غير اكيدة. السلطة البلدية تنتقل من رئيس الى آخر، ومن مجلس الى آخر، ومع كل تسليم وتسلّم، تضيع المسؤوليات، وكل مسؤول جديد يرفع عنه المسؤولية ليرميها على سلف لم يحاسَب يوما. الامر نفسه في كل الوزارات والمؤسسات العامة. المشكلة الحقيقية هي في فقدان الثقة بالدولة، وبكل مؤسساتها وبعملها وادائها الذي يميل غالبا الى السيئ.

المشكلة العميقة ان اللبنانيين باتوا لا يثقون بالدولة، بإدارة الدولة، وادارة المحرقة، وادارة الكهرباء، وادارة الميكانيك، وادارة المال العام. ومتى تهاوت الثقة الى هذا الحد، وسقطت هيبة الدولة، يصبح اقناع الناس بأي شيء، والدفاع عن اي مشروع، امرا معقدا الى حد كبير. وتستفحل معارضة كل الامور والقرارات خصوصا في بلد قلّما غابت عن مناقصاته روائح الصفقات.

والمشكلة لن تقتصر على المحرقة. المشكلة ستعمم على كل المشاريع. ستسقط مشاريع اخرى وستهوي اقتراحات مشاريع. وستتوسع الازمة وتشتد، خصوصا مع بعض التقشف الذي سيحرم كثيرين منافع اعتادوها، وسينقلبون على البقرة الحلوب التي جفّ ثديها.

الازمة لم تعد تقتصر، ولن تقتصر على محرقة بيروت، ولا على مشاريع محددة، الازمة باتت ازمة نظام يحتاج الى تعويم، والى ثقة، والثقة لا تتأتى الا من ترميم حقيقي للصورة المشوهة، وتغيير حقيقي في الاداء، واصلاح في النظام.

اللبنانيون اليوم امام دولة فاقدة الهيبة، بكل مؤسساتها، وامام رجال لا يعتبرونهم رجال دولة، والقليل منهم تمكن من تجاوز حدود طائفته بمساحات ضيقة للغاية، والنادر من بينهم مَن تمكن من الايفاء بوعود مخادعة يطلقها في المناسبات وقبيل الانتخابات، حتى اذا ما انقضى اليوم الموعود، تبخرت كلها، وصارت من الماضي الذي يُستحضر بعد اربع سنوات، اذا لم يقع تمديد وتجديد لمجلس النواب.

لا اجواء مهيأة لاصلاح النظام. ولا الوقت مناسب في ظل الحمأة المذهبية، واحتدام الصراع السياسي. والاهم من هذا وذاك، ان لا رؤية واضحة الى عملية التطوير، وثمة تباعد كبير في النظرات الى مستقبل البلد ودوره وحركته. قد تكون الفرصة المناسبة حاليا هي لترميم موضعي في غير مكان يمكن ان يشد مفاصل الربط، فلا تتفكك ويذهب معها البلد الى تدهور حتمي كبير تكون العودة منه صعبة جداً.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb – Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*