الرئيسية / home slide / من يخفي رسائل ديزي الأمير لخليل حاوي؟

من يخفي رسائل ديزي الأمير لخليل حاوي؟

 واسيني الأعرج
القدس العربي
09062021

مجتمع مريض، يكره جانبه الأنثوي، لا يستطيع أن يخفي الشيزوفرانيا التي تخترقه. فهو لا يكره الأنثى المستسلمة لسلطان الذكورة، فهي منبع لذته وسطوته عليها، لكنه يمقتها عندما تعلن عن حضورها بالقوة الباطنية التي تملكها، مخترقة قوانين الذكورة المهيمنة التي لا ترى فيها أكثر من كائن يجب أن يعاد إلى «جادة الصواب» كلما خرج عن المسارات التي حددت له سلفاً. من هنا يصبح من الكبائر تجرؤ امرأة على كتابة شيء يظهر حقها في التعبير. كم من رجل كتب عن فتوحاته النسوية واستقبل بالكثير من الفحولة، وكم من امرأة تجرأت على فعل ذلك بالقليل المتاح لها من حرية وكلام، فمرغت على الأرض. من حاسب نجيب محفوظ على تعبيراته الجنسية في رواياته، وماذا فعلت نفس العقلية يوم صدرت رواية «أيام معه» لكوليت خوري، تعرضت لهجوم أخلاقي غير مسبوق، بل إن هناك من جعل من شخصية ريم الشاعرة رديفاً لكوليت، وزياد مقابلاً لنزار قباني. وانتقل الفعل الروائي الفذ إلى مجرد سيرة عشقية ذاتية، بينما جوهر الرواية كان هو رفض الذكورة المقيتة والانتصار للحب والحرية والفن.
حُمِّلت غادة السمان بكل الصفات وهي تنشر رسائل غسان كنفاني، حتى بعد أن صرحت بشكل معلن بأنها لم تجد رسائله، ويجب الحصول عليها من بيت كنفاني أو من غيره من الأصدقاء الذين يحفظونها. حتى حق الشك رفض لها. وجاءت رسائل أنسي الحاج لتجعل من التهمة أمراً ثابتاً، حتى عندما أكدت أنه هو من كتب لها، لكنها تحفظت في الرد عليه.
لا أدري إذا كانت نفس العواصف ستقوم لو نشر كاتب «فحل» رسائل حبيبته حتى مبتورة من رسائله؟ يبدو أن القاصة العراقية الكبيرة ديزي الأمير نجت بالكاد من مهالك الرسائل الأحادية الاتجاه، عندما نشرت مراسلات خليل حاوي لها.
من المؤكد أن غياب رسائل الآخر نقيصة في هذه المراسلات التي كانت متبادلة، غيابها يقلل من مداها التأثيري، ويمكننا أن نناقش طويلاً المسألة من الناحية الأخلاقية، لكن ماذا لو لم تنشر أصلاً هذه الرسائل، واحتفظت غادة السمان وديزي الأمير بحقهما في الحرق؟
لم تكن ديزي الأمير نكرة لتبحث عن شهرة من وراء «فضيحة» الرسائل. فقد كان لها حضورها الكبير في الحقل الأدبي العربي. للتذكير، فقد نشرت ديزي الأمير سبع مجموعات القصصية: «البلد البعيد الذي تحب» (1964) «ثم تعود الموجة» (1969)و«البيت العربي السعيد» (1975) و«في دوامة الحب والكراهية» (1979) و«وعود للبيع» (1981) و«على لائحة الانتظار» (1988) و«جراحة لتجميل الزمن» (1996). ثم اختارت بعدها أن تتوقف عن النشر، وعمرها لم يتجاوز الحادية والستين. فقد رفضت أن تكرر نفسها، كما تقول. وربما كان الإحساس باللاجدوى الذي كثيراً ما يصيب المجتمع الأنثوي، واحداً من أسباب هذا التوقف.
المجتمعات العربية التي كان يجب أن تتقدم، تنحدر كل يوم أكثر، بالخصوص بالنسبة لوضعية المرأة. بالمقابل أيضاً، لم يكن خليل حاوي شاعراً عادياً، كان صوتاً متفرداً، وعاشقاً لديزي الأمير، أمر كان يعرفه كل من عاشوا الحقبة. من المؤكد أن انتحاره جاء من لحظة يأس أوصلها الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في السادس من يونيو سنة 1982، إلى السقف، لكن بنيته الذهنية الشديدة الحساسة كان لها دور في الكثير من ردود فعله وتصرفاته، والرسائل المنشورة خزان مهم لمعرفة هشاشة خليل حاوي الوجودية، التي مست أيضاً علاقته بديزي الأمير، وعدم قدرة الشاعر على اختراع العالم الذي يشتهيه. فقد ظل حالماً بيأس. خلال أزمة «قناة السويس» في مصر في سنة 1956، كتب حاوي رسالة إلى ديزي الأمير بعنوان «الانتحار بداية» تمنى فيها لو كان حاضراً في لبنان ليسهم مع أبناء شعبه في الدفاع عن الحق العربي، ومقاومة الظلم والغطرسة الاستعمارية. «في نفسي ذكريات حلوة تصبغها كآبة ويلفّها يأس مرّ، في نفسي أثرٌ لأحلام كانت تراودني قبل الأزمة وقبل أن أدرك الواقع المرّ في العالم العربي. أما هذا الواقع، كما يبدو لي، فهو أنّي قد أستيقظ في أي صباح لأقرأ في الصحف أن لبنان قد تبخّر، قد حُذِفَ من الخارطة. وهذا الخوف يحتلّ أفكاري أحياناً حتى أنه يمنعني من النوم لياليَ».
تفادت ديزي الأمير وضع اسمها على الكتاب، ونسبته لصاحب الرسائل: «خليل حاوي.. رسائل الحب والحياة» الذي صدر عن دار النضال للنشر في سنة 1987. نتعرف بشكل واضح على قليل من الجزء الحميمي من حياة خليل حاوي وديزي الأمير. من ذلك إخفاق زواجهما. للنميمة في الوسط الثقافي اللبناني والعربي أثرها الحتمي القاسي على علاقتهما. فقد كان خط رحلاتها مستقيماً يتحكم فيه عشق ثلاث مدن هي: بغداد، موطن الذاكرة، وبيروت موطن القلب، ولندن موطن العبور والاستراحات. على الرغم من الهوة الفاصلة بينهما التي جعلتها الأيام تتسع لدرجة الفراق، ظل هذا الحب مقاوماً للموت الذي كان يتهدده في كل ثانية، بسبب البنية الذهنية لخليل حاوي والمحيط الصعب: «من تكونين لي؟ ولِمَ يعتصر قلبي الندمُ على كل كلمة عصبية وعلى كل نظرة قاسية ندّت منّي ووقعت على وجهك الطيّب الحبيب؟ لِمَ هذا الضنُّ المجنونُ بحبّكِ ورضاكِ، ولِمَ تسحقني نزوةٌ تَهمّ بفصم ما بيننا، لِمَ أنتِ أحبّ إليّ من نفسي، ومن تكونين لي؟». مثل طفل كان يغضب، ثم سرعان ما يعود منكسراً نحو حضن المرأة التي أحب لأنها مثل القدر الذي لا يمكن تفاديه: «ولطالما عُدت بعد كل مرة عودة المُذْعِن للقضاء المحتوم، عودة الهالك الراضي بسجنه وجحيمه. وكأن بيني وبينكِ هوّة لا أنا قطعتها ولا أنتِ انجذبت إليها»، لكن ذلك لم يمنعه في التعبير عن كبير حبه لها في الكثير من رسائله: «إن الحبّ يا ديزي، كما علّمني غيابك عنّي، جوع لمن نُحبّ وشبع من الآخرين، إنه التوحيد المطلق يقوم في النفس عفواً وبداهة، لا يفتقر إلى مجاهدة النفس في سبيل العفّة، إنه ترفّع عن الإغراء وتهاون بالفتون، إشاحة عن الملذات العابرة، وأُنسٌ في الوحدة ورضى عن الجوع والظمأ». كان حباً عاصفاً ومتناقضاً، لكنه كان كبيراً، بين قطبي الجنون في الآخر، ومحاولة التخلص من هيمنته.
لكن عين الرقيب كانت تترصد رسائل حاوي المنشورة، وكأنها تعرف مواطن المحو، إذ يبدو أنها كثيراً ما كانت تتدخل وتحذف ما لا تراه مناسباً للنشر، أي أنها هي نفسها لم تنج من مقص الرقابة بسبب الدائرة المجتمعية القبلية المغلقة. يوم سافر خليل حاوي إلى كمبردج، كتب لها رسائل مليئة بالحنين وحزن الغياب المفروض عليهما. ظلت معها، ويوم نشرتها في الكتاب في 1987، حذفت بعض جملها العارية مما أثار غضب أصدقائه؟ حتى شقيقه الناقد إيليا حاوي، عبر عن استيائه من الطريقة التي نشرت بها الرسائل، وهددها بنشر رسائلها هي، فاعتذرت. وقالت إنها نشرتها «خدمة للباحثين الذين هم بحاجة إلى مراجع عند دراستهم لحياة الشاعر، لذلك لم يكن مهماً من هي التي كتب لها». رسائلها إذن موجودة في حوزة أخيه (توفي في 2000)؟ لماذا لم ينشرها بدل تحويلها إلى سكينة للتهديد؟ اعتذار ديزي الأمير يؤكد أن الرسائل محفوظة لدى العائلة. كيف يمكن الوصول إليها؟ لماذا لا تُكوَّن لجنة من كبار المبدعين للحصول على النصوص الغائبة لترميم ذاكرتنا الجمعية في أفقها الأكثر حميمة وإنسانية؟ ثم… ما مصير مذكراتها التي كانت تكتبها في آخر عمرها؟

واسيني الأعرج