من هو المدعي العام الذي سيُدْخِل صاحب مصرف إلى السجن؟

(عن الانترنت)

تنتظر التيارات الإصلاحية في لبنان منذ سنوات طويلة القاضي الذي سيقوم بإدخال أول سياسي بارز إلى السجن. وفيما أضنانا الانتظار ومازال، رغم توفر مناسبات مؤكدة عديدة لفعل ذلك، برزت قضية إصلاحية جديدة هي مدى قدرة القضاء، دائماً مُمَثَّلاً بأحد القضاة من أصحاب الصلاحيّة، على استدعاء صاحب مصرف ما أو مجموعة أصحاب مصارف أمام العدالة للتحقيق في مدى صحة قيامه أو قيامهم بتحويل ثروته أو ثرواتهم للخارج فيما يمتنع أو يمتنعون عن السماح لأصحاب الودائع في مصرفه أو مصارفهم عن القيام بذلك.

بيان نادي القضاة، الجريءكالعادة، وضع أمس الإطارات العامة للجرائم التي يمكن في حال ثبوتها، أن يُدان مسؤولون من القطاعَيْن العام والخاص ومنهم أصحاب المصارف لاسيما في الوضع الفضائحي الراهن وهي فضائحية ذات طابع وطني عام لأنها تصيب معظم الشعب اللبناني.

نحن، كمجتمع، في معضلة. فاستقلالية القضاء مستحيلة في ظل النظام السياسي الراهن. وفي الوقت نفسه لا تحريك مختلفاً للحياة السياسية من دون هذه الاستقلالية.

دعوني أَكُنْ صريحاً:

لا أعتقد أن أيا من المؤسسات الكبيرة المعنية في الدولة، لا رئاسة الجمهورية ولا الحكومة ولا المجلس النيابي ولامجلس القضاء الأعلى، بإمكانها أن تحقِّق استقلالية القضاء منفردة أو مجتمعة، في ظل هذا النظام السياسي.

هل يبقى علينا إذن أن ننتظر قاضياً “انتحاريا” تدفعه الثورة الراهنة التي تقودها نخب الطبقة الوسطى وما تجترحه من كسر للمحرمات، ليخرق الجدار الصلب لهذا النظام السياسي اللبناني في لحظة مؤاتية من تلك اللحظات “الكثيفة بالتاريخ” عندما يختمر الحاضر من دون إعلان فيولِّد التغيير الباهر ولو انطلاقاً من شعلة يصنعها فرد في مكان يتحول إلى مكان مناسب… هل يبقى علينا أن ننتظر هذا القاضي الذي لم يصادف أنه كان مدّعيا عاماً في البرازيل وقاضي تحقيق في إيطاليا وقاضي حكم في أوكرانياوووووو…

المافياوية اليوم في لبنان هي سمة نظام، (ولو يتحارب رؤساء عصاباته) وقضية شعب بكامله كان تقليدياً من أكثر الشعوب العربية رفاهيةً ليجد نفسه وقد استفاق ذات ليلة على حقيقة ضياع مدخراته في الأمكنة التي كان يعتبرها الأكثر أماناً وهي المصارف وليجد أن الكابوس تحول إلى واقع تجاوز مخيلته.لقد خانته المصارف (ومن ورائها نظامٌ سياسيٌ ومصرف مركزي) خانته ذهاباً وإياباً. في الذهاب بكونها لم تصارحه بالخطر على ودائعه لديها في اللحظة المناسبة التي بدأ فيها الدين العام بودائع الناس العاديين يصبح خطراً على هذه الودائع وإياباً باحتجازها للودائع نفسها فكيف عندما يهرب صاحب المصرف بأمواله الخاصة حتى لا تضيع في مصرفه نفسه؟ (لا أسمّي مصارف معينة لأن هذا شأن القضاء!)

ما حدث في إيطاليا، في الواقع، أكبر من مجرد صحوة و شجاعة قاضٍ واحد، فقد تحولت عملية “الأيدي النظيفة” إلى ثورة قضائية أطاحت “الإستابلشمنت” السياسي الذي حكم إيطاليا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.

من أهم ما قدّمته ثورة 17 تشرين الأول إذا لم يكن الأهم، أنها وضعت الطبقة السياسية في منازلها. فلم يعد يجرؤ الكثير من السياسيين إن لم يكن كلهم، على التواجد في أي مكان عام خصوصاً المقاهي والمطاعم. هذا الحجر السياسي سيُسجّل في تاريخ لبنان على أنه علامة فارقة للمرحلة. فكيف لو فُتِحت ملفات أمام القضاء.

سأعيد، عسى الفائدة، ما كتبته في مقالي أمس الأول:

لا قطاع مصرفياً بعد اليوم بالمعنى الذي عرفه لبنان تقريبًا منذ تأسيسه. فهذه الفئة المتميزة من أصحاب الثروات التي تمتلك أسهم المصارف والتي أصبحت أموالها في الخارج الآن سيُسجَّل ذكرُها لدى الجيل المقبل على أنها صاحبة السمعة الأسوأ في تاريخ الجمهورية… جمهورية “لبنان الكبير”. ولم يظهر حتى اليوم أي قطب بارز فيها يطرح الموضوع ويدين هذا السلوك من وجهة نظر وطنية وأخلاقية.

مثل الطبقة السياسية، تشارك الطبقة المصرفية في الجناية. لكنها ترتكب دور ذلك المقنّع المخيف وراء غطاء وجهه الأسود والذي يمسك بحبال المقصلة على شعبٍ بكامله. فلسنا هنا أمام سيّاف يقطع عنق محكوم بالإعدام بل أمام طغمة من السيّافين تنتشر مقصلاتها على مدى أرض الجمهورية الصغيرة المسماة “لبنانَ الكبير”. صار المرور أمام فرع مصرفي مدعاةً ليس فقط للاكتئاب بل للخوف. إنها العلامة التي لا تخطئ على التحالف الرهيب بين السلطة السياسية ورأس المال بأبشع ما تعنيه الكلمة من معنى.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*