من هم هؤلاء الحقيرون المعروفون؟

ميكانيزمات النصب والاحتيال في الدولة اللبنانية كثيفة ومتعددة وقديمة ومتجددة. حسب ما يظهر أكثر فأكثر، فإن حادثة نصب لا بد أن تكون حصلت بين أول الجملة السابقة وآخرها. تجاوز النصبُ الفكرةَ التقليدية عن الفساد. فالتركيبة الفاسدة في مستويات عديدة منها، لا يمكن إحصاء قطاعاتها في مقال سريع واحد ولا في مجلد مقالات. هذا إذا كان بإمكاننا رصدها. لأن مدرسة استنفاذ الدولة كمصدر نهب من جهة، وزبائنية من جهة ثانية تضخمّتا على أيدي الميليشيات ومن انضم بعدها إلى السلطة وبلغتا حدا انهياريا في سياق انحطاطي عام.

غير أن ما ظهر مع فضيحة مبنى تاتش هو أن مستوى الوقاحة في الطبقة السياسية والوحوش المالية المحيطة بها هو أمر ليس فقط لاحدود له ولكن أيضا لا دواء له. من هم هؤلاء الحقيرون الذين يجرأون في زمن عجوزات خطرة جدا في الاقتصاد الوطني، ولا حديث اقتصاديا بل وجوديا إلا عنها بين اللبنانيين، الذين يجرأون على عقد صفقة كهذه الصفقة التاتشية التي يتوزّع فيها سماسرة وشركاء مبالغ بملايين الدولارات في وعاء لا نعرف الحصص الشخصية والسياسية فيه (هناك من يعرف كل شيء) وإنما نعرف أنها موجودة وأنها حتما موجودة.

كيف لا يعلن رؤساء الجمهورية والمجلس والحكومة حالة طوارئ تحقيقاتية أمام صفقة كهذه؟ بل كيف لا يعلنون ومعهم كل رؤساء الأحزاب الأساسية تعليق جميع المناقصات والعقود المؤسساتية في الدولة؟

…….. قد لا تليق بتاريخ أي معلق سياسي هذه السذاجة المطلبية السياسية. أنا لا أطالب. أرمي حبة رمل في محيط بائس ويائس كما فعل قبلي عديدون.

تحدث الآن حتما سرقة أخرى كبيرة في الدولة. بل سرقات. في معامل تُشترى لا حاجة لها، أو لن تُشغَّل، في ملك بحري لا يدفع فيه المستفيد سوى رسوم شكلية، من الشمال إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى الجنوب، ومن الشمال إلى الشمال، في دفع رواتب من دون عمل، رواتب كبيرة وصغيرة، في دفع رواتب من دون استحقاق، في سرقة رمول ومقالع، في توظيف أموال من سرقات سابقة مرت بسلاسة، رغم حجمها الكبير، كما يمر راقص باليه من فرقة بولشوي بين حركتين… لذلك الآن “المحترفون” الكبار يأخذون على التاتشيين لا وقاحتهم وإنما انكشافهم باعتباره خطأً “غير مبرر” في لغة المافيات.

كلما أسمينا حقل لصوصية في الدولة، فاتتنا حقول، وهي كلها حقول ديناميكية الفساد: النفايات، الكهرباء، الماء، التهرب الجمركي، ماء زمزم لو استطاعوا لزوّروها، كما ماء العمادة، يوحنا المعمدان في نهر الأردن.

ما يثير الاستغراب هو كيف لا تعلن السفارات الغربية الكبرى في البلد “كونسورتيوم” ضد هذه الحالة- الحالات. لا يكفي أن تدعمنا اقتصاديا دولهم، كان يجب أن يدين رؤساءُ هذه الدول، وفي المقدمة، الرئيس الفرنسي، الطبقةَ السياسية اللبنانية برمتها.

نعرف أن فرنسا ذات خبرة في التعامل مع بعض الدول الإفريقية المتحلّلة سياسيا وإداريا. لكن حتى هناك، مرة عاد مدير الأمن في ذلك البلد من رحلة في الخارج واعتقل في المطار، مطار بلاده، بتهمة الفساد المالي.

التاتشية لم تكشف ما هو مكشوف فقط، بل فضحت ما بعد السيدرية (مؤتمر سيدر) وكل الزعم الاستنفاري في “الإصلاح”.

إذا كانت “التاتشية” (ولا أعني بذلك الشركة نفسها وإنما صفقة مبناها) أيديولوجيا فساديةً للنظام السياسي، أي في كل حقوله، فأول ما تقوله هو أن هذه طبقة سياسية رغم كل جبروتها طبقة غير مسؤولة بالمعنى الحرفي للكلمة. وحوش مالية بلا رادع.

المهم أن لا تصبح هذه الحملة أيضا موظفة في خدمة مصالح فسادية أخرى… فتنقل المحتجّين على الوحشنة الأخيرة ذات المائة مليون دولار إلى رتبة مغفّلين.

فكرة الوحش المالي لا تكفي كصفة تُطلق على فاسدين. بل “الوحشنة” كبنية سياسية اقتصادية ثقافية هي التي تحتاج إلى مواجهة ليس عندنا، لأن ذلك غير ممكن، بل لدى الجهات المعنية بنا في الغرب: الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة الأميركية، كندا…

هل لنا أن نحلم بأن يُوْلى ملف الفساد الأهميّة التي لملف الإرهاب، فتقوم هذه الدول الغربية بفرض عقوبات على أسماء سياسية وشركائها من كل الطائفيات السياسية تحت تهمة الفساد، فقط الفساد؟ سيعادل ذلك لو حصل نتائج ثورة إصلاحية وربما تغييرية.

وأيها اللصوص الذين تعتقدون أنكم غير مرئيين… أنتم مكشوفون كعراة ولو أنكم محميون.

تفو… عليكم يكررها كل شاب مهاجر هارب من قاعات مطار بيروت..

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*