اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / من هم الفينيقيون فعلاً؟

من هم الفينيقيون فعلاً؟

محمود الزيباوي |الثلاثاء18/01/2022
Almodon.com

ناووس من صيدون، متحف اللوفر.
حلية زجاجية على شكل وجه، وقناع من جبيل.
  • الفينيقيون

  • ناووس احيرام ملك جبيل، متحف بيروت.

اختلف العلماء في التعريف بالفينيقيين، واختلفوا في تقييم دورهم الحضاري في خريطة العالم القديم بشكل كبير، كما تشهد الأبحاث المتتالية الخاصة بهذا الميدان، وآخرها كتاب صدر حديثاً في باريس شارك في وضعه ثلاثة من كبار الأساتذة الأكاديميين الفرنسيين، وعنوانه “الفينيقيون، حضارة متوسطية”.

في العام 1860، عهد نابليون الثالث إلى العالِم إرنست رينان مهمة إعداد تقرير حول المواقع الفينيقية الأثرية في “سوريا الكبرى”. تواصلت أعمال هذه البعثة على مدى سنتين في صور وصيدا وجبيل وأرواد، وصدر التقرير العلمي في العام 1864 في مجلد موسوعي عنوانه “بعثة في فينيقيا”. رأى رينان في تقريره أن الفنون الفينيقية هي أقل فنون العالم القديم أهمية، ووصفها بـ”المفتّتة” و”الهجينة”. ويمكن القول إن هذا الرأي ساد في عالم أهل المختصين بالآثار منذ ذلك التاريخ إلى النصف الأول من القرن العشرين.

تغيّرت الصورة مع بروز كوكبة من الباحثين في هذا الحقل، أشهرهم العالم ساباتينو موسكاتي، وهو إيطالي من الطائفة اليهودية، وُلد في روما في العام 1922، ودرس في “المعهد البابوي للكتاب المقدس”، وتخرّج فيه في العام 1949، ثم اتّجه إلى دارسة التاريخ الإسلامي قبل أن ينتقل إلى دراسة التاريخ الفينيقي، ولمع في هذا الحقل، فأنشأ في 1969 “معهد الحضارة الفينيقية والبونيقية”، واستكشف آثار هذه الحضارة في عوالم البونيقيين، والبونيقيون كما هو معروف، هم من الشعوب التي عاشت في غرب البحر الأبيض المتوسط، يعود أصلها إلى الفينيقيين، وهم سكان قرطاج القديمة والمستعمرات التابعة لها في شمال أفريقيا، كما في غرب صقلية، وجنوب سردينيا، وجنوب اسبانيا، وكانت لهم لهجة خاصة متفرعة من الفينيقية، هي البونية. نشر موسكاتي سلسلة طويلة من الأبحاث، وأشرف على تنظيم معرض خاص بالحضارة الفينيقية أُقيم في قصر غراسي في البندقية في العام 1988. حصد هذا المعرض نجاحاً كبيراً، واستقطب أكثر من 750 ألف زائر، وجاء بمثابة إعادة الاعتبار إلى هذه الحضارة المتوسطية.

سلسلة من الممالك الصغيرة
توالت الدراسات الفينيقية في العقود الأخيرة، ويُعتبر كتاب “الفينيقيون، حضارة متوسطية” خلاصة لهذه الأبحاث، وهو من وضع ثلاثة أساتذة من جامعة تولوز، كورين يوني وإيلودي غيون وفابيو بورزيا. يحوي هذا الكتاب ستة فصول يتقسم كل منها إلى أبواب عديدة. يأتي عنوان الفصل الأول بصيغة السؤال: “من كان الفينيقيون؟ شعب، وطن؟” لا يرد اسم “الفينيقيين” في أي أثر من الآثار الخاصة بصانعي هذه الحضارة، بل من الميراث اليوناني القديم. الفينيقيون، الاسم مشتق من كلمة تعني اللون الأحمر باليونانية، وقد تعدّدت الآراء في تفسير هذه التسمية، فثمّة من ربطها بصناعة صباغ الأرجوان الذي اشتهرت به هذه المدن الساحلية، وثمة من قال بأن أهل هذه المدن البحرية عُرفوا بهذا الاسم بسبب بشرتهم التي جعلتها الشمس بلون البرونز. ونجد رأيا ثالثا يربط بين هذا الاسم وبين الحميريين الذين قدموا قديما من الجزيرة العربية وقطنوا في بقعة من الأرض تقع بين البحر الأبيض المتوسط وجبال لبنان، وجذر هذا الاسم كلمة “حمر” التي تشير بالعربية إلى اللون الأحمر. تتقاطع هذه القراءة مع بعض المصادر القديمة، ومها تأكيد المؤرخ هيرودوتس أن الفينيقيين سكنوا شواطئ البحر الأحمر “كما قالوا بأنفسهم، لكنهم انتقلوا إلى شواطئ سوريا، واستقروا فيها، وهذا الجزء من سوريا، مع كل البلاد التي تمتد حتى حدود مصر، يُسمّى فلسطين”.

نجح الأباتي جان جاك بارتليمي في فك رموز الأبجدية الفينيقية في العام 1758، وبات بإمكان البحاثة التعرّف إلى الميراث الفينيقي من خلال الآثار الخاصة به، وليس من خلال الشواهد اليونانية الخارجية، ولا نجد في ما وصلنا من نقوش خاصة بهذا الميراث إي ذكر لاسم فينيقيا. وكأنّ الفينيقيين اكتفوا بالتعريف بأنفسهم بحسب اسماء ممالكهم، فهم “الصوريون” و”الصيداويون” و”الجبيليون” فحسب، وليس لهم كنية جامعة. من هنا يبدو العالم الفينيقي اشبه بسلسلة من الممالك الصغيرة تتبع سياسة لا مركزية دون أي اتحاد رابط، بخلاف الأمم المعاصرة لها. وقد حظيت هذه الممالك في عهودها الذهبية باستقلال ذاتي في ظل وصاية الأمبراطوريات الكبرى التي برزت وتبدّلت بين حقبة وأخرى. برزت هذه الممالك كموانئ كبيرة في خريطة العالم المتوسطي الكبير، وامتدّت مساحتها من جبلة في ميدان أرواد، إلى عسقلان، أي المجدل، أقدم مدن فلسطين التاريخية، وضمّت عمريت، تل كزل، تل عرقا، طرابلس، جبيل، بيروت، صيدون، الصرفند، صور، أم العمد، الزيب، عكا، تل كيسان، تل دور (خربة البرج). بلغ شعاع هذه الممالك قبرص والأناضول، كما بلغ نواحي عديدة في غرب البحر الأبيض المتوسط، وصولا إلى صقلية وسردينيا وشبه جزيرة إيبيريا (اسبانيا)، وبات من الصعب تحديد خريطة واحدة ثابتة لعالم فينيقيا الكبرى.

تحدث اليونانيون عن مهارة الفينيقيين في الإبحار والملاحة والتجارة وجني الأرباح، ووصفوهم بالماكرين والمخادعين، كما اتهموهم بالقرصنة وخطف الأناس بغرض الاتجار بهم كرقيق، وكرّس هوميروس هذه الصورة في النشيد الخامس عشر من الأوديسة، وفيه حديث عن “سفينة فينيقية محملة بالطرف والتحف وبلعب الأطفال”. غدت هذه الصورة من المسلّمات التي تردّد صداها في الكثير من الأدبيات الغربيّة القديمة، وبدت مرادفة لفينيقيا في الميراث اليوناني ومن بعده الروماني. تتقاطع هذه الصورة مع ما جاء في أسفار الأنبياء الكبار في التوراة، وتشهد بشكل جلي للدرجة العالية التي بلغها الفينيقيون في نقل البضائع والاتجار بها على أوسع نطاق طمعا بأكبر الأرباح، وقد أنشأوا بقعاً لهذا الغرض في أماكن عديدة، أصبح بعضها مراكز ذات شأن كبير، وجعل هذا التوسّع منهم أسياد البحر الذي يتوسط قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهو في الكتاب المقدّس “البحر الكبير” (عدد 34: 6)، و”البحر العظيم” (يشوع 23، 4). يستعيد الفصل الثاني من الكتاب حقبات هذا التاريخ وتحوّلاته في ظل السيادة المصرية، ثم السيطرة الأشورية، وبعدها القيد البابلي. تعايشت الممالك الفينيقية مع هذه السلطات، ثم خضعت لحكم الأمبراطورية الفارسية وعاشت في زمنها عهدها الذهبي الأخير، قبل أن تضمحل في الزمن الهيلينستي وتنقرض في الزمن الروماني.

في الفصل الثالث، تتحدّد أجزاء الفسيفساء الفينيقية بممالكها المختلفة. نتعرّف إلى فينيقيا الشمالية التي تضم أرواد وفيديراليتها، ثم طرابلس ونواحيها. ثم نتعرّف إلى فينيقيا الوسطى التي تضم جبل لبنان والبقاع وجبيل وبيروت. وتليها فينيقيا الجنوبية، وتضم صيدا والصرفند، ثم صور وضواحيها، وبعدها الزيب وعكّا والمدن القائمة في جنوب الكرمل. لم تتوحّد هذه العوالم الفينيقية بتاتاً، غير أنها أقامت شراكة اقتصادية بين البحر والجبل، وتجلّت هذه الشراكة في ميادين عديدة. برع الفينيقيون في الزراعة والصيد، كما تفوقوا في التجارة، وعُرفوا بصناعاتها الحرفية المختلفة. وتمدّد حضورهم في العالم المتوسطي، فدخل العمق السوري والفلسطيني وبلغ بلاد ما بين النهرين، وبلغ الأناضول ومصر، وحضر بقوّة في قبرص، وعبر بحر إيجيه وصولا إلى قرطاج وأفريقيا الشمالية، ومنها إلى جزيرتي صقلية وسردينيا  وشبه جزيرة إيبيريا.

الإرث الأدبي الضائع
خُصّص الفصل الخامس للإرث الفينيقي الديني والأدبي، وهو الإرث التي تبقى شواهده قليلة للأسف. في الذاكرة الأدبية الغربية، يرتبط الفينيقيون بالأبجدية الفينيقية، وترتبط هذه الأبجدية بحكاية أوروبا ابنة الملك الفينيقي أجينور التي استعادها مراراً رواة التراث القديم. هام سيّد الآلهة زيوس بأوروبا فاستحال ثوراً أبيض واختطفها إلى كريت، فتعقّبه أخوها قدموس ليستردّها، منتقلا من شاطئ الى آخر، مؤسسا في رحلته الطويلة مدناً نشر فيها الأبجدية الفينيقية. اعترف علماء وأدباء اليونان بفضل الفينيقيين في ابتداع أبجدية الكتابة الهجائية رغم نظرتهم “العدائية” تجاههم، ويختصر الموسوعي الروماني بلينيوس القديم هذه المقولة بعبارته الأثيرة: “كان للشعب الفينيقي الشرف الكبير باختراع أحرف الأبجدية”. تثبت الدراسات الحديثة أن الكتابة الهجائية أُخذت عن الكتابة الهيروغليفية، وقد استخدمها الساميّون الذين كانوا يعملون في المناجم في سيناء، وأبلغ دليل على ذلك الوثائق الكتابية التي اكتشفها فيلندرز بيتري في العام 1905، والتي تعود إلى نحو العام 1800 قبل الميلاد. أدخل الفينيقيون تحسينات كثيرة على هذه الكتابة الهجائية، وابتكروا نظاما تميّز بسهولته، اعتمده من بعدهم اليونان والرومان وغيرهم من الشعوب.

تعرّف العلماء إلى الكتابة الفينيقية عبر نقوش عديدة وصلتنا من مواقع فينيقية عديدة، واللافت أن هذه الكتابات هي في مجملها رسائل ووثائق “قانونية”، فمنها ما هو “إداري” ومنها ما هو “تجاري”، ممّا يوحي بأن الفينيقيين لم يتركوا “أدبا” فينيقيا، بخلاف الشعوب التي عاصرتهم. سادت هذه المقولة طويلاً، ويجنح بعض الخبراء إلى رفضها بشكل جذري اليوم. وبحسب هؤلاء الخبراء، لم يعتمد الفينيقيون الكتابة المسمارية، بل الكتابة على أوراق البردي، وتُلفت هذه الأوراق، بخلاف ما حدث في مصر، بسب المناخ المتوسّطي الذي قضى عليها ولم يبق منها أثر، وهكذا ضاعت آداب “شعب الأبجدية”.

نصل إلى الفصل الأخير، وهو الفصل المخصّص للفنون الفينيقية التي اعتمدت أساليب متعددة في النحت والنقش، منها ما هو مصري، ومنها ما هو يوناني الطابع، مما يشهد لـ”هلينة” فنية سبقت عصر فتح الإسكندر الذي شكّل نهاية الفينيقيين. جمع الحرفيون بين المفردات الإيقونوغرافية المصرية والرافدية والفارسية والمتوسطية، وشكّلت فنونهم بعناصرها التصويرية والزخرفية وجها آخر من وجوه هذه “الانتقائية” التي وصفها إرنست رينان بـ”التفتتيّة”. واليوم، يرى البعض في هذه “الانتقائية” تعبيراً عن “العولمة” التي سادت في العالم المتوسطي القديم. تعكس هذه “العولمة” القديمة تجربة الفينيقيين التي قامت على التبادل التجاري والثقافي، كما انها تحمل طابعا “عصرياً” يماثل ما نراه في العديد من فنون ما بعد الحداثة.