اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / من مذكّرات جولييت المير سعادة زوجة “الزعيم”… ريجينا صفير تكتب عن “ضياء في ظلمات المشرق”

من مذكّرات جولييت المير سعادة زوجة “الزعيم”… ريجينا صفير تكتب عن “ضياء في ظلمات المشرق”

15-04-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

من مذكّرات جولييت المير سعادة.

محمود شريح

ريجينا صنيفر في روايتها قصّة حياة #جولييت المير، قرينة #أنطون سعادة، مؤسّس الحزب السوري القومي الاجتماعي ومشرّعه وواضع دستوره، والدة صفيّة وإليسار وراغدة، الأمينة الأولى في الحزب، رفيقة زوجها في نضالِه على مدى عقد، من بونس آيرس إلى بيروت، ومكملة دربه إثرَ إعدامه، وناهضة بالحزب من دمشق، حرّة طليقة، وفي سجنها (1955-1963)، أسيرة مكبّلة، ثمّ إلى النشاط الحزبي من جديد في الوطن والمهجر حتى وفاتها في بيروت (1976)، تعيدُ إلى هذه المرأة، الخالدة في تاريخ سوريّة الحديثة وبلاد الشام عامّة، مجدَها ورونقَها وأصالتَها، في دفاعها عن سعادة وعقيدتِه، وتردُّ إليها رتبتَها الحقّة في الحزب القومي، فها هي ريجينا صنيفر في جديدها المُبارك ضياء في ظلمات المشرق: من مذكّرات جولييت المير سعادة (بيروت: الفرات للنشر والتوزيع، 2022) تقصُّ في 365 صفحة من القطع الكبير، مرفقة مع صُوَر عن الزعيم والأمينة الأولى بدءاً من 1930 حتى 1967، تتخلّلها لقطات لهما ولصفيّة وإليسار، ولرفاق لهما، مع فهرس أعلام وفهرس، فجاء كتاب ريجينا صنيفر بالاعتماد على مذكرات جولييت المير سعادة، ومرتكزاً عليها وعلى تسلسل أحداث بلاد الشام، جامعاً مانعاً، ومصدراً يُؤسّس عليه.

ضياء هو الاسم الذي اختاره سعادة في مخاطبة جولييت في رسائله إليها بداية معرفته بها في بيونس آيرس في العام 1940، فلا عجب من هذا العنوان الصائب الذي وضعته ريجينا صنيفر لنسخة كتابها بالعربية مُترجماً عن الفرنسيّة وكانت أصدرته أصلاً في باريس، وها هو اليوم في عربيّة أمينة للنصّ الأصلي وفي قماشة أنيقة أُضيفتْ إليها صُورٌ نادرة، ويَظهر بعضُها هنا للمرّة الأُولى.

في مقدّمتها إلى ضياء في ظلمات الشرق توجز سيرة مؤلَّفِها وتحدّد موقعه، فيما تلحّ على أنّ القدَر الذي كُتب للزوجين سعادة هو القدَر نفسه الذي يلخّص مأساة سورية الكبرى، وهو قدَرٌ ربطَ مصير جولييت المير بحلم سورية الكبرى، فدافعتْ عنه وحافظتْ عليه أثناء غياب زوجها إثر شهادته في سبيل وحدةِ بلادِ الشام وإرساء دولتِه العَلْمانيّة بين قرني الهلال الخصيب من غزّة على المتوسّط إلى البصرة على شطّ العرب. وفي روايتها قصّة حياة جولييت المير سعادة فإنّما ريجينا صنيفر تؤرّخُ سيرةَ التقلّبات السياسيّة والانقلابات العسكريّة في سورية الحديثة وانعكاسها على لبنان حيث نشأت الأمينة الأولى في طرابلس وحيث وُلد زوجها في الشوير، ولعلّ هذه السيرة لهي الأكثرُ مأساويةً والأشدّ رُعباً في تاريخ بلاد الشام في النصف الثاني من القرن العشرين.

وُلدت جولييت المير في الأرجنتين (1909) قبل عودتها في شهرها الثاني إلى طرابلس مسقط أهلها لتمضيَ هناك عقداً ثم الهجرة ثانيةً إلى بونس آيرس مع والدتها حنّة ومع شقيقتها ديانة وشقيقتها كتالينا ليلتحقوا جميعاً بوالدهم عبده. وهناك شاركتْ جولييت أخاها في العمل قبل أن تلتحق بمدرسة التمريض في 1930 وتمتهنها في المستشفى الإنجليزي في بونس آيرس حتى انخراطها في الحزب السوري القومي الاجتماعي بدءاً من 1939 على يد مؤسِّسه ثم زواجها منه في 1940 ومساعدته في اجتماعاته وإصدار صحيفته الزوبعة، فكانت هذه جسراً ثقافيّاً وفكريّاً يصل المهاجرين بسورية. ورغم شظف العيش وصعوبات الغربة كافحَ الزوجان، وهناك ولدت لهما صفيّة وإليسار، فيما بقي حلم العودة إلى الوطن يراود الزعيم، فهيّأ نفسَه ووصلَ إلى بيروت عبر القاهرة يوم 2 آذار 1947 فألقى رأساً إثر وصوله خطابَه الشهير من شرفة نعمة تابت في الغبيري مُحاطاً برفاقه التاريخيين مُعلناً ثورته على النظام الطائفي وضمّ العراق إلى دول الهلال الخصيب وتأكيده على أن فلسطين مسألة شاميّة في الصميم كما هي مسألة لبنانية في الصميم.

رأساً إثر خطاب سعادة التاريخي بعد غياب عقد في المنفى القسري صدرتْ بحقّه مذكّرة اعتقال فلجأ إلى الجبال بدءاً من بشامون وصولاً إلى الشوير فاتخذها قاعدة لحزبه ومنارةً لفكره ثم انضمّت إليه هناك جولييت وصفية وإليسار وفي صيف 1948 ولدت لهما راغدة إثر انتقالهما إلى سكنهما في رأس بيروت على مطلّ من الجامعة الأميركية. وكانت محاضراته العشر لإعادة ندوته الثقافية التي شرّعها قبل نفيه في 1938 ونشط في ترتيب الشأن الحزبي وأنشأ صحيفته الجيل الجديد ونقل مطبعتَها إلى الجميزة وكانت حادثتها الشهيرة فانتقل سرّاً إلى دمشق في حزيران 1949 ومن هناك أعلن الثورة الاجتماعية الأولى في 4 تموز ولما انكفأتْ سلّمتْه الحكومة الشاميّة إلى السلطة اللبنانيّة وكانت شهادته فجرَ 4 تمّوز صفحة فارقة في تاريخ الأُمّة السورية لما انطوتْ عليه من وقفةِ عزٍّ مشرّفة أشرقتْ أنوارها على دولِ الهلالِ الخصيب ولم تزلْ حتى الساعة.

بعد إعدام سعادة أمسكتْ الأمينة الأولى بزمامِ الأمور بمعاونة رفاقها في الحزب، من بيروت ودمشق، فأقامتْ في دمشق وزارتْ ريفَها ومدنَ سورية من أقصاها إلى أقصاها، جبلاً وساحلاً، فلقيتْ كلّ ترحيب من الصغير والكبير، إلى أن كانتْ حادثة اغتيال المالكي في نيسان 1955 واتهام الحزب بتدبيرها فأُلقيت جولييت سعادة في غياهب السجن مع رفيقاتها، وفيهن خالدة سعيد، زوجة أدونيس، وإحالتهن على المحكمة العسكرية، فأمضتْ عقداً في الأسرِ ثم أُطلقَ سراحُها بإذن رئاسي خاص. كل تفاصيل حياة الأمينة الأُولى في السجن ترويها ريجينا صنيفر بدقَّة وإتقان فإذا بنا حقاً أمام مشاهد ظلم هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. بعد عقد من السجن خرجتْ جولييت المير إلى الحريّة. قضتْ يومين مع صفيّة وإليسار وراغدة في دمشق ومنها انتقلتْ مع إليسار إلى پاريس ثم استقرت معها ومع زوجها فؤاد الشمالي في جنيڤ. وفي 1965 غادرت إلى غانا وهناك دوّنت مذكّراتها وحين عادتْ إلى جنيڤ أودعتْ مذكراتها في خزنةِ أحدِ المصارفِ هناك. عادتْ إلى بيروت في 1970 وفيها توفّت ودُفنت في مقبرة مار الياس بطينا إلى جانت صرح الزعيم تكلّلهما الزوبعة.

بعد سبعة وعشرين عاماً كشفتْ بناتُها عن مذكّراتها ونشرتها عام 2003.

وها هي ريجينا صنيفر الآن تحيي هذه المذكّرات رواية حيّة بالفرنسية أولاً ثم بالعربية مترجمة عن الفرنسية هي قصّة الأمينة الأولى في الحزب السوري القومي الاجتماعي من مولدِها حتى وفاتها، وتاريخ نضالها وعلى مدى خمسة عقود في سبيل بلاد الشام وأهلها لتبقى قدوة تُحتذى ورمزاً خالداً في سورية الحديثة.