الرئيسية / home slide / من محفوظ إلى رشدي… سكين واحدة وطعنات متعددة

من محفوظ إلى رشدي… سكين واحدة وطعنات متعددة

 

صادق الطائي
القدس العربي
22082022

تعددت ردود الفعل على خبر الهجوم على الكاتب سلمان رشدي، فبينما تضامنت أغلب دول العالم الغربي مع الضحية، وأدانت الاعتداء، نجد مواقع إيرانية رسمية رحبت، أو أعلنت عن ارتياحها للخبر، بينما تنوعت المواقف العربية بين شجب خجول، وترحيب موارب، ولا مبالاة سادت أغلب المواقف.
ما أن أذيع خبر تعرض الكاتب والروائي الهندي الأصل سلمان رشدي، لحادثة طعن حتى تبادر إلى الاذهان ما حصل مع الكاتب المصري نجيب محفوظ، نتيجة التشابه الكبير بين الحادثين من ناحية التنفيذ، وطبيعة المنفذ، وسبب الاعتداء. فسلمان رشدي البالغ من العمر75 عاما تعرض للهجوم يوم 13 آب/اغسطس الجاري، من قبل شاب أمريكي من أصل لبناني في مركز ثقافي في تشوتوكوا في ولاية نيويورك، حيث كان رشدي مستعدا لإلقاء محاضرة عن الإبداع والحرية.
هادي مطر الشاب المهاجم الذي يبلغ من العمر 24 عاما طعن رشدي عشر طعنات خطيرة نقل على إثرها إلى المستشفى. لم يمت رشدي من الاعتداء، لكنه حسب وكيل أعماله أندرو ويلي سيعاني من أوضاع صحية خطيرة، إذ قال ويلي إن رشدي قد وضع بعد الاعتداء على جهاز التنفس الصناعي، وقد يفقد إحدى عينيه بعد أن أصيب في ذراعه وكبده أثناء الهجوم. أما حادث طعن نجيب محفوظ فقد نفذه الشاب محمد ناجي يعاونه شاب آخر يوم 14 تشرين الأول/أكتوبر 1995، إذ تعرض محفوظ البالغ من العمر 84 عاما حينذاك أمام منزله في القاهرة للطعن بسكين في عنقه، بسبب اتهامه بالكفر والخروج عن الملة، بناء على ما ورد في روايته المثيرة للجدل «أولاد حارتنا»، ولم يمت نجيب محفوظ نتيجة الاعتداء، ولكن أعصاب الطرف الأيمن العلوي من الرقبة تضررت بشدة إثر حادث الطعن. دوافع الاعتداء في الحادثين متشابهة، أو تكاد تكون متطابقة، فنجيب محفوظ كتب روايته «أولاد حارتنا» عام 1957، ونشرت في حلقات في جريدة «الأهرام» القاهرية، لكن الضجة أثيرت حول ما ورد فيها، وما اعتبر هجوما على الذات الإلهية، وقد هاجم عدد من رجال الدين في مصر من الأزهر ومن خارجه، محفوظ حتى تم تكفيره بفتوى الشيخ عمر عبد الرحمن، كما أدى الهجوم على الرواية إلى منع طباعتها في مصر، وبقيت الطبعة الوحيدة المتداولة للرواية هي طبعة دار الآداب الصادرة عام 1962 التي منعت من الدخول إلى مصر، حتى طبعتها دار الشروق الطبعة المصرية الأولى عام 2006. ودافع الاعتداء على سلمان رشدي هو تكفيره نتيجة كتابته روايته الأشهر «آيات شيطانية»، التي ورد فيها مقطع سخر فيه الكاتب من النبي محمد (ص)، وذكر فيها مقطعا مسيئا لزوجات الرسول. وقد أصدر آية الله الخميني عام 1989 فتوى كفّر فيها سلمان رشدي وأهدر دمه، وخصصت الجمهورية الإسلامية في إيران مكافأة مقدارها 3 ملايين دولار لمن يقتل رشدي، ما دفعه إلى العيش متخفيا لسنوات طويلة، كما أن فتوى الخميني دعت إلى قتل أي شخص يتورط في نشر كتاب رشدي «آيات شيطانية»، لذلك تعرض المترجم الياباني للرواية هيتوشي إيغاراشي عام 1991 للطعن حتى الموت خارج مكتبه في جامعة تسوكوبا، كما تعرض المترجم الإيطالي للكتاب إيتوري كابريولو للطعن في منزله في ميلانو، لكنه نجا من الموت.

فتاوى تبقى في نوع من الكمون سنوات طويلة، ثم تشهر فجأة لينفذها شاب مغرر به، دفع لسبب ما لتنفيذ عمله الإرهابي

إذن تقف وراء الاعتداءين على الكاتبين، فتاوى أصدرها رجال دين أهدروا دم المبدعين اللذين تم تكفيرهما نتيجة أفكارهما التي أورداها في أعمالهما الإبداعية. والمخيف في الأمر أن مثل هذه الفتاوى تبقى في نوع من الكمون سنوات طويلة، ثم تشهر فجأة لينفذها شاب مغرر به، دفع لسبب ما لتنفيذ عمله الإرهابي. فبين إصدار رواية «أولاد حارتنا»عام 1957 والاعتداء على محفوظ عام 1995، ثمانية وثلاثون عاما، وقد ذكر الشاب المدان محمد ناجي في محاضر التحقيق، أنه انتمى إلى الجماعة الإسلامية قبل أربع سنوات من تنفيذه الهجوم، وكان يعمل فني تصليح أجهزة كهربائية، محدود التعليم، وقليل المعرفة والوعي، أمره أمير الجماعة التي ينتمي لها بتنفيذ ما سماه «حد الله» في الكاتب نجيب محفوظ، بناء على فتوى التكفير والردة التي أصدرها في وقت سابق الشيخ المتشدد عمر عبد الرحمن. أما سلمان رشدي فقد نشر روايته «آيات شيطانية» عام 1988 باللغة الإنكليزية، وبعد مرور أربعة وثلاثين عاما تعرض لمحاولة القتل على يد الشاب الأمريكي من أصل لبناني هادي مطر، وهو شاب فشل في إكمال دراسته، وفشل في الحصول على وظيفة مستقرة، وقد زار قبل مدة قصيرة والده المنفصل عن والدته، الذي يعيش في لبنان، وعاد من الزيارة وقد تغير سلوكه حسب المعلومات التي أوردتها والدته، حيث أصبح أكثر انعزالية ويعيش في قبو منزل والدته ولا يخرج إلا قليلا، لكنه في التحقيق نفى أي تأثير لفتوى الخميني على دفعه لتنفيذ محاولة قتل رشدي، والظاهر أن هذا الكلام الذي قاله المتهم في التحقيق جاء بناء على نصيحة محاميه، كما أورد مطر في التحقيق أسبابا غير منطقية لقيامه بفعلته مثل قوله: «لا أستلطفه كثيرا! وأضاف «إنه شخص هاجم الإسلام، ومعتقداته، ونظامه الإيماني»، مشيرا إلى أنه تابع مقاطع فيديو لرشدي عبر يوتيوب، ونفى أي اتصال بالحرس الثوري الإيراني في زيارته الأخيرة للبنان. ومن المفارقات أن منفذي الهجومين في حادثتي الاعتداء على محفوظ ورشدي لم يطلعا على ما يفترض أنه سبب تكفير ضحيتيهما، فمحمد ناجي قال في التحقيق، إنه لم يقرأ رواية «أولاد حارتنا»، لكنه كان جنديا مطيعا في جماعته الإسلامية المتشددة، وعليه طاعة أوامر أميرها الذي أمره بتنفيذ الاعتداء، كذلك كان حال هادي مطر الذي ذكر في التحقيق معه: «أنا أحترم آية الله الخميني، وأعتقد أنه شخص رائع، هذا ما أقدر على قوله عن ذلك»، وأشار إلى أنه «قرأ صفحتين فقط من رواية رشدي المثيرة للجدل.»
ومن الأمور المثيرة التي تجدر الإشارة إليها في الختام أن الجهات الرسمية الإيرانية كانت قد حاولت سابقا الإعلان عن زوال خطر فتوى الخميني، التي هددت حياة سلمان رشدي، وكان الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، قد أعلن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك عام 1998 أن قضية رشدي «انتهت تماما». كما أعلن وزير الخارجية كمال خرازي آنذاك أن إيران لن تهدد حياة الكاتب، أو تشجع الآخرين على قتله. وأدت تلك التصريحات إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية بين لندن وطهران، التي قطعتها بريطانيا في ما بعد، كما دفعت رشدي إلى الخروج من حالة الاختباء، لكن يبدو أن سيف الفتوى يبقى مشرعا لسنوات طويلة، وإن هذا النوع من الفتاوى يمكن أن يستخدمها متشددون حتى بعد مدة طويلة من صدورها، وهذا ما كان عندما تم إحياء الفتوى بعد تصريحات خاتمي بسنوات، ففي عام 2012 ومع أزمة الفيلم المسيء للرسول انتهزت جهات متشددة في إيران فرصة الغضب الإسلامي الواسع لإحياء تهديدها بقتل سلمان رشدي بزيادتها مبلغ 500 ألف دولار للجائزة التي رصدتها لمن ينفذ جريمة القتل. ونقلت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية في تقرير لها أن حسن صانعي رئيس مؤسسة «15 خرداد»، وهي واحدة من المؤسسات الثورية في جمهورية إيران الإسلامية قال، إن هذا الفيلم لم يكن ليظهر لو أن الفتوى التي أصدرها الإمام الخميني بقتل رشدي تم تنفيذها. ومن المستبعد أن يكون صانعي قد قرر زيادة مكافأة قتل رشدي بمفرده ومن دون موافقة المرشد الأعلى علي خامنئي. ورغم ما بدا مؤخرا من أنه تخفيف لمقاربة إيران للفتوى ضد سلمان رشدي إلا أن المرشد علي خامنئي جدد التأكيد على فتوى الخميني، التي تأمر بإهدار دم رشدي، ففي شباط/فبراير 2017، سُئل علي خامنئي على الموقع الرسمي للمرشد الأعلى عما إذا كانت «الفتوى ضد سلمان رشدي ما زالت سارية؟»، وجاء رده على ذلك بالقول: «المرسوم باق كما أصدره الإمام الخميني».
كاتب عراقي