الرئيسية / home slide / من مار مخايل إلى مار سمعان العمودي

من مار مخايل إلى مار سمعان العمودي

ماكرون يجول في الجميزة (أ ف ب).

رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ

وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا

سورة البقرة

متن الحدث يملي عليَّ قبل الدخول إلى متن الحديث، أن أشكر الله أن ديكَ النهار لا يزالُ يصيح أعلى من صوت الانفجار الذي كثَّفَ خمسة عشر عامًا من هيمنتهم في لحظة لن ينساها التاريخ، حين دمَّرَت سحابة الفطر النووي أو الأمونياكي العاصمة وهم معتصمون بحبل الحكم، وزلزلتِ الدولة وهم ممسكون بخناقها، فمتى يرعوون ويسمعون ويرحلون؟

وأشير أيضاً إلى أنَّه في الرابع من آب عام 1982، بتعليمات من رفيق الحريري، بدأ الفضل شلق بإزالة المتاريس من بيروت تمهيدًا لإعمارها، وفي اليوم نفسه من العام 2020 قبيل صدور الحكم في قضية الاغتيال تدمرت بيروت مرة أخرى فمن لها برفيق ثانٍ يعيدها ثانية؟!

لقائل أن يقول إن ذلكَ يستدعي تدخلًا عجائبيًّا من الملائكة والقديسين، وأولهم رئيس الملائكة ميخائيل الذي دخل في عقائد الأجيال أنه ملاك الرحمة النازلة من السماء. وللقائل نفسِه أن يذكِّرَ بأنَّ الموقع الجغرافي بين محورَي الشياح وعين الرمانة، شاءَ لمار مخايل نفسِه أن يكونَ مضيفًا، وشاهدًا على اتفاق السادس من شباط من العام 2006 بين السيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون. فصار البيان المعلن حينذاك، أصلبَ وثيقة سياسية وُقِّعَت منذ اندلاع الحروب في لبنان، لأنَّها اكتسبت صمودها من مرونة صياغتها، وقابليتها للتأويل، ومتانة المصالح العميقة المتبادلة التي أوجبت حصولها رغم تضاد المعتقدات والسلوك بين الطرفين.

والحقيقةُ أنَّ المثال الأوضح للبراغماتية السياسية يتجسد في ذلك الاتفاق، الذي ضرب فيه الطرفان صفحًا، بل تعاميَا عن المقولات الخلافية كولاية الفقيه والدولة الإسلامية وهزيمة أمريكا، وعن شعارات التيار ضد الوجود السوري والسلاح غير الشرعي، وضرورة احتكار الدولة للقوة المسلحة، وما إلى ذلك من ادعاء أبوَّة القرار 1559، وتحريض أمريكا على المحور السوري الإيراني. ذلك أن رجلين حاذقين ماهرين قادرين على التحكم المطلق بجماهيرهما، التقيا عند محور بقطبَين: عدم تعرية رأس المقاومة الإسلامية من التغطية المسيحية، ووصول الجنرال عون إلى رئاسة الجمهورية. هكذا برعاية ملائكية، تمَّ العبور السريع الآمن فوق النقاط “العقائدية” المتعاكسة، وطغت المصالح على السطح بأوضح تجلياتها. وغداة حرب تموز كان الاختبار الخطير، فأثبت الجنرال عون قدرته على ترويض الجماهير بخطاب واحد طوَّقَ به عنقَ الحزب بدينٍ ظل وفيًّا له حتى الإنجاز الكامل، ولو فوق مساحة طويلة من التعطيل والأزمات السياسية والاقتصادية وتدهور العلاقات العربية والدولية؛ بل إن العماد عون استطاع أن يُزَيِّنَ لجمهوره صوابية تدخل الحزب في الحرب السورية بذريعة الدفاع عن لبنان ضد الأصولية والداعشية، وأن يبرر تصالحه مع النظام السوري بحجَّةِ أنَّ خروج الجيش السوري من لبنان جعل الخلاف ساقطًا بسقوط سببه. من هنا، لم يعد جائزًا لأيٍّ كان اعتمادُ المرجعية الفكرية والشعارات الرنانة، لمحاسبة التيار الوطني على سلوكه ومواقفه، فإنَّ قيادته بَينَّت للأعمى والبصير، أن كلَّ عقبة كأداء، عقائدية أو سياسية أو عاطفية، تتهاوى أمام الهدف الواضح: إحراز الرئاسة. حتى خطابُ القسم ذاته ستبهت معانيه سريعًا، وتتلاشى بنوده تحت عوامل الإهمال والتناسي والانشغال بتهيئة الظروف لاستمرارية لا بد منها برأيهم، بُغْيَةَ إنجاز ما تبقى، أو… الإجهاز على ما تبقى.

بعد مرور أربعة عشر عامًا على صمود ذلك التفاهم، تكاثرت الأحمال فوق ظهره، وراح التململ يظهر فترةً ثمَّ يخبو بين الطرفين، ذلك أن المساحة المريحة التي رَتَعَا فيها، أخذت تضيق بفعل تملص المحور من حلفائه الاضطراريين، فأدَّى الأمر إلى الانكشاف الكلي وسَهُلَ على بعض القوى المحلية المعارضة والدوائر الخارجية وصفُ الحكومة بذات اللون الواحد، بل بحكومة حزب الله مع قناع عوني “مُحَسَّن” مطليٍّ بألوان تكنوقراطية رديئة.

من مؤشرات هذا التململ، التصريحات الصادرة عن نواب “غير منضبطين” من التيار حولَ وطأة سلاح حزب الله، وانتقادات الحزب للأداء الحكومي الغائصِ في ركام المشاكل من غير رؤية تفتح كوة للأمل، إضافة إلى أن رئيس التيار الوطني أفصح في مقابلته مع “ألبير كوستانيان”، أنه لا يرفض الحياد بالمطلق، وأن هناك بعض التباينات مع سياسة الحزب، وذلك من خلال باقة كلامية وجهت رسائل متناقضة إلى جهات منتاقضة، حين حاول أن يبرر انغماس الحزب في الحرب السورية بالحجج ذاتها، ويؤكد في الوقت عينه حرصه على صداقة أميركا مغفلًا أو مسقطًا عنها لقب “الشيطان الأكبر” مثبتًا بذلك أن السياسة اللبنانية خرجت نهائيًّا عن المعيارية وانزلقت إلى الزئبقية، فما نقوله أمس ننكره غدًا، ومن نحالفه ليلًا نركله فجرًا، وما يحبِّره “كُتَّابُ معراب” المهَرَة، من شروط والتزامات، يجري بَلُّه بماء “حسن الظن” الموازي “لسوء الفطن”، و”الحل الوسط” الذي حلَّ وسط الدولة، نتنكَّرُ له بعد أن يَلقى مهندسه “جزاء سِنِمَّار”. هكذا تكون الشمبانيا أهريقت على مذابح الخديعة، واكتُفِيَ بتقسيم قوالب الحلوى الزائفة، وباقتسام الوظائف والمنافع، وفق ما قاله رئيس التيار الحر بملء الفم.

أما سعد الحريري الذي راق له أسلوب الصدمة وباغت اللبنانيين وجمهوره بتلك الانعطافة، فكوفئَ على جرأته ومغامرته بحكومتين معطلتين بعد ما مرر لخصومه القانون الانتخابي الذي قلب النصاب النيابي رأسًا على عقب، فأصبح زعيمًا لأقلية، يترأس حكومة مكبلة بشروط الأكثرية الثقيلة، وهذا ما أفضى به إلى الاستجابة لطلبات الشعب بأن استقال، فكانت التهمة جاهزة بحقه وحق والده، في استعادة بليدة لحكايةDe la Fontaine عن الذئب والحمل.

هذه اللعبة المتقنة القائمة على التحالف ثم الاستبعاد، أفضت بمحور مار مخايل إلى الانفراد بالحكم، ومن ثم الانفراد بالمسؤولية. فلما تفاقم العجز، وانهار الوضع بشكل غير مسبوق أعيتهم الحيلة فذهبوا إلى مقولة التركة الثقيلة والمليارات المنهوبة وأعباء السنوات الثلاثين، رغم أن الناس وقسمًا كبيرًا من جمهورهم، ملَّ الإنصات إلى تردادِ موال الشيطان وحكاية إبريق الزيت.

استفحل المأزق بعد السابع عشر من تشرين، لكن بَرَكَةَ مار مخايل مَكَّنت المحور من استثمار الحراك على عكس مقاصده، ومن تجاهُلِ أن النوم على جرح غائر، لا يخفف الالتهاب والاشتراكات، ولا يكتم طويلًا أنينَ أنفاسِ الألم، بدليل أن المظلة المسيحية التي قدمها التيار للحزب مُنِيت بثقوب كثيرة؛ كانت الإشاراتُ الأولى على فداحتِها دعوةَ غبطة البطريرك إلى فك الحصار عن الشرعية، وما لقيَتْه من تجاوب داخلي وخارجي.

وجوبِه المأزق الاقتصادي والمعيشي، بعشوائية الحلول، وارتجال الاقتراحات وتقديم المشاريع المأزومة بطبيعتها، بحيث تساءَلَ كثيرون عما إذا كان اقتراح تغيير نمط الإنتاج ونمط الحياة الاجتماعية والعلاقات العربية والإقليمية والدولية، بندًا من البنود السرية لمار مخايل، أم هو أمر مقحم عليه بعد أن استنفد وسائل التدوير والتأويل والتفسير؟! أوليس من دلائل الوضع المأزوم هذا، استقالةُ وزير الخارجية المنطقية وما تبعها من استقالات، بل الإسراع في مَلْءِ الفراغ بالترقيع الفاقع، من أجل الإمساك الكامل بالوزارة من غير حاجة لشخصية لها وزنها الدولي، فكان مثلهم كَمَنْ يسير ليلًا بين القبور، فيلجأ إلى الصفير خشيةَ ظهور الأرواح أو الأشباح.

هنا نعود للمسألة الأساس، وهي أن السياسي الذي يكون هدفه الوصول إلى الحكم من غير نهج أو خطة للتنمية والإصلاح يكون كراكب الدراجة الذي لا يتوقف حتى يسقط في هاوية ما.

هذا التخبّطُ يفضي إلى استنتاج طبيعي، هو أن ذلك التفاهم الذي قلب الموازين بدأ يعتريه الوهن، فأصبح أشبه بحلف المِبْرَد مع اللسان؛ وبتفاهم الخطة المُبِينَة والوطيدة مع الوهم الصبياني، وارتطمت الدولة بما يشبه الحالة المأساوية التي يعيشها السوريون والعراقيون، وأهل اليمن السعيد. وأصبح الشعبُ في قاع سحيق، وصارتِ القوة المنظمة وحدها، صاحبةَ الهيمنة على ركامٍ كان خلال مئة عام، دولة أو مشروع دولة.

كل فريق فسَّرَ الأحداث على هواه؛ لكن هزالَ الحكم والحكومة واحتمال تصدعها من الداخل وحكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والحصار الاقتصادي والسياسي غير المسبوق، أمور تتخطى التفسيرات والأهواء والأرقام، إلى نتيجة واحدة، وهي أن عجز تفاهم مار مخايل عن القيام بأحماله سيفضي بنا إلى إقامة قسرية في رحاب مار سمعان العمودي القديس الناسك السوري(السرياني)، أولِ من ابتكر التنسك على عمود حجري، وهي طريقة اتَّبَعَه فيها بعده رهبانٌ آخَرون.

ولقد نسب إليه “تيودوريطس” أسقف قورش كثيرًا من المعجزات. لكن الثابت أن بركته كانت ترعى الفلاحين الذين يحرثون سهولهم ويجنون محاصيلها، برعاية عموده وأعمدة من تبعه من نساكٍ قليلين، حَذَوْا حذوه كَنَماذِجَ فردية لإنكار الذات، من غير أن يطلبوا إلى جموع المؤمنين أن يفعلوا فعلهم، لأن أحدًا لا يتصور شعبًا بأكمله يركب الأعمدة حتى الموت، قربى من الله. والعجائبيون قليلون، فالمعجزةُ إذا صنعَها الناس كلهم، كسدَت، وبولس الرسول يقول في رسالته إلى أهل (كورنثس): “ألستم تعلمون أن أجسادكم هي هياكل الروح القدس فيكم، فمجدوا الله في أجسادكم وأرواحكم”.

مار مخايل الأول أنجز منظومة سياسية تفقد صلاحيتها باطِّراد وتتجاوز عمرها الافتراضي؛ أما دموع الرئيس الفرنسي في مار مخايل الثاني ففيها نصح بالذهاب إلى منظومة أخرى تقوم على بناء دولة خالية من الفساد والجهالة والجشع السلطوي، وخالية أيضًا من الارتهان لسياسة المحاور. فهل تكون كارثةُ بيروت مهدَ ولادةِ لتواصل جديد لا بد منه،

وهل يكون مؤتمر دعم الشعب اللبناني مؤشراً على بداية أفول النهج الفاسد المنظم كما قال ايمانويل ماكرون.