الرئيسية / أضواء على / من ماركيز وشاكيرا إلى أحمد رامي وأم كلثوم: ما سر افتتان أدباء بفنانات شهيرات؟

من ماركيز وشاكيرا إلى أحمد رامي وأم كلثوم: ما سر افتتان أدباء بفنانات شهيرات؟

 

 

حسام الدين محمد
القدس العربي
01122018

كيف نفسّر تخصيص الروائي الكولومبيّ الأشهر، غابرييل غارسيا ماركيز، الكثير من المقالات خلال العقد الماضي في أهم الصحف العالمية للحديث عن المغنّية شاكيرا، وماذا كان سرّ انشغال الأديب الراحل وأحد أهم أيقونات الثقافة الأمريكية اللاتينية بفتاة شابّة ميّزتها الكبرى هي صوتها وشكلها الجميلين؟
بالنسبة للكاتب الأمريكي آرثر ميلر فقد تعدّى الأمر موضوع الافتتان بالنجمة الشهيرة مارلين مونرو ليصبح زوجها الثالث في فترة صعبة كانت الصحافة تمارس أثناءها ضغوطا عليهما خلال الحملة المكارثية التي طالت الكثير من الكتاب والمفكرين والعاملين في هوليوود.
من النماذج الكثيرة عن هذه الظاهرة أيضا الكاتب الفلسطيني الشهير الراحل إدوارد سعيد والذي كتب مقالة يحكي فيها عن افتتانه في شبابه الغضّ بالفنانة المصرية شويكار، ومجيئه إلى مصر بعد عقود للقائها أثناء إعداده لكتاب سيرته الذاتية «خارج المكان».
يبدو افتتان شخصيات ذات وزن كبير في شؤون الكتابة والأدب بأولئك الفنانات الشهيرات الأخاذات أمرا طبيعيّا، فهم من مخلوقات الله التي تحبّ الجمال والطرب والرقص، لكن تنكّب ماركيز الجهد للترويج لشاكيرا، وتحوّل الحائز على جائزة نوبل للآداب إلى صحافيّ مرّة أخرى واختياره هذا الموضوع لكتابة مقالات على مدى سنوات عديدة أمر فيه تطرّف ربما، فما بالك بنماذج أخرى تحوّل فيها الافتتان إلى عشق قاتل أو زواج فاشل أو موضوع يستهلك العمر كتابة ونضالا، كما كان حال كامل الشناوي مع نجاة الصغيرة، وأحمد رامي مع أم كلثوم؟

 كتب إدوارد سعيد مقالة يحكي فيها عن افتتانه في شبابه الغضّ بالفنانة المصرية شويكار، ومجيئه إلى مصر بعد عقود للقائها أثناء إعداده لكتاب سيرته الذاتية «خارج المكان».

يحاول ماركيز في مقالة لصحيفة «الغارديان» البريطانية نشرت عام 2006 تقديم تفسير لشغفه هذا بشاكيرا: الطاقة الهائلة (السفر 40 ألف كم خلال شهر واحد)، الاهتمام شخصيا بالتدريبات وبكل شخص في فرقتها، إتقان الإنكليزية (إلى درجة أن تتحدث بها وهي نائمة). لقد اخترعت، كما يقول، بصمتها التجارية الخاصة عن الشهوانية البريئة. إضافة إلى ذلك فإن شاكيرا هي ابنة بارانكويلا، مسقط رأس ماركيز نفسه، لأب من أصل لبناني، وماركيز شغوف بما هو عربيّ وهذا الشغف بدأ مع اكتشافه كتاب «ألف ليلة وليلة» في طفولته، وحسب قوله، فما كان صار كاتبا لولا سحر ذاك الكتاب. العرب موجودون في مخياله، وأحدهم، سانتياغو نصار، هو بطل أحد رواياته «قصة موت معلن»، وحسب الروائي المصري يوسف القعيد، فإن زوجة ماركيز، المسماة مرسيدس، هي من أصل مصري.
من الصفات التي قد لا نتوقعها (ربما لخلل نفسيّ ذكوريّ فينا ربما) لمعشوقات الأدباء هو: الذكاء الشديد والثقافة.
يصف ماركيز معالم الذكاء الشديد لدى شاكيرا بالقول إنها حفظت حروف الهجاء بعمر 17 شهرا وبعمر السابعة كتبت ولحنت أولى أغانيها، وحسب قولها لماركيز فقد كانت تنال درجات ممتازة في كل المواد ما عدا الرياضيات.
في حالة مارلين مونرو، وهي رمز لا يخفّ أثره عبر الزمن للأنوثة، نكتشف أن معدل ذكاءها كان أعلى من معدل العالم الشهير ألبرت أينشتاين (الذي أعطاها صورة موقعة له)، وحتى نتائج الذكاء التي حققها بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، كانت أقل من نتائجها. وحسب مصادر على مواقع الانترنت فإن مارلين كانت تحب أدب دوستويفسكي وبرنارد شو وأرنست هيمنغواي، وفي الموسيقى كانت تحب بيتهوفن وموتسارت ولويس أرمسترونغ.

كانت مارلين مونرو تحب أدب دويستويفسكي وبرنارد شو وأرنست هيمنغواي، وفي الموسيقى كانت تحب بيتهوفن وموزارت ولويس أرمسترونغ

أما عن ذكاء أم كلثوم فتروى قصص كثيرة لكن أكثر ما يعبّر عن هذا الذكاء هو سيطرة «الستّ» على عصر كامل، واستيعابها، كما يقول الروائي سعد القرش، كافة التيارات الشعرية والموسيقية وتطويعها لطريقتها في الأداء ابتداء من أبو العلا محمد مرورا بمحمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي ووصولا إلى ألحان من كانوا شبابا في عصرها مثل محمد الموجي وسيد مكاوي وبليغ حمدي.
هناك قائمة طويلة من الكتاب والأدباء الغربيين الذين أغرموا بفنانات، منهم، على سبيل المثال، الروائي الأمريكي سكوت فيتزجيرالد الذي أحب الممثلة الشابة لويس موران، وألبير كامو مع مغنية الأوبرا الشهيرة ماريا كالاس، وكاتب قصص الأطفال الشهير رولد داهل مع ممثلة هوليوود باتريشيا نيل. هناك في المقابل أمثلة أقل على علاقة كاتبات بممثلين، أشهرها علاقة الروائية جاكي كولينز بالممثل الأمريكي الشهير مارلون براندو.
في البلاد العربية نتذكر بالتأكيد افتتان عدد كبير من الكتاب والشعراء بأم كلثوم، وعلى رأسهم الشاعر أحمد رامي (الذي غنت له أكثر من 150 عملا منها «حيرت قلبي معاك» و«يا ظالمني»)، وهو حال الموسيقي محمد القصبجي، والصحافي مصطفى أمين، والذي قيل إنه تزوج أم كلثوم سرا وكتب لها قصة فيلمها «فاطمة».
إحدى المطربات اللاتي كان لها صولات وجولات مع العشاق هي نجاة الصغيرة وقصة غرام الشاعر كامل الشناوي بها مشهورة، وكانت قصة حب من طرف واحد وقد أدت لكتابته ديوان شعر وفيه قصيدته المعروفة «لا تكذبي»، والمقصود، حسب مصادر مصريّة عديدة، بقوله فيها «إني رأيتكما معا» هو كاتب القصة القصيرة والروائي الشهير يوسف إدريس الذي كان أحسن حظّا في الحب مع نجاة، كما كتب الشناوي لنجاة قصيدة شهيرة أخرى غنّاها عبد الحليم حافظ هي «لست وحدك حبيبها».
وهناك قصة تروى عن علاقة قصيرة جمعت الشاعر الفلسطيني محمود درويش بنجاة، وقد تزوج درويش (وطلّق لاحقا) الكاتبة رنا قباني، ابنة أخ الشاعر السوري نزار قباني، وهذا موضوع آخر لجدل الشهرة والعلاقات المعقدة بين الأدباء أنفسهم.

في البلاد العربية نتذكر بالتأكيد افتتان عدد كبير من الكتاب والشعراء بأم كلثوم، وعلى رأسهم الشاعر أحمد رامي

في أغلب هذه القصص يحضر الانجذاب الجماليّ طبعاً، فحين نذكر مارلين مونرو أو شاكيرا فإننا نتحدث عن جاذبية جنسيّة أنثوية هائلة، لكنّ هذه الجاذبية ما كانت لتصبح بهذه الدرجة من الفتك لولا هالة الشهرة الهائلة التي تحيط بها وهي جاذب مهلك لا يوفّر أشخاصا من فضاء شهرة آخر، كالأدب (حتى لو كانوا بوزن ماركيز ودرويش وكامو)، أو الرياضة (شاكيرا تزوجت لاعب كرة قدم إسباني معروف هو جيرارد بيكيه)، أو الطبّ والعلوم الخ…
الشهرة حسب الدبلوماسي الأمريكي الماكر هنري كيسنجر هي «محفّز جنسي هائل» aphrodisiac (كلمة مستلهمة من إلهة الحب الإغريقية أفروديت)، وهي واحدة من تفسيرات افتتان شخص بشخص شهير مثله حتى لو كانا من مجالي شهرة مختلفين (كما هو حال ماركيز وشاكيرا)، وصولا إلى الزواج (كما هو حال ميلر)، أو الحبّ الممزوج بالكبرياء والتذلل والمهانة التي يمكن اعتبارها تحويرات طفيفة على السادومازوشية (كما هو حال الشناوي ورامي مع نجاة الصغيرة وأم كلثوم).
يقدّم ماركيز مناطق مهمّة للتأمل في تحويل افتتانه بشاكيرا إلى أعمال صحافيّة مميزة، واشتراكه معها في تمويل جمعية خيرية لتعليم الأطفال في كولومبيا (وربّما حضر هذا الموضوع في ذكريات عن مومساتي الحزينات وموقف البطل العجوز في الرواية الذي يجلس متأملا جسد مراهقة من دون أن يلمسها)، ولعلّ منطوق هذا الدرس هو أن الكاتب العظيم لا يستنكف عن «صغائر الأمور» أو عن الغواية الفاتنة للغناء والرقص بل يعترف بأثرها عليه ويحوّلها إلى علاقة جميلة تجمع بين الشيخ السبعيني مع فتاة في عشريناتها (كان فارق العمر بينهما 50 عاماً).
الخلاصة الكبرى لظاهرة افتتان الأدباء بالفنانات (أو، بشكل أقل انكشافا وظهورا: الأديبات بفنانين) قد تكون أن الأدباء المشهورين لا يختلفون عن بقيّة نظرائهم في الإنسانية في أنهم خاضعون للشرط البشريّ من حيث الأهواء التي تحركهم والعواطف التي تطوّح بهم والغرائز التي تجذبهم ولكنّ بعضهم قادر على تحويله إلى أدب وشعر وصحافة وبعضهم يخفيه ويكتمه ويتستر عليه.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

اضف رد