الرئيسية / home slide / من قناة السويس إلى “قناتِنا” السورية

من قناة السويس إلى “قناتِنا” السورية

30-03-2021 | 00:01 المصدر: النهار

جهاد الزين

من قناة السويس إلى “قناتِنا” السورية

 جعلتنا #قناة السويس في المشكلة التي تمر بها نشعر أننا لازلنا في القرن التاسع عشر. فمن كان يتصوّر أن انسداداً كهذا في مجرى القناة، سوف يصيب #الاقتصاد العالمي ب”الارتجاف” وفقاً للتعبير الرائع الذي تناقلته وكالات الأنباء. لكن إذا لم تعد بريطانيا محتلةً في الهند كما كانت في ذلك القرن فإن الهند في الهند والصين في الصين إذا جاز التعبير وبينهما دول عديدة في جنوب شرق آسيا وأقصى الشرق مزدهرة الصناعة والتكنولوجيا تحتاج إلى إرسال ما لديها من بضائع إلى أوروربا وكذلك هي أوروبا نحو الشرق، وكل هذا لازالت طريقه الأقصر قناة السويس. ثلاثمائة سفينة تنتظر للعبور حتى أمس الأول.. على أنه وفي غمرة الأذى المؤسف الذي لحق بالاقتصاد المصري، وباقتصاديات أخرى على مستويات مختلفة، فقد كانت هذه الأزمة فرصة لنتأكد من استمرار أهمية الموقع الاقتصادي وبالتالي الجيو سياسي لمصر. فبعد قرن ونصف القرن على شق القناة تظهر الحادثة الأخيرة مدى حيوية هذا الممر المائي للتجارة العالمية ولاسيما بين أوروبا وآسيا. في الحقيقة هذه الأزمة كشفت أن الجغرافيا لا تزال قدر الكائن البشري الرئيسي على هذه الكرة الأرضية. ومثلما كشفت أزمة الرماد البركاني الآتي من أيسلندا قبل سنوات ليجعل فضاء أوروبا الغربية مقفلاً على أي حركة طيران، ها هو انغلاق قناة السويس بسبب جنوح ناقلة عملاقة في مجرى القناة يؤدي إلى انسداد المجرى وتعطيل حركة الملاحة في كل القنال. ف”لا زالت” الطبيعة الجبارة على جبروتها مهما تقدمت قدرة البشر على تفعيل التواصل غير الجغرافي والأكثر تقدما فيه هو التواصل الديجيتالي. الفارق طبعاً هو أن أزمة الرماد البركاني كانت ناتجةً عن قوة قاهرة بينما حادثة قناة السويس ناتجة عن مزيج من أخطاء تقنية (وطقس غير مؤاتٍ) جعلت سفينة عملاقة تسد ممرا هو نفسه أحد إنجازات الحضارة الحديثة في تطويع الجغرافيا. لا زلت أذكر، وقد صادف أنني كنتُ ذاهبا إلى الولايات المتحدة، عبر باريس التي كان علي أن أنتظر في مطارها 24 ساعة لكي تقلع الطائرة المتجهة إلى واشنطن، بعد توقف اضطراري لساعات في مطار جنيف، كيف صدرت صحيفة “اللوموند” التي تعطل عددٌ من طبعاتها الخارجية يومها وعلى صفحتها الأولى افتتاحية ذات تأملات فكرية وفلسفية في علاقة الانسان بالطبيعة بسبب ظاهرة الرماد الأيسلندي. القناة كما مصر ستنهضان من هذه المشكلة ليستعيد الممر الاستراتيجي كامل طاقته التي تشكل جزءا مهما من حركة النقل العالمي للبضائع والمواد بما قد يقل قليلا عن ثلث الحجم العالمي كما تقول بعض الأرقام. وكيف في لحظة كهذه يتعاطف فيها الجميع مع مصر، بمن فيهم كل لبنان، في مشكلة السويس الراهنة، لا نقف عند انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 الذي وجّه ضربة قاصمة لدور بيروت كمعبر مهم على الشاطئ الشرقي من البحر الأبيض المتوسط. مع العلم أن حكومة مصر كانت شديدة التعاطف مع لبنان إثر تداعيات الانفجار.. نحن، في لبنان، نكبتنا الترانزيتية برية وليس بحرية، وإن كنا مثل الكثير من دول المنطقة نتأثر بشكل مباشر بما يحدث لقناة السويس سلبا أو إيجاباً. فبيروت مرفأ بحري على طريق برية تمر عبر سوريا أساسا ومنها إلى العمق العربي عن طريق الأردن والعراق. لهذا فإن نكبتنا الاقتصادية كطريق تجاري مستمرة منذ انفجار الأحداث في سوريا قبل عشر سنوات. ستخرج مصر بالنتيجة من هذه المشكلة في القناة لكن “القناة” البرية اللبنانية تبدو معطّلة لفترة طويلة مع تعثّر الأزمة السورية ومع ضيق الأفق السياسي اللبناني الذي ينتظر بعضُه انفراجات عربية ودولية لإعادة تواصل مصلحي واضح مع سوريا. أعني بذلك وجود مصلحة كبيرة واضحة للبنان في استعادة التواصل السياسي الذي يستطيع أن يضع حدا للالتباسات الراهنة بين البلدين ومنها التهريب. هذه أحد وجوه القصور اللبناني. وهذا ينقلنا إلى مقارنة ثانية. فبينما تعاني إسرائيل من أزمة يمكن تسميتها بأزمة الاختناق الديموقراطي، نعاني نحن في لبنان من سيرورة أزمات يمكن تسميتها بسيرورة الانحطاط الاختناقي! كيف يتاح لنظام عنصري كإسرائيل، هو نظام التمييز العنصري المؤسساتي، نظام الأبارتايد الوحيد المتبقي في العالم كما يُقال على أعلى المستويات الثقافية وبعض السياسية في الغرب، أن يقدّم نموذجاً لديموقراطية ثابتة وصاعدة من علائم ثباتها أنها تتعرّض لأزمة اختناق سياسي يمنع تشكيل حكومة أو يجعل هذا التشكيل صعبا جدا بسبب توزّع التمثيل السياسي الذي يتحوّل إلى تفتّت سياسي. فأي فارق شاسع بين أسباب عدم قدرتنا في لبنان على تشكيل حكومة وبين الأزمة الإسرائيلية؟ في لبنان الأسباب لا جدال في كونها من علامات الانحطاط الشامل لبنيتنا السياسية في مختلف الاتجاهات.

 j.elzein@hotmail.comTwitter: @ j_elzein