الرئيسية / مقالات / من فندق “الساحة” في “الضاحية” إلى “بانغي”: إيران تشنّ حروباً أفريقية

من فندق “الساحة” في “الضاحية” إلى “بانغي”: إيران تشنّ حروباً أفريقية

بقلم: ألبين سزاكولا وجاك لوش (Albin Szakola and Jack Losh)
ترجمة وإعداد هشام عليوان – الأحد 24 أيار 2020
https://www.asasmedia.com/news/386175

إسماعيل دجيده هو العنصر الأساسي في المؤامرة التي يحيكها الحرس الثوري الإيراني وميليشيا في أفريقيا الوسطى من أجل شنّ عمليات مسلحة على مواقع دبلوماسية أميركية وغربية وعلى قواعد عسكرية ومسؤولين.

إسماعيل هو قائد متمرّد مشهور، كان يقيم في فندق “الساحة” بضاحية بيروت الجنوبية، في شباط عام 2018، حيث كلفة الإقامة 60 دولاراً لليلة الواحدة. و”الشركة اللبنانية العربية للخدمات السياحية” التي تدير الفندق، كان يملك جزءاً منها حمزة صفي الدين، أحد أشقاء هاشم صفي الدين، رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، وعبد الله صفي الدين، موفد حزب الله إلى طهران.

بغضّ النظر عن دوره في طهران، فإن “الوكالة الأميركية لمكافحة المخدرات” اتهمت عبد الله عام 2016 بإدارة العمليات السرية للجهاز الأمني الخارجي لحزب الله. وهذه الذراع السرية لحزب الله متهمة بإدارة مجموعات إرهابية دولية في أميركا الجنوبية وفي الشرق الأوسط وفي أنحاء أفريقيا.

والأشقاء من آل صفي الدين لديهم صلات متقدّمة مع هرم الحزب، إذ إنّهم أولاد عمة الأمين العام للحزب حسن نصر الله. وقد أقام دجيده في هذا الفندق مرّة في الأقل من بين زياراته المتعدّدة إلى بيروت، بحسب ما جاء في تقرير أممي صادر في كانون الأول 2019.

بالنسبة إلى العاملين في سوق المرتزقة، فإن الطريق الوطني رقم 8 في أفريقيا الوسطى هو الطريق المناسب الممتدّ على مدى مئات الكيلومترات خلال معقل الثوار باتجاه التشاد المحاذية للسودان. وتتخلّل الطريق حواجز تفتيش ومخيمات لاجئين هاربين من أعمال العنف.

هذه الرحلة تضيء على عقود من الإهمال المرتكب من الحكومة ذات الغالبية المسيحية، والذي حوّل منطقة ذات أغلبية مسلمة إلى بؤرة تظلّم وتمرّد. هي “المنطقة المحكومة ذاتياً”، بحسب تعبير العالمة الأنثربولوجية في “جامعة يال”، لويزا لومبارد. ففيها إرث السلطنات المسلمة والغارات المسلّحة لجمع العبيد، والانقسام الطائفي، ما يعني أنّ البلدات هناك “لم تتخلّ أبداً عن طبيعتها الماركانتيلية المعسكرة”. ولهذا وضعت إيران نصب عينيها تلك المنطقة بوصفها ملائمة لخطتها خوض حروب بالوكالة ضد الغرب في القارة الأفريقية، بحسب ما جاء في تحقيق الأمم المتحدة. ويشرح التقرير كيفية استثمار إيران في شبكة من الخلايا الإرهابية تحت رعاية الحرس الثوري، وإسماعيل دجيده هو عنصر أساسي في هذا المشروع.

فيلق القدس، وعلى مدى عقود، شغّل ميليشيات ودرّبها وموّلها للقيام بعمليات في أنحاء الشرق الأوسط وما وراءه. وأنجح مشروع له حتى الساعة هو حزب الله. وقد ألقي الضوء على دوره الرئيسي في العمليات الإقليمية لإيران عندما قتلت الولايات المتحدة قاسم سليماني قائد فيلق القدس في كانون الثاني الماضي.

ومع اندثار القوى الاستعمارية السابقة في أفريقيا الوسطى، وتقليص الولايات المتحدة وجودها في المنطقة، أقدمت الصين وروسيا على الاستثمار بقوّة فيها. لكن الصفقات التي تديرها إيران حول دول الساحل تبقى مغطّاة بالكتمان الشديد.  

إسماعيل دجيده، الذي يذكره التقرير الدولي هو في الأرجح تشاديّ، اتخذ لنفسه اسماً كوسيط دولي قادر على التواصل مع أمراء الحرب عبر الحدود التشادية والسودانية والإفريقية الوسطى. وهو يعمل كمستشار للرئيس السابق لأفريقيا الوسطى ميشال دجوتوديا، الذي حكم البلاد بين عامي 2013 و2014، وهو المسلم الأول الذي يصل إلى هذا المنصب، ما أدّى إلى نشوب حرب أهلية في المستعمرة الفرنسية السابقة. وعندما اضطر دجوتوديا إلى الفرار نحو بنين، برفقة دجيده، انتبه فيلق القدس إلى دجيده، فنُظّمت أولى اللقاءات معه في كانون الأول عام 2016، في جزيرة كيش الإيرانية في الخليج، بحسب ما جاء في التقرير الدولي.  

في العام التالي، قام دجيده بأربع رحلات إلى لبنان على الأقل. ورحلتان على الأقل عام 2018. كما زار العراق، بحسب ما تبيّنه تأشيرات الدخول في جواز سفره، وفواتير الفندق، وشركات الطيران، التي تؤكد كلها رحلاته عبر مطار رفيق الحريري الدولي. وإلى جانب جواز سفره التابع لأفريقيا الوسطى، يُعتقد أنه استعمل أيضاً جوازاً نيجيرياً مزوّراً.

بدأت الأمم المتحدة تحقيقها بعد اعتقال دجيده في التشاد العام الماضي، وبثّ التلفزيون جزءاً من اعترافاته. وبحسب شريط الفيديو المطوّل الذي حصلت عليه الأمم المتحدة، فقد أقرّ دجيده بأنه كُلّف بتشكيل ميليشيا اسمها “سرايا الزهراء” بدعم من فيلق القدس، بهدف مهاجمة مصالح غربية وإسرائيلية وسعودية في أفريقيا. وادّعى دجيده أنه جنّد ما بين 30 و40 شخصاً من مجموعات (CAR) في أفريقيا الوسطى، وقد سافروا إلى لبنان والعراق وسوريا عامي 2017 و2018، من أجل التدرّب في معسكرات تديرها إيران. ووجد محقّقو الأمم المتحدة الدليل الذي يؤكد سفر 12 فرداً في الأقل من “سرايا الزهراء” إلى لبنان والعراق. وكان هؤلاء يخطّطون لتأسيس مجموعة تعدادها ما بين 200 و300 فرد، وهدفهم تنسيق عملياتهم مع الخلايا التشادية والسودانية.

وقال دجيده إنّ فيلق القدس أعطاه ما بين 12 و20 ألف دولار في كلّ رحلة له إلى إيران ولبنان والعراق. وهو اعتراف أكدته مصادر دبلوماسية للأمم المتحدة.

كانت مهمة دجيده تجنيد شباب، ممن لديهم فرص محدودة، ويعملون في مهن عادية كميكانيكيين أو تجار صغار، أو سائقي تاكسي

وعُلم أن المخطّط بأكمله نظّمته الوحدة 400 التابعة لفيلق القدس، وهي عالية التخصّص ويقودها قائد رفيع المستوى يدعى علي بارهون. وهذه العملية تتطابق ملامحها مع ملامح دعم إيراني سابق لمسلّحين وكلاء لها لمحاربة الولايات المتحدة.

“لقد اعتمدت الاستراتيجية دائماً على توسيع النفوذ الإقليمي وإحراج القوات الأميركية والقوات المتحالفة معها”، كما يقول الدكتور فلاديمير روتا، الأستاذ المحاضر في السياسات والعلاقات الدولية في جامعة ريدينغ، الذي كتب بإسهاب عن الحرب بالوكالة.

وما تقوم به إيران على هذا الصعيد ليس جديداً. أما القائد الجديد لفيلق القدس إسماعيل قآني، فكان صلة وصل أساسية لطهران في القارة الأفريقية، ووضعته الولايات المتحدة على لائحة العقوبات عام 2012، بتهمة “تمويل المجموعات الإرهابية” وأفراد فيلق القدس في أفريقيا. أما الخزينة الأميركية فاتهمت فيلق القدس عام 2010 بشحن قنابل يدوية ومدافع وصواريخ إلى غامبيا، لكن اعتُرضت الشحنة في نيجيريا. وبالنظر إلى تاريخ قآني في أفريقيا والخطاب الإيراني في الآونة الأخيرة، فقد تكون إيران توسّع أنشطتها الأفريقية.  

لكن الدكتور روتا يحاذر من المضيّ في تفسير أهداف “سرايا الزهراء”، ويضع احتمالاً أنّه ربما تكون عبارة عن اتفاقات “مصلحية” بين إيران وجماعات محلية، تدفعها براغماتية البحث عن موارد في إطار التنافس مع الجماعات الأخرى، إلى التعاون مع إيران، أكثر ترجيحاً من أن تكون حاملةً أجندات معادية للغرب. وينطبق هذا على مجموعة “كار”، التي تمثّل تحالف فصائل متمردة في أفريقيا الوسطى، ومعظمها مسلم.

كانت مهمة دجيده تجنيد شباب، ممن لديهم فرص محدودة، ويعملون في مهن عادية كميكانيكيين أو تجار صغار، أو سائقي تاكسي. وزعم دجيده أيضاً أنّ رئيسه السابق دجوتوديا متورّط في هذا المخطّط، فيما نفى الرئيس السابق لأفريقيا الوسطى هذا الزعم. لكن في المقابل، أقرّ بزيارة جزيرة “كيش” الإيرانية في نيسان عام 2016، واصفاً إياها بأنّها “رحلة عمل” نظمّها شركاؤه الإيرانيين. وقال محامي دجوتوديا إنّ دجيده هو “شاهد غير موثوق، كان يسعى لابتزاز المال من النظام الإيراني”. وتعليقاً على تقرير الأمم المتحدة، نفت إيران الادّعاءات مؤكدة أنّها “لا تتدخل أبداً في الشؤون الداخلية لأيّ بلد، ولا تدعم أيّ عمل عنفي”.

…حتى الآن، فإنّ مكان إسماعيل دجيده غير معلوم، لكن الزبونّ السابق لفندق “الساحة” في ضاحية بيروت الجنوبية، لن يحجز غرفة هناك قريباً.