الرئيسية / مقالات / من عهد “إصلاح وتغيير” إلى عهد “تصريف أعمال”؟

من عهد “إصلاح وتغيير” إلى عهد “تصريف أعمال”؟


سركيس نعوم
النهار
04102018

بات واضحاً لكل مُتابعي مواقف رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون من الأزمة الحكوميّة والوضع الإقليمي باصطفافاته المعروفة التي ينقلها “زوّاره”، والتي يُعبِّر عنها مباشرة خصوصاً في زياراته للخارج، بات واضحاً أنّه ينتمي بدوره إلى مُعرقلي تأليف “الحكومة الأولى” في عهده. ويظهر ذلك خلال تأييده المُطلق لمواقف وزير الخارجيّة ورئيس “التيّار الوطني الحر” جبران باسيل. وهذا الكلام ليس تجنّياً عليه. فهو من جهة أخرى يرفض الضغط على باسيل ومن جهة ثانية هدّد أو لوَّح أكثر من مرّة بالتصرّف حيال إحجام الرئيس المُكلّف سعد الحريري عن تأليف الحكومة التي تُرضيه.

ويعني ذلك عدم توقيع مرسوم أي تشكيلة يُقدّمها له ولا تحظى بموافقته، وهذا أمر ينص عليه الدستور. ويعني أيضاً التلويح “بأن للصبر حدوداً” والتهديد بإجراءات تفرض عليه إمّا الخضوع وأمّا الاعتذار عن التأليف. منها توجيه رسالة إلى مجلس النوّاب لشرح الوضع الحالي والعقبات والأخطار من وجهة نظره ونظر باسيل طبعاً. وقد رحّب رئيسه نبيه برّي بذلك معتبراً أن ذلك حق دستوري للرئيس. لكنّه حتّى الآن لا يزال متردداً في الإقدام على هذه الخطوة لأنّها لا تؤمِّن الضغط اللّازم لإجبار الحريري على الطاعة أو الخروج. ومنها أيضاً التخلّي عن “حكومة الوحدة الوطنيّة” التي سمّت الغالبيّة الساحقة من النوّاب اللبنانيّين الحريري لتأليفها في الاستشارات المُلزمة التي أجراها عون، والاتّجاه إلى تشكيل حكومة أكثريّة. وهو بذلك يُلمِّح إلى أنّه و”تيّاره” وحليفه “حزب الله” وحلفاء هذا الحليف ومنهم “حركة أمل” التي بينها وبينه خلافات كثيرة متنوّعة يمتلكون الغالبيّة في مجلس النوّاب نتيجة الانتخابات النيابيّة الأخيرة أي 74 نائباً. علماً أن “الحزب” يعتقد بل يجزم أن أكثريّته مع حلفائه تراوح بين 81 و82 نائباً. لكن النجاح في هذا الأمر يقتضي خطوة من اثنتين. الأولى اعتذار الرئيس المُكلّف وإجراء استشارات رئاسيّة مُلزمة طبعاً تختار فيها الأكثريّة المُشار إليها بديلاً منه يتولّى توقيع مرسومها مع رئيس الجمهوريّة وإعلانها رغم أن دوره التأليفي فيها لا بُدّ أن يكون محدوداً جدّاً. فهل لدى عون ورئيس تيّاره وحلفائه و”حزب الله” ما يؤكِّد القدرة على التخلّص منه رئيساً مكُلّفاً؟ والثانية نجاح رئيس الجمهوريّة و”تيّاره” و”حزب الله” في إقناع الرئيس المُكلّف و”تيّار المستقبل” الذي ورثه من والده الشهيد رفيق الحريري في أن يؤلِّف هو حكومة الأكثريّة. ويكون بذلك مُنسجماً مع التسوية الرئاسيّة التي كان أحد أقطابها والتي أوصلت عون إلى قصر بعبدا، أو بالأحرى مع طرفين مُهمّين فيها هما التيّار و”حزب الله”، ورغم معارضة طرفَيْها الآخرَيْن المهمَّيْن أيضاً “القوّات اللبنانيّة” والحزب التقدّمي الاشتراكي. طبعاً يعتقد بعض السياسيّين والمُتابعين في بيروت، في ظلّ تعذّر الاعتذار بل استحالته، أن الخطوة الثانية غير مستحيلة في ضوء الوعود الكثيرة التي أعطاها الحريري بالصوت وبغير الصوت لعون ولـ”الحزب” بعد محنته في المملكة العربيّة السعوديّة، وفي ضوء حاجاته المتنوّعة إلى رئاسة الحكومة. لكنّ البعض الآخر منهم، وهو يمتلك خزّاناً من المعلومات عن هذا الموضوع وغيره، لا يشارك هؤلاء اعتقادهم الإيجابي،. وعلى العكس من ذلك فهو مُقتنع بأن لا حلّ للأزمة الحكوميّة لا بحكومة وحدة وطنيّة ولا بحكومة أكثريّة. فالرئيس الحريري غير جدّي ولا يركِّز. وبدا ذلك من وعوده المتناقضة لـ”حزب الله”، وأبرزها إعطاؤه حقيبة الصحّة في الحكومة الجديدة ثم التنصّل من ذلك أمام الأميركيّين وغيرهم، وللحزب التقدّمي الاشتراكي ولـ”القوّات”. وفي الاجتماع الأخير بينه وبين الدكتور سمير جعجع في “بيت الوسط” قال أن رئيس الجمهوريّة اقتنع بتنازله عن نيابة رئاسة الحكومة لـ”القوّات” وقبل إعطاءها حقيبتين وزاريّتين مع وزارة دولة. وكان جواب “الحكيم” سلبيّاً جدّاً وربّما “منافياً” لأمور كثيرة.

وفي هذا المجال تُفيد معلومات البعض الثاني هذا أن عند عون و”تيّاره” ورئيسه باسيل يأساً مطلقاً من الحريري ومن فشله ومن تقلُّبه ومن وعوده المتناقضة ومن افتقاره إلى القوّة. وعندهما في الوقت نفسه حقد كبير جدّاً على جعجع. وهما حاقدان أيضاً على المملكة العربيّة السعودية التي تعرف بدورها نقاط ضعف الحريري، وتعرف بالتفصيل مسيرته وخصوصاً بعد التسوية الرئاسيّة ثم الانتخابات النيابيّة فتأليف الحكومة الجديدة. لكنّ قرارها هو الاستمرار في الوقوف إلى جانبه وفي إعطاء الانطباع أنّها حاضنة له طالما لم يُقدم على خطوة أو عمل تعتبرهما مسيئَيْن إليها. أي طالما لم يؤلِّف حكومة أكثريّة ولم يستهدف وإن في حكومة عنوانها الوحدة الوطنية مصالح حلفائها الذين هم حلفاؤه، وهي ثابتة على مواقفها الجامدة والقويّة من إيران والأزمة الحكوميّة وعون و”حزب الله”. وهي ترجِّح أن لا يقبل الحريري تأليف حكومة “الحزب” لأن العواقب ستكون بالغة السلبيّة ليس بالنسبة إلى لبنان فحسب بل إليه شخصيّاً. فهناك رؤساء الحكومة السابقون ومواقفهم المؤيّدة لها أو لطرحها معروفة سواء انطلقت من مصلحة الوطن أو من مصلحة “السُنّة”. وهناك دار الفتوى والمشايخ والعلماء والجمعيّات الدينيّة أو السياسيّة والدينيّة. وهناك حلفاؤها المسيحيّون.

ماذا ستكون نتيجة ذلك؟ أن تبقى حكومة تصريف الأعمال إلى ما شاء الله، وأن يصبح العهد الرئاسي الحالي عهد تصريف أعمال. وهذا أمر يعرفه عون وباسيل وساهم في زيادة حملتهما على السعوديّة حتّى في أميركا. إذ نُقِلَ عنهما كلاماً قاسياً جدّاً ضدّها مثل أنّها تريد إفشال “العهد” ومنعه من تحقيق أي إنجاز. وأيضاً مثل رغم ذلك نحن باقون ونحن ندير الدولة ونفعل ما نريد ومدعومون من حلفائنا وفي مقدّمهم “حزب الله”. وعندما تنتهي ولاية العهد نرى ماذا يحصل.

هل يُغيّر “بصيص النور” الذي أشار إليه أمس الرئيس نبيه برّي ذلك؟

وعلى ماذا استند لاطلاقه عبر نائب “أمل” علي بزي؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد