من شباط إلى شباط… أحزاب عراقية تحتضر!

هيفاء زنكنة 
القدس العربي
13032019

إذا كان شهر آذار/ مارس المقبل، هو شهر استحضار ذكرى الغزو الانكلو أمريكي والعدوان الاجرامي على العراق، فان لشهر شباط / فبراير، حيزا خاصا في الذاكرة الجماعية العراقية، لا ينافسه فيها غير شهر تموز/ يوليو. فشهر تموز يرتبط بتاريخنا السحيق بالإله تموز (الراعي)، الذي عاقبته عشتار آلهة الحب والحرب، عندما اكتشفت خيانته، بإنزاله الى العالم السفلي/ عالم الأموات ثم ندمت فأنقذته لتعيده الى الحياة ستة أشهر سنويا. والأول من تموز هو عيد ميلاد كل العراقيين، الذين لا يعرفون تاريخ ميلادهم. والرابع عشر من تموز، عام 1958، هو ميلاد الثورة (يسميها البعض انقلابا) ضد النظام الملكي، التي صاحبها قتل وسحل رموز العهد الملكي، بطريقة بشعة، غطت على جوانبها المشرقة.
والسابع عشر من تموز/يوليو، عام 1968، هو الانقلاب (يسميه البعض ثورة بيضاء) الذي جاء بحزب البعث العربي الاشتراكي الى السلطة بصحبة اعتقالات وتصفيات، وفي الثلاثين من تموز، بذات السنة، جرى انقلاب أخرى (يسميه البعض تصحيحا) صاحبته اعتقالات وتصفيات لقادة الانقلاب / الثورة الذي تم قبله بأسبوعين.
قد يتبادر الى الاذهان ان سلسلة هذه الاحداث (الدامية أو المشرقة حسب الانتماء الأيديولوجي لمن عايشها او منظور من يكتب عنها)، تُمكن شهر تموز من احتلال قمة الشهور التراجيدية في التاريخ العراقي المعاصر، وبلا منافس، الا ان أحداث شهر شباط الدامية، منذ عام 1949 وحتى اليوم، تثبت أنه ينافس شهر تموز، في مآسيه. كما تثبت أنه لايزال هناك متسع، في الذاكرة الجماعية العراقية، لتراجيديا الأسى والحزن والاحساس بالظلم الناثر للانتقام، على الرغم من اكتظاظها بعقدة الذنب وجلد الذات، للمساهمة أو السكوت (لا فرق) على مقتل الامام الحسين، منذ 1400 عاما. ومنذ ذلك اليوم، واجيال العراقيين تدفع «فوائد» دَيونِ لم يقترضوها.
في شهر شباط/فبراير، من كل عام تزورنا، الذكرى بعد الأخرى، وهي مخضبة بالموت. ففي 14 شباط، 1949، أعدم النظام الملكي تحت الوصاية البريطانية، مؤسس وقائد الحزب الشيوعي يوسف سلمان يوسف (فهد)، ورفيقيه زكي محمد بسيم وحسين محمد الشبيبي. وتم تعليق جثثهم في بغداد. وكان قد شنق قبلهم في الشوارع صلاح الدين الصباغ ورفاقه زعماء حركة مايو 1941 من قادة الجيش العراقي المتمرد على بريطانيا والوصي عبد الاله، وهم اول شهداء الحركة القومية العربية في العراق.
ووصل حزب البعث الى الحكم في 8 شباط/فبراير من سنة 1963، بشكل لا يقل عنفا. اذ استهل بإعدام رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم، بعد محاكمة صورية عاجلة في دار الإذاعة ببغداد، مع اثنين من مرافقيه، وعرض جثثهم، بطريقة مهينة، على شاشة التلفاز، في نفس اليوم. تلت ذلك حملة اعتقالات وتعذيب وتصفيات، طالت أعضاء ومؤيدي الحزب الشيوعي خاصة. وإذا كان الحزب الشيوعي يستعيد ذكرى « يوما لا يقارن ما ارتكب فيه من جرائم الا بما اقترفه الفاشيون والنازيون، وقد يكون فاقهم فيها… ويصعب تصور حجم الدماء الشيوعية الغالية التي سفحها الانقلابيون الفاشيون، وكم الارواح العزيزة التي ازهقوها»، ببيانات وتصريحات نارية، لا يذكر فيها تحالفه ومشاركته الحكم مع أولئك « الانقلابيين الفاشيين» بعدها ببضع سنوات وتصفية جميع القوى الأخرى هذه المرة.

قسمت الصراعات الدموية الضحايا الى « شهداء» يحملون ختما خاصا بأحد الأحزاب دون غيره. بات الشهيد ملكا خاصا خاضعا للتغييب أو المزايدات السياسية والاستغلال المادي. وبدت الصورة بأوضح صورها في فترة ما بعد الغزو. فصار «الشهيد»، في الأحزاب الطائفية، ورقة مقايضة للحصول على المناصب والعقود والابتزاز

يستعيد حزب البعث ذكراه، هو الآخر، ولكن كيوم ثورة “قوضت الحكم الديكتاتوري القاسمي بعد ان انحرف بثورة 14تموز 1958، عن مسارها الوطني والقومي». نُشرت تأكيدا لهذه النقطة، على مواقع التواصل الاجتماعي، صورا ‏ وُصفت بأنها « نادرة جدا لشهداء ثورة الشواف قبل وبعد إعدامهم. الثورة التي انتفض فيها اهل ‎ الموصل ضد الطاغية الدكتاتور عبد الكريم قاسم ودموية الحزب الشيوعي الذي قتل عشرات الآلاف من اهالي الموصل وكركوك ومناطق أخرى من العراق».
وذكر بيان أصدره حزب البعث، الأسبوع الماضي، بأن “الحزب قدم من اجل الثورة كوكبة من الشهداء الابطال»، كما تطرق الى ما اسماه «ردة 18-11- 1963 واصفا إياها بأنها» اقترنت بشن حملات قمعية ضد مناضلي حزب البعث العربي الاشتراكي الابطال من اجل اجتثاثه والقضاء عليه واعتقل آلاف البعثيين وتعرضوا للتعذيب والاعدامات والحرمان الوظيفي».
قسمت الصراعات الدموية الضحايا الى « شهداء» يحملون ختما خاصا بأحد الأحزاب دون غيره. بات الشهيد ملكا خاصا خاضعا للتغييب أو المزايدات السياسية والاستغلال المادي. وبدت الصورة بأوضح صورها في فترة ما بعد الغزو. فصار «الشهيد»، في الأحزاب الطائفية، ورقة مقايضة للحصول على المناصب والعقود والابتزاز.
ولم يقتصر شهر شباط على صراعات وتقاتل الأحزاب الرئيسية فحسب بل تعداها الى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، يوم 13 شباط/فبراير، عام 1991، أمره بقصف ملجأ العامرية المدني، ببغداد، بقنابل (ذكية) حرقت 800 طفل وامرأة اتخذوا من الملجأ ملاذا، من القصف اليومي المستمر، على بغداد، خلال التسعينيات. فأصبحت اجساد الضحايا المتفحمة شهادة حية على جريمة لم يحاسب عليها أحد. جريمة ستبقى «عارا على الإدارات الأمريكية المتعاقبة طالما انها لم تعتذر لذوي الضحايا، وطالما انّها لم تتخذ الاجراءات القانونيّة لمحاسبة المخطّطين والمنفذين لجريمة الحرب هذه»، حسب مركز جنيف الدولي للعدالة.
ان مسؤولية الحرب العدوانية ضد العراق، وهي الجريمة الدولية العليا كما عَرفٌتها المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تقع على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية وشريكتها الأولى بريطانيا. وإذا كان الاحتلال قد قرر محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، كما صرح بنيامين ب. فيرينكز، أستاذ القانون، وأحد المدعين العامين للولايات المتحدة في المحاكمات العسكرية للمسؤولين الألمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في مقابلة أُجريت في 25 آب/أغسطس 2006 فانه « كان يجب محاكمة جورج دبليو بوش، أيضاً، لأن حرب العراق كانت قد بدأت من قبل الولايات المتحدة بدون إذن من مجلس الأمن الدولي». وعن إمكانية تحقيق العدالة قانونيا، قال: «يمكن أن تكون هناك دعوى مقنعة بأن الولايات المتحدة مذنبة بارتكاب الجريمة العليا ضد الإنسانية، لكونها حربا عدوانية غير شرعية ضد دولة ذات سيادة».
هذه الجريمة الدولية الأعلى، التي يصر البعض على اعتبارها «تغييرا»، شرذمت الأحزاب العراقية، المؤسسة قبل وبعد الاحتلال، وجردتها من آخر رابط يمنحها شرعية الوجود، وهو الوطنية وتمثيل العراقيين بشكل حقيقي. ليصبح شهر شباط، بتصريحاته الجوفاء وانتقائيته الشعبوية في النظر الى احداث تاريخية تتطلب تشخيص الحقيقة، نموذجا لاحتضار حزبي دام أمده. وستبقى مسؤولية اجبار الدول المعتدية على الاعتذار وتحمل مسؤولية الاضرار التي الحقتها بالبلد بشريا وعمرانيا، مؤجلة بانتظار استعادة الدولة وحكومة وطنية لا تحمل تابوت شهر شباط الثقيل على كتفيها.

كاتبة من العراق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*