الرئيسية / home slide / من سيرة نضال الراحل شفيق الغبرا وجيله: «حياة غير آمنة» في طبعة جديدة بالإنكليزية

من سيرة نضال الراحل شفيق الغبرا وجيله: «حياة غير آمنة» في طبعة جديدة بالإنكليزية

الراحل شفيق الغبرا

 أحمد سيف
 القدس العربي
08092021

يتزامن رحيل أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت شفيق ناظم الغبرا (1953 ــ 2021) مع صدور طبعة جديدة معدلة باللغة الإنكليزية لكتابه «حياة غير آمنة» الصادر عن دار الساقي عام 2012.
يحكي الغبرا من خلال تجربته كمقاتل في حركة فتح ما بين آذار/مارس 1975 وحزيران/يونيو 1981 خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ومقاومة الغزو الإسرائيلي للبنان، ليصبح شاهداً على مرحلة حافلة بالتغيرات، التي ما زالت آثارها تعصف بمنطقتنا، وأسست لملامح الوضع الراهن من توقيع السادات اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978، إلى الثورة الإيرانية وعودة الإمام الخميني في شباط/فبراير 1979 من منفاه إلى طهران، إلى الحرب الأهلية في لبنان وغزو لبنان وحصار بيروت صيف 1982.
يؤرخ الكتاب، من خلال تجربة شخصية فريدة، للقارئ الأجنبي المهتم بقضية فلسطين وقضايا المنطقة ولجيل من الشباب العربي المغترب والمسلم، تجربة جيل طموح وشجاع، لم يفقد الأمل بحل عادل لقضية فلسطين ولنهضة الشعوب في المنطقة.
لم يندثر الحلم وإن هزمت وأحبطت أيضا تجربة الشباب العربي لاحقا قبل عقد من الزمان، وانتهت بتخريب معلن إسرائيلي أمريكي، ومحاولات متواصلة بكل الأساليب لاجتثاث آمال الشعوب في المنطقة في الحرية والعدالة، لكن كما يقول الغبرا، بعد العدوان الأخير على غزة «ظنت إسرائيل دائما أنها انتصرت، لتكتشف أن جيلا آخر سيقود ضدها معركة لاحقه قريبا». ويرى أن هذا لن يتوقف ما دامت هناك أجيال جديدة كتب عليها أن تعاني من الاضطهاد وغياب الحرية والعدالة، ومؤخرا محاولة بعض الحكام تسخير مقدرات المنطقة لخدمة توسع إسرائيل المحتلة والمعتدية طمعا فى نوع جديد من الحماية الدائمة.

شريك في المقاومة

مع اندلاع الحرب في لبنان بين تحالف القوات الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية من جهة، وقوات الجبهة اللبنانية من جهة أخرى، ترك الغبرا جامعته لحظة تخرجه من جامعة جورج تاون في واشنطن، وتوجه في مارس 1975 إلى بيروت لينضم إلى مئات المتطوعين الفلسطينيين والعرب وغيرهم من أنصار القضية الفلسطينية، واختار العمل الميداني والعسكري، ووجد نفسه بعد فترة في معسكرات حركة فتح يتدرب وبرفقته نخب متعلمة وملتزمة، تخوض معارك أحيانا في مواجهة القوات الانعزالية ولاحقا في معارك ضد القوات الإسرائيلية الغازية للبنان.

جيل جديد

من ناحية أخرى يرى الغبرا أن هزيمة يونيو عام 1967، ساهمت إلى حد كبير في صياغة جيل عربي جديد يرتبط بالهوية العربية والقضية الفلسطينية، أخذ على عاتقه مهمة تحرير ما احتلته إسرائيل من أراض عربية في سوريا ومصر وباقي الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة، وتحقيق النهضة في المنطقة.
يصعب تصور أن شبابا في مطلع العشرينيات من العمر يتولون مهمات كهذه، وكان معظمهم على مقاعد الدراسة قبل شهور.. هؤلاء الشباب مثلوا جيلا كاملا كان يبحث عن مخرج من المأزق العربي وحكم الديكتاتوريات في المنطقة، ووجد في التحالف الفلسطيني اللبناني الوطني مكانا مناسبا.
كان ما عرف بالسرية الطلابية، ولاحقا بكتيبة الجرمق، بيتا فتحاويا رحبا، ضم نخبا متعدد الثقافات والاتجاهات من معظم الدول العربية، ومقاتلين من بلاد وشعوب مختلفة، فاق عددهم أحيانا عدد الفلسطينيين واللبنانيين، جمعهم طموح تغيير الواقع عبر المقاومة الفلسطينية اللبنانية، ومقولة إن الصراع وحل الخلافات يتم وفق مبدأ التناقض الرئيسي مع العدو الإسرائيلي. كانوا يعارضون في غالبيتهم سياسة القيادة الفلسطينية لجهة طرق وإدارة الصراع مع إسرائيل، ولديهم مآخذ واسعة على الترهل التنظيمي، وبعض السياسات الفلسطينية تجاه التسوية، لكن القيادة الفلسطينية خاصة القائد أبو جهاد الرجل الثاني في فتح، والمسؤول عن ملف الأراضي الفلسطينية المحتلة ونائبه محمود العالول نائب رئيس فتح الحالي، أحاطا التيار وظاهرة الاختلاف بالعناية اللازمة، في حين كان عرفات يخشى تطرف وانشقاق كوادر من أمثال ناجي علوش ومنير شفيق المنظر الأيديولوجي والمعارض السياسي، الذي اختلفت آراؤه ومن بينها رأيه في تجربة القائد الصيني ماو تسي تونغ كنموذج يحتذى، في حين كان في الجوار في حي الفاكهاني، جناح آخر رسمي يمثله الإعلام الفلسطيني، خاصة مجلة منظمة التحرير الفلسطينية المركزية «فلسطين الثورة» يتبنى مبدأ التحالف الاستراتيجي مع (الاتحاد السوفييتي) ويدعم كليا المواقف الرسمية للقيادة الفلسطينية ولم يكن يرى في الوضع الداخلي وقضية الإصلاح مسألة ملحة.

ظل الغبرا ملتزما بعروبته عمل في الكويت وفي واشنطن في مجالات متعددة، وواصل التزامه بقضيته وبقضايا النهضة والتحرر، وقدر الغبرا عاليا سياسات الكويت التي تميزت بالصدق والدعم غير المشروط لقضية فلسطين وقضايا العروبة الأخرى.

مواجهات مستمرة

يروي الغبرا تفاصيل المواجهات على مدار سنوات دارت في الجنوب، وفي بيروت عاشها مقاتلا ثم قائدا ميدانيا. قبل ذلك يروي تفاصيل صدامات دموية أخرى مع قوات النظام السوري، عندما قرر الرئيس السابق حافظ الأسد في صيف 1976 التدخل عسكريا في لبنان والتحالف مع القوات اللبنانية.. كالمعركة التي خاضها في بحمدون قرب بيروت برفقة المسؤول الفتحاوي محمود العالول، وكيف أن توجيهات دقيقة من أبو جهاد قادتهما إلى فك الحصار والوصول إلى بيروت.
كان الجنوب اللبناني مرتعا خصبا للأحلام والآمال ولتجربة فريده شجاعة، في المواجهة المباشره مع العدو، الذي لم يكن ليسمح لأن تشكل هذه الظاهرة وفي هذه المنطقة، تهديدا متواصلا وحقيقيا لأمنه، بل كيانه، فضرب قواعد المقاومة، ولم يميز في ضرب الناس ومصالحهم، تأليبا على المقاومة ولتهجيرهم. نجحت إسرائيل في جعل الجنوب ميدان حرب وأجبرت الكثير من الجنوبيين على النزوح شمالا، هنا يلاحظ الغبرا قصور سياسات المقاومة في التعامل مع الجنوبيين، الذين احتضنوا المقاومة، وضرورة العمل على إبقاء الحلفاء الطبيعيين في أماكن سكناهم.

كتيبة الجرمق

في مرحلة لاحقة قررت إسرائيل غزو واحتلال الجنوب، بعد أن فشلت عبر عملائها وعلى رأسهم سعد حداد، في توفير الأمن لجنوده وللمستوطنات.. معارك طاحنة خاضها المقاومون، تحملت كتيبة الجرمق خلالها مسؤوليات جسام، بل إن ياسر عرفات في أحد زياراته الميدانية، أبلغ الضابط (جهاد) وهو الاسم الحركي لشفيق الغبرا، ومجموعات الجرمق مسؤوليتهم في الدفاع عن قلعة الشقيف، أهم موقع عسكري في الجنوب. من مارون الراس إلى النبطية وبحمدون وصور وصيدا، خاضت كتيبة الجرمق بقيادة عدد من الكوادر في طليعتهم معين الطاهر المسؤول الشاب والمختلف، في فتح الذي واكب مسيرة السرية الطلابية منذ نشأتها. توإلى سقوط الشهداء من الكتيبة، ونجا الغبرا كما قلة أخرى من القيادات الميدانية، بمحض الصدف من موت محقق في مواجهات عديدة، بعضهم لاقى حتفه لاحقا في مواجهة الغزو الإسرائيلي وحصار بيروت صيف عام 1982.
كثرة الشهداء والتناقضات بين الفصائل، وإشكالات حقيقية مع أهل الجنوب، وسوء أحوالهم وصدامات مع حركة أمل، إضافة إلى استراتيجية إسرائيلية ثابتة لتغيير الوضع في الجنوب مهما كان الثمن، أحداث كانت تنذر بما هو مقبل وأكثر خطورة.. وصولا إلى غزو لبنان ومحاصرة بيروت وإجبار فصائل منظمة التحرير على مغادرة بيروت، وما تلا ذلك من ارتكاب القوات الانعزالية والقوات الإسرائيلية مجزرة صبرا وشاتيلا 1982.

كامب ديفيد

وقّع أنور السادات الرئيس المصري اتفاقية كامب ديفيد 1978 مع إسرائيل، وحسب الكاتب كان لذلك وقع شديد على معنويات المقاتلين وموازين القوى في المنطقة، حيث تم تحييد مصر وترك المجال مفتوحا لتنفرد إسرائيل بالمقاومة. ومع انتصار الثوره الإيرانية، بادر عرفات الذي كان يدرب ويدعم المعارضة الإيرانية لزيارة طهران، والتقى آية الله الخميني آملاً في فك الحصار. وسيكون لهذا الحدث ولخروج مصر من الصراع المباشر مع إسرائيل، تأثير لا حدود له أعاد وفي فترة وجيزة، تشكيل الأطر التقليدية في الساحة اللبنانية.. فقد أصبح للشيعة ممثل آخر على صلة بالمقاومة، انتقل إليه كثير من المقاتلين اللبنانيين وبعض قادة حزب الله لاحقا، أما السرية الطلابية وكتيبة الجرمق فقد دفعت ثمنا باهظا في تصديها الباسل للعدوان الإسرائيلي، وتركت لتنزف وتفشل في تحويل التيار إلى نهج رئيسي فاعل داخل فتح، وصارت جاهزة على الأقل قيادتها الفكرية، لركوب موجة الإسلام السياسي، وسيثير إعلان منير شفيق إسلامه وانتقاله لتبني ودعم الثورة الإيرانية جدلا واسعا داخل كتيبة الجرمق وحركة فتح.
وكان هذا نذيرا لمستقبل الحركة وكتيبة الجرمق وامتدادها الشعبي والتنظيمي. ورأى الكاتب أن كل شيء ينبئ بمرحلة جديدة ولاعبين جدد..
«اعتقدت إسرائيل أن الفرصة مواتية للقضاء على المقاومة الفلسطينية اللبنانية، وقامت بغزو لبنان وحصار بيروت عام 1982. وفي الصيف التالي عام 1983 هاجمت القوات السورية في طرابلس شمال لبنان، الوجود الفلسطيني المحدود، ومنعت عرفات ورفاقه من الإبقاء على موطئ قدم في لبنان، وكان مصير المقاتلين ـ وأنا واحد منهم ـ أن يغادروا بالسفن مجددا غلى مناف جديدة لكن هذه المرة بمشيئة النظام السوري.
حان وقت أن يغادر الغبرا مع أسرته بيروت في أيار/مايو 1981عائدا إلى الكويت، البلد الذي ولد فيه، شعر بأنه قام بواجبه وبأن بإمكانه مواصلة النضال بطرق مختلفة.. ظل الغبرا ملتزما بعروبته عمل في الكويت وفي واشنطن في مجالات متعددة، وواصل التزامه بقضيته وبقضايا النهضة والتحرر، وقدر الغبرا عاليا سياسات الكويت التي تميزت بالصدق والدعم غير المشروط لقضية فلسطين وقضايا العروبة الأخرى.
مؤخرا أنجز الغبرا قرابة أربعين حلقة تلفزيونية مصورة عن تاريخ القضية الفلسطينية، وكان حريصا حتى أيامه الأخيرة على أن ينجز هذا الكتاب ــ الذي لم يره ـ في نسخته الإنكليزية. آمن الراحل بكل جوارحه بقضية فلسطين وهو ابن عائلة طردت من حيفا عند قيام إسرائيل ووقوع النكبة، وآمن بأن النهضة العربية مقبلة لا محال وإنه لا يمكن الفصل بين المسألتين.

كاتب فلسطيني