الرئيسية / home slide / من “النفير العام” إلى نفوذ إيران: شبح الهجرة يعود في مئوية لبنان

من “النفير العام” إلى نفوذ إيران: شبح الهجرة يعود في مئوية لبنان

مهاجرون (تعبيرية).

رسمت الهواجس المتعاظمة من خسارة لبنان نخبة مواطنيه وسط أزمة اقتصادية عاصفة بمفاصله والمترافقة مع هيمنة سياسية وعسكرية ساقت لبنان الى محور مرتبط بنفوذ إيرانيّ متحكّم بموارد البلاد من الحدود البرية الى المرافق العامة، مشهداً أعاد أذهان باحثين وموثّقين لبنانيين إلى مرحلة كانت شهدتها متصرفية جبل لبنان قُبيل دخول السلطنة العثمانية الحرب العالمية الأولى وعرفت بـ”النفير العام” أو “التعبئة العامّة”، والتي شهدت هجرة الطبقة النخبوية من جبل لبنان. ويظهر حديث الأرقام حجم النزيف الذي شهدته المتصرفية في تلك المرحلة، إذ غادر 97000 شخص بين 1900 و1913 مع متوسط سنوي بلغ 6929، في وقت لم يعرف نظام المتصرفية منذ نشوئها وحتى سنة 1895 هجرة أكثر من 12000 شخص فقط. واتّخذ 88000 شخص الهجرة وجهة له بين عامي 1919 و1938 مع متوسط سنوي بلغ 4400 شخص. وشقّ 49000 مواطن طريق الاغتراب بين 1946 و1959 مع متوسّط سنوي 3500 شخص. وأظهر احتساب أعداد المهاجرين بين عامي 1950 و1974 الواردة في جداول كتاب الهجرة اللبنانية أن عدد المهاجرين بين 1950 و1974 بلغ ما يقارب 167143 شخص. وبلغ العدد بين عامي 1975 و1990، 493717 بحسب إحصاءات المديرية العامة للأمن العام.

تظهر الأرقام مدى ارتباط تصاعد أعداد المهاجرين أو انخفاضها بالحالة السياسية والأمنية في البلاد. ويفنّد القاضي في المحكمة المارونيّة والباحث السابق في المركز الماروني للتوثيق والأبحاث الأب اسطفان الخوري أسباب الهجرة الكثيفة في مرحلة محدّدة في قوله لـ”النهار” إنّ “العثمانيين منعوا التجارة الخارجية عن أهالي جبل لبنان بعد حرمانهم بشكل غير مباشر من المرافئ البحرية التي تتيح لهم التجارة الخارجية (كانت المرافئ تتيح التجارة الداخلية فقط)، اذ رفضت السلطنة ضمّ بيروت وطرابلس والسهول الشمالية والجنوبية الى المتصرفية بهدف منع الزراعة الداخلية المثمرة والتجارة الخارجية عن الأهالي والتضييق عليهم في مساحة لم تكن كافية لتأمين المعيشة فهاجر السكان بكثافة بحثاً عن لقمة العيش. أتى ذلك في وقت كانت فرنسا تدعم قيام لبنان الكبير في تلك المرحلة وفق خريطة رسمتها البعثة الفرنسية سنة 1860”.

ويروي الأب الخوري صاحب كتابي “مجاعة أهالي جبل لبنان” و”وثائق البطريرك الياس الحويك السياسية” أن “العثمانيين أطلقوا النفير العام أو التعبئة العامة قبل دخولهم شركاء الى جانب دول المحور في الحرب العالمية الأولى بغية تكريس ما قد يحتاجه الجيش العثماني اذا قرّرت السلطنة دخول الحرب (بلغت المدة الزمنية شهرين بين النفير العام ودخول السلطنة الحرب)، ما رسم هواجس لدى سكان جبل لبنان الذين هاجر قسم كبير من الذين خوّلهم وضعهم الاجتماعي واستطاعوا الى الهجرة سبيلاً ، وكان من بينهم بشارة الخوري الذي غادر الى مصر وروى تجربته في كتابه حقائق لبنانية. وكانت المهلة محدودة تبلغ شهرين بين النفير العام ودخول السلطنة في الحرب. وبعد دخول السلطنة غمار الحرب في خريف 1914، منعت السكان من الهجرة”.

وفي مقارنة بين تلك الحقبة والمرحلة التي يمر بها لبنان اليوم، يرى أنّ “قرارات الدولة العثمانية أثّرت على هجرة سكان جبل لبنان بطريقتين. وتمثّلت الطريقة الأولى في احتكار العثمانيين وجهة التحالفات وقرار الحرب والسلم. فقد دخلوا الحرب وزجوا جبل لبنان فيها ضدّ الحلفاء في وقت كانت المتصرفية التي كانت يطلق عليها اسم مزرعة الحرير، ترتكز في اقتصادها على تجارة الحرير المصدّر الى مصانع الحرير في مارسيليا جنوب فرنسا. وعندما اتخذ العثمانيون قرار الحرب عطّلوا هذه التجارة التي كانت مصدر عيش الأهالي وضربوا الأموال التي كانت تصل اليهم من المهاجرين. أدّى ذلك الى عدم سماح الحلفاء بإرسال الأموال بالطرق التقليدية من قبل المغتربين الى اهاليهم في المتصرفية، لأن تلك الأموال أصبحت تستخدم من قبل العثمانيين الذين كانوا يسيطرون على الموارد ويستخدمونها لمصلحتهم. ويشبه هذا الواقع ما يحدث في لبنان اليوم، باعتبار أن التدقيق في عملية إدخال الأموال الى لبنان سببه أنه سيستخدم من النظام الخاضع لإيران والمعادي للدول الصديقة، وهذا التدقيق اعتمد من الحلفاء قبل مئة سنة الذين احتكموا الى طريقة خاصة لإدخال الأموال إلى أهالي جبل لبنان من دون استغلالها من قبل أزلام العثمانيين، اذ كانت تصل المبالغ إلى الأهالي سراً أو عبر تحويل الأموال الى الجامعة الأميركية في بيروت التي شكّلت صلة وصل مع أهالي المتصرفيّة”.

ويخلص الأب الخوري الى أن “المرحلة التي يمرّ بها لبنان اليوم تشبه الى حدّ بعيد مرحلة التعبئة العامة التي قام العثمانيون بها قبل دخولهم غمار الحرب في وجه الحلفاء، إذ إنّ قرارات ايران هي التي تحرّك الحكومة اللبنانية التي يسيطر عليها حزب الله، في وقت ايران هي صاحبة القرار بالنسبة الى الحزب، ما يزجّ لبنان في حروب باردة وساخنة بعدما دخل حزب الله الحرب في الخليج واليمن وسوريا ما أدّى الى تدهور العلاقات مع الدول الراعية للاقتصاد اللبناني”.

يتناول المؤرّخ الدكتور عصام خليفة البعد العلمي في مقاربة مظاهر الهجرة اللبنانية في قوله لـ”النهار” إنّ “أوّل مهاجر لبناني يُقال إنه كان طانيوس البشعلاني من صاليما الذي هاجر سنة 1854، إلّا أنّ الهجرة القوية حصلت في فترة المتصرفية وقبل الحرب العالمية الاولى. وهناك أسباب ضاغطة وأخرى جاذبة أدّت الى الهجرة في تلك المرحلة أبرزها نتيجة مجموعة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية معقّدة مختلفة نتيجة كثافة السكان في رقعة جغرافية صغيرة أوّلاً، وعدوى السفر إذ كانت تأتي الأخبار من بعض المهاجرين الى قراهم بأنهم أصبحوا أثرياء ويرسلون الأموال الى أهلهم ما يشجّع سواهم من السكان على الهجرة تمثّلاً بهم ثانياً. أمّا السبب الثالث فهو يحمل جانباً سياسيّاً، في ظلّ توافر ظروف أفضل عبر الهجرة من الدولة العثمانية الى دول أخرى. وما لبث لبنان أن ربح مهاجرين أتوا اليه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى سنة 1918”.

بحسب خليفة، فإنّ “لكلّ مرحلة لها ظروفها ومعطياتها الجغرافية والتاريخية المؤثرة على الأحداث. في سنة 1914 كان جبل لبنان عبارة عن كيان حكم ذاتي وأصبح له هوية في الوقت الحاضر بخلاف تلك الحقبة. وكانت حقبة العثمانيين مختلفة عن هذه الفترة على صعيد المواصلات الصعبة يومذاك في وقت كان نظام المتصرفية يرتكز على الحرير أكثر من أي سلع أخرى، وكانت دول الاغتراب تستقبل أعداد المغتربين بسهولة أكثر من المرحلة الحالية لأنّها كانت بحاجة الى مهاجرين ويد عاملة أكثر من اليوم”، مشيراً الى “أنّ للدولة العثمانية كما لكلّ دولة ايجابيات وسلبيات وقد توسّع اللبنانيون في ظلّ الدولة العثمانية ديموغرافياً فيما سميّت فترة المتصرفية بفترة السلام الطويل التي تمتعت باستقلال ذاتي، اذ يعتبر لبنان نقطة صراع دولي في شرق المتوسط وقد أراد الفرنسيون التوسع في ظلّ أهداف في المنطقة، لكن وجودهم أعطى من خلال المدارس والإرساليات نتائج ايجابية على الصعيد الثقافي والتطور الاقتصادي والاجتماعي والتجاري وعلى صعيد السلع المختلفة”.

majedboumoujahed@annahar.com.lb