الرئيسية / home slide / من الحداثة الأدبية إلى تسبيحات فيروز الملائكية: ذكريات بيروتية

من الحداثة الأدبية إلى تسبيحات فيروز الملائكية: ذكريات بيروتية

منذ 3 ساعات

عبد الواحد لؤلؤة

القدس العربي
03072022

منذ أيام المدرسة الابتدائية كنتُ من المُعجَبين بالكتب التي تَرِدنا من بيروت، لما فيها من قصص ومقالات مستوحاة من كتب الأدب العربي الرئيسة، مثل كتاب «ألف ليلة وليلة» بعد تشذيب قصصها، وكتاب «كليلة ودِمنة» ومختارات من الشعر العربي القديم والحديث. وكانت تلك الكتب أنيقةً في طباعتها وإخراجها، فشكَّلَت بذلك أول ما أسّس فينا محبة الكتاب والمطالعة في كتب أدبية، وكنّا عند انتهاء اليوم المدرسي نعود إلى الدار ونتخفّف من كتب ذلك النهار المدرسي، ثم نأخذ طريقنا إلى المكتبة العامة في المدينة، جماعاتٍ ووحدانا، نتحدث عما قرأنا يوم أمس أو في الأسبوع الماضي، وينصح بعضنا بعضاً بقراءةِ هذا الكتاب أو ذلك الكاتب. وفي المدرسة المتوسطة كان معلم اللغة العربية يطلب منّا أن نقدم في آخر الأسبوع تقريراً بصفحتين أو ثلاث عن كتاب قرأناه فأعجبنا. وفي المدرسة الإعدادية، في أواخر أربعينات القرن الماضي، صارت تَصِلنا من بيروت كُتيِّبات صغيرة في علم النفس مترجمةً بتلخيص عن كتب أمريكية بعنوانات جذّابة مثل: «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس» ومثل: «عدوّك الأول هو الخوف» و«علم النفس يَدلّك على الطريق». وشاعت تلك الكُتيِّبات بين شباب القُرّاء، وزادت من مَحبتنا ما يصدر من بيروت من كتب، وازداد شوقنا لزيارة بيروت، على أمل التمتّع بالجو الثقافي… لمن استطاع الوصول إليها سبيلا. وقد تحقّق لي بعض ذلك في خريف عام 1955 يوم حصلتُ على بعثة وزارة التربية العراقية للدراسة العليا في جامعة هارفرد الأمريكية العريقة. وكانت الطائرة العراقية تصل إلى بيروت فقط، لتنقلنا طائرة أخرى على مرحلتين إلى مطار بوستن، ثم نكمل إلى كمبرج بالسيارة. كان علينا قضاء يومين في بيروت قبل متابعة السفر إلى أمريكا. وكانت هذه فرصتي الأولى للتجوّل في بيروت والتعرّف على شوارعها ومكتباتها والجامعة الأمريكية ومطعم فيصل مقابلها، على أمل الالتقاء ببعض الأدباء والكتّاب الذين كنا نسمع أنهم يجتمعون في ذلك المطعم الفريد. وفي شارع الحمرا الذي لا يقل شهرةً عن مطعم فيصل شمَمتُ رائحة شُواء لذيذة، فاختارني من بين الواقفين صاحبُ المحل بطربوشه الأحمر الفاتح وشواربه الأبو زيد الهلاليّة، وناولني قبل أن أطلب منه «صفيحة» تكلِّلها غمامة من أبخرة التوابل كنت أجاهد لأكلها قبل أن تنفذ حرارتُها إلى يدي من خلال المنديل الورقي السميك الذي يحتويها.
والمرّة الثانية التي نعِمتُ فيها بزيارة بيروت كانت في صيف 1957 لدى عودتي من هارفرد بشهادة الماجستير في اللغة الإنكَليزية وآدابها. ولكن هذه المرة كانت زيارة مرتبطة بزيارة الشام، البلد العزيز على كل عراقي، ولا أحسب أن بوسع أي خيال أن يقارن بين دمشق الخمسينات وبين ما نسمعه عنها اليوم، وما نراه من صور تنقلها وسائل الإعلام العالمية. كما لا أحسب أن أي بلدٍ في العالم فيه ما يشبه «مَيتِلفيجِه الباردة» تسُحّ «من قفا البلاطة» إلى صنبور يشرب منه المارّة العُطاشى أو يبرّدون به وجوههم. كما لا أظن أن أي بلد في العالم فيه ما يشبه سوق الحميدية الذي يستقبلك بطرقات المِدَق في «أجران البوظة» التي لم يُخلق مثلها في البلاد. ولكن هذا كله صار من «حكايا أيام ستّي وستّك» و«ما إلنا غيرك يارَب».
وزيارتي الثالثة لبيروت كانت في أواخر صيف 1962 عند عودتي من أمريكا في بعثة ثانية، حاملاً الدكتوراه في الأدب الانكَليزي، وكانت هذه الزيارة غنيّةً بشكل خاص لأني جئتُ متحمِّساً للتعرّف على أدباء الحداثة الجدد، وبخاصة شعراء «مجلة شعر» الذين التقيت بعضهم في مجلس أدبي في دار تقع في زقاق البلاط أحسبها كانت تعود إلى يوسف الخال مؤسس «مجلة شعر». هناك تعرّفتُ على الشاعر الفلسطيني- اللبناني توفيق صايغ الذي أوصاني أستاذي المرحوم جبرا ابراهيم جبرا بالتعرف عليه. تحدّثتُ مع توفيق بحضور جماعة الشعراء الحداثيين عن شقيقه الأكبر يوسف الصايغ الذي زارنا في جامعة هارفرد عام 1956 وكان الجو في أمريكا مثقلاً بالدعاوة الصهيونية، وقد زادته ثقلاً غَولدا مائير التي جاءت قبل يوسف الصايغ بأسبوع وألقت محاضرة خبيثة في جامعة براندايس الصهيونية في بوستن (وهي الجامعة التي احتضنت لاحقاً سياسياً عراقياً معروفاً، لمَعَ نجمُه في الغزو الأمريكي للعراق عام 2003). وجاء بعد زيارة غولدا رئيسة تحرير مجلة مصرية كلُّ مؤهلاتها أنها «بتاع إنكليزي» فأرسلوها لتلقي محاضرة تردّ بها على ادّعاآت العدو، لكنها جاءت بكامل المكياج القوس قزحي، وبدأت الكلام بلغة ركيكة ولهجة مكسّرة. فلما سألوها هل صحيح أن عبد الناصر قال إننا سنرمي اليهود في البحر، كان جوابها اللايوصف: «يوووه، زاتِ إزِّ فورِ لوكَل كونسَمبِشِن»: هذا للاستهلاك المحلّي! ولا أستطيع اليوم تصوّر الهياج والصفير من الجمهور في القاعة.
ولكن بعد ذلك بأسبوع جاء يوسف الصايغ فزلزل الجمهور المشحون عدائيا، وراح يتكلم بلغة راقية ومنطق يرغم الجمهور على الإصغاء والاحترام، فشعرنا نحن العرب القلائل في الجامعة بشيء من ردّة الروح. كانت هذه ذروة المتعة في هذه الزيارة لبيروت التي ختمها توفيق صايغ بسؤالي: هل كتبت شيئا بالعربية في هذه الأثناء؟ فقلت له انني كتبت مقالا عن رواية أصدرها بالانكَليزية أستاذنا وصديقنا المشترك جبرا بعنوان «صيادون في شارع ضيق» فقال هاتها لتنشر في مجلة الآداب البيروتية، فكانت بذلك أول ما نشر عن هذه الرواية.
وبعد عام 1962 وبداية التدريس بجامعة بغداد صارت زيارة بيروت مقصورة على العطلة الصيفية والسفر بالسيارة وقطع حوالي ألف كيلومتر في الصحراء بين بغداد ودمشق ومنها إلى بيروت بعد التوقّف في منطقة المصنع للراحة والتمتع بسندويشة «اللّبنِه» في مقهى «لور دكّاش» التي كنا نلفظها «لورده كاش» وكانت الوجهة الأساس دور النشر للتعرف على أصحابها مثل المرحوم خير الدين حسيب صاحب «مركز دراسات الوحدة العربية» والمرحوم رياض الريّس صاحب دار النشر باسمه. وقد كان الاثنان كريمَين في التعامل مع المؤلف أو المترجم، وهو وصف لا ينطبق على كثير من الناشرين بعدهما.
وكانت آخر زيارة لبيروت نوعاً من المغامرة في شباط/فبراير 1976 عند بداية «الحويدس». وصلنا إلى دمشق بالطائرة ولم نصبر أكثر من يوم واحد حتى بدأتُ بمراجعة كراج بيروت فقالوا لي إن الثلوج تغطّي ضهر البيدر، و«فيه حويدس». ولكن في اليوم الثاني صار الطريق سالكا بصعوبة، ولابد من صنعا وإن طال السفر. وبدأنا السفر بين جبال الثلوج وصولاً إلى» سندويشة لور دكاش» التي لا تتم متعة السفر بدونها.
وبعد تلك الزيارة-المغامرة صار التواصل مع بيروت بالرسائل وبالهاتف أحيانا ًولاحقاًعلى الإنترنت. وهذا كله لا يعوِّض عن السفرة الفعلية ومقابلة الناس والتحدث معهم مباشرة. ولكن من نعم الله على الإنسان إختراع الكمبيوتر الذي صار بوساطته يمكن «رؤية» بيروت وسماع أصوات الناس فيها، بدءاً من بيّاع الصفيحة والشاورما، صعوداً إلى… تسبيحات فيروز الملائكية. ولكن الصعود الجبلي من بيروت إلى بعلبك بسيارة فولكس فاكَن لحضور حفلة فيروز لا يمكن أن يعوض عنه أي كمبيوتر! وهل ثمة من نشوة لرؤية البحر و«الروشة» غير ما يوفِّرُه الحضور الجسدي في بيروت؟ وماذا نرى في بيروت هذه الأيام؟ أكداس من القمامة نثرها أهل بيروت، وليس آخرون جاءوا من أصقاع غير متحضرة. فكيف رضي بذلك أهل بيروت؟ ولَو هيدا مش بلد فيروز؟

 عبد الواحد لؤلؤة