من الجذور الإسلامية للرأسمالية مروراً بصعود أهل النفوذ: بيتر غران والتأريخ للحداثة

محمد تركي الربيعو
القدس العربي
10082019

في الإجابة عن جذور الحداثة في العالم العربي، غالباً ما كانت تبرز شخصية نابليون بونابرت بوصفها الشخصية التي تقف وراء هذه النهضة. فالعالم العربي والإسلامي، وفق هذه الرؤية، كان يغط في نوم عميق قبل أن يأتي بونابرت بمدافعه ليوقظه من نومه العميق. ورغم أن هذه السردية بقيت من السرديات السائدة، ربما ليومنا هذا في عدد من كتابات الحداثويين العرب، إلا أن هذه النتيجة لم ترح بال باحثين غربيين كثر، خاصة أن هذه الرؤية كانت دائماً تتناقض مع صورة شخص مثل الجبرتي، المؤرخ المصري، الذي يُعدّ من إنتاج القرن الثامن عشر (وليس التاسع عشر قرن الحداثة)، فهذا الرجل رغم أن اتصاله بأوروبا بقي محدوداً للغاية، إلا أنه استطاع إعداد أعظم كتاب تاريخ لدينا حول مصر الحديثة.
وقد دفعت هذه المفارقة بالبعض إلى رفض فكرة أنه استثناء ليس إلا، أو أنه عبقري في عصر الظلمات، واقتراح التركيز بدلاً من فكرة العبقري على خوض غمار البحث في القرن الثامن عشر والقرون السابقة عن قرن الحداثة (التاسع عشر وفق السردية الحداثوية التقليدية). في هذا السياق، يعدّ كتاب المؤرخ الأمريكي بيتر غران «الجذور الإسلامية للرأسمالية في مصر 1760ـ 1840» من أولى الدراسات التي حاولت القول بأن الجبرتي وغيره من العباقرة يعكسون شكلاً من الحداثة المحلية والتطور الذي عرفه عدد من البلدان والمدن المسلمة في القرن الثامن عشر، وبالتالي فإن سردية نابليون والحداثة غير دقيقة، وإن الفترة التي سبقت قدومه لم تكن فترة ظلمات. مثل الشيخ حسن العطار بطل كتاب غران، فهذا العالم المتوفّى في 1835 كان قد نشأ وعمل في القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، وقد لعب هو وعدد كبير من التجار ورجال الدين دوراً في الإصلاح الفكري والديني، وتشجيع التجارة عبر المتوسط، بيد أن الدارسين لعصر النهضة أو التاريخ الحديث كانت معرفتهم به وبرفاقه ضئيلة إلى حد ما.


أما محاولة إعادة تفسير هذا العالم أو التشكيك بسردية الحداثة الغربية، فستبقى الهاجس الذي تدور في فلكه كل أبحاث غران، وهو ما تمثل في كتابه المترجم مؤخراً للعربية «صعود أهل النفوذ: رؤية جديدة لتاريخ العالم الحديث»؛ فبدلاً من ربط الحداثة وتاريخ العالم المعاصر بصعود الغرب، يحاول غران تحدّي هذا المنهج السائد عبر القول بأن من صعد بعد القرن السادس عشر ليس الغرب، وإنما هو عالم أصحاب النفوذ، وغران هنا وخلافاً للسقطات التي يقع بها كثيرون من أبناء سردية التشكيك بالدور الغربي المركزي، وبالأخص مدرسة ما بعد الكولونيالية، نجده يبدو أكثر حذراً في هذا المقترب، أو طرحه لمنهج بديل، إذ يرى أن طرح هذا المنهج يتطلب الخروج من أسر الرؤية التآمرية لصالح ما يدعوه حساسية مهنية وتاريخية تقوم على أدلة واستدلالات، هيكلية والاعتماد على مصادر أكثر قبولاً.
ولكن ما المقصود بـ»صعود أهل النفوذ»؟
يعتقد غران أنه منذ القرن السادس عشر فصاعداً، شهد التاريخ الحديث تطور مجموعة من العلاقات المضطربة، ولكن الحميمية للطبقات الحاكمة القومية والعناصر المهيمنة على مستوى العالم، وقد أدت المصالح الطبقية المشتركة إلى دفع هذه الجماعات نحو تشجيع تطور السوق، كانت هذه الجماعات، ولا تزال، تتمتع بالثراء.
هنا يعود غران ليؤكد، كما في كتابه الأول، أن أصول النظام الرأسمالي وتطوره لم تنشأ في الغرب وحسب، وإنما في باقي بلدان العالم، من خلال أصحاب النفوذ، وهو بذلك يقطع مع الرؤية التي تتحدث عن انبعاث لهذه الفكرة في الغرب فقط.

 الملاحظ في رؤية غران، وعلى الرغم من محاولته الخروح من أسر مقاربة صعود الغرب ودوره في خلق المشروع الرأسمالي والحداثة، أنها بقيت تدور حول الفلك ذاته الذي يفسر أسباب تدهور عالمنا الثالث بمصالح أصحاب النفوذ.

لدعم حجته وفكرته، قسم غران كتابه لخمسة أجزاء. في الأول يتخذ نظرة نقدية واضحة من الليبرالية والماركسية باعتبارهما وجهتي النظر الشاملتين اللتين تعتبران الأساس الداعم لمنهج صعود الغرب اليوم. يرى غران من خلال عودته للتاريخ الاقتصادي الماركسي المعاصر، أن ما يصل إليه هذا التاريخ قريب مما وصلت إليه السرديات الليبرالية الجديدة، وإن اختلفت اللغة والمنهج.. فرغم أن الخطاب الماركسي يبدو انتقاداً عنيفاً لليبرالية، إلا أن تفحصه بنظرة أعمق تبيّن أن النقد في معظمه محدود محصور داخل الإطار العملي الذي خلقته الليبرالية. وحيثما تميل الليبرالية نحو غائية يوتيوبية، تميل الماركسية نحو صورة الواقع المرير في المستقبل، ولذلك فهما يفشلان في تفسير التاريخ العالمي، كما يبقيان يدوران في الرؤية ذاتها التي ترى في الغرب مؤسساً للرأسمالية العالمية.
ولتجاوز هذه الرؤية يبدأ غران بتقديم منهجه البديل، من خلال دراسة الفترة الممتدة بين عام 1550 حتى 1850، أي الفترة التي تبدأ منذ ميلاد الرأسمالية الحديثة حتى خلق الدولة القومية الرأسمالية. ولفعل ذلك يركز على دراسة دور الدبلوماسية والعلاقات الثنائية الجديدة، التي ساهمت في انتشار طراز جديد للسوق. إذ عرفت بلدان هذه الفترة ولادة مجموعات كبيرة سُمِّيت «الرجال الجدد»، وقد عمل هؤلاء على تحقيق تراكم من خلال توسيع الأسواق والسيطرة والنهب في الغالب. وخلافاً لرؤية آدم سميث من أن الرأسمالية كانت تجري في سوق يجري فيه تبادل حر وقانوني، سيحاول عبر عدد كبير من الأمثلة تبيان أن هؤلاء الرجال، ليس في الغرب وحسب، قد لعبوا دوراً في السيطرة على الأسواق وولادة السوق الرأسمالية وعالم الدبلوماسية وبدونهم من الصعب تخيل هذا الظهور.
يؤكد غران، في الفصل الرابع «العالم ما بعد 1850»، أنه رغم مساهمة الدولة القومية الرأسمالية في أوروبا في ظهور أوسع لرجالات أوروبا. مع ذلك لم يلغَ دور باقي أصحاب النفوذ في دول العالم، وهو ما يؤكده ازدياد أعداد المعاهدات الدبلوماسية بين الدول التي بقيت تحمي مصالحهم الاقتصادية. غير أن الجديد تمثل في ولادة أنواع جديدة من المعارضات السياسية. فعلى سبيل المثال، نُظِر للطبقة الوسطى في الثورة البورجوازية بوصفها الطبقة التي ستُحدث تغييراً حتمياً، وبعد ذلك ظهرت نظرية نضال العمال، والواقع اليوم يؤكد أن الحكام يخشون أشكال احتجاج جديدة. هنا نجد غران يلمح إلى ما عرّفته العلوم الاجتماعية في العقدين الأخيرين من دراسات جديدة حيال طبيعة حركة الاحتجاجات وأشكالها المختلفة، من هنا يعتقد غران أن ما ميّز فترة 1850 عما بعدها هي هذه الأشكال التي قد تحدّ من سيطرة النفوذ.
أما في الفصل الأخير، فقد حاول تطبيق منهج أهل النفوذ على الولايات المتحدة، وهنا يقدّم غران تصوراً مغايراً، وربما قادراً على تفسير الكثير من التحركات، التي نراها اليوم بين عدد من قادة المنطقة، واللوبيات في الولايات المتحدة الأمريكية. فانطلاقاً من فكرة أصحاب النفوذ يرى غران أن نجاح الطبقات الحاكمة في العالم الثالث لا يعود لكون هذه الطبقات مجرد وسطاء أو وكلاء للمصالح الغربية (كما هو سائد اليوم في القراءات العربية) وإنما يعود لقدرة أصحاب النفوذ على إيجاد مصالح مشتركة مع لوبيات النفوذ في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى لو كان ذلك على حساب قيم أمريكا، أو مصالحها أحياناً، فما يحكم أحياناً هي مصالح أصحاب النفوذ في كلا العالمين.
بيد أن الملاحظ في رؤية غران، وعلى الرغم من محاولته الخروح من أسر مقاربة صعود الغرب ودوره في خلق المشروع الرأسمالي والحداثة، أنها بقيت تدور حول الفلك ذاته الذي يفسر أسباب تدهور عالمنا الثالث بمصالح أصحاب النفوذ. وبالتالي يبقى السؤال هنا، عن مدى قدرة هذه القراءات اليوم على تفسير أسباب ما تعيشه هذه البلدان منذ قرن تقريباً وأكثر.

٭ كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*