من البطريرك حويك إلى منح الصلح.. “إنجيلنا السياسي” الجديد: الدستور يجب أن تضعه الهويات

ربما سيخالفني الدستوريون العقائديون على موقفي في هذا المقال، لكن نقد العقل الدغمائي تتولاه صيرورة الواقع التاريخي التي تكشف التناقض وتعمل على إيجاد المصالحة بين المتناقضات. والحال أن التناقض قابع في عمق العلاقة بين الدستور والميثاق عندنا تحت إشكالية الوحدة والتعدّد. وهذا التناقض يظهر تاريخيًا تحت ظاهرة تململ (malaise)، ناتج من ازدواج بين إعلاء شأن تركيبتنا التي نصفها بالنموذجية والتردد حيالها في آن، وبين الرغبة في القفز فوقها بإسقاط نموذجٍ متشبّه به، نتخيله ينتج واقعًا مغايرًا للواقع الذي نحن عليه. والحقيقة أننا لن نهتدي إلى مخرج لهذه الحال، إلا إذا قمنا بعملية “إعادة بناء معياري”، كما يقول أكسل هونت (Axel Honneth)، حتى يتصالح مخيالنا مع واقعنا، فنحقق القفزة المرجوة إلى الدولة التي نحلم بها، دولة تقوم على أرض اختبارنا التاريخي، تتصالح في بنيتها الوحدة والتعدّد، فتصير هي الأفق التأويلي الوحيد لتاريخنا وطموحاتنا.

والخطوة الأولى في إعادة البناء المعياري، تشترط البحث في أسباب التململ الذي يقف وراء الازدواج القابع في وجداننا. وبعيدًا عن هذا البحث يستحيل بلوغ مرحلة المصالحة الوجدانية، وبالتالي رفع الازدواج. وهذا البحث أداته الفعالة هو الحفر في قاع وجداننا سعيًا وراء أصل التململ.

وللقيام بعملية الحفر هذه، أستعين بنص مقتضب، من المرحوم منح الصلح، يقول فيه : “إن عددًا من الباحثين في مرحلة عصبة الأمم ما بعد الحرب العالمية الأولى فوجئ بالاعتراضات التي صادفتها فكرة إنشاء الدولة اللبنانية بجغرافيتها الحالية حتى بين من كانوا يوصفون بأنهم متعاطفون مع لبنان. فقد كان هؤلاء يعارضون بقوة فكرة أي دولة تكون مختلطة المذاهب والأديان وطرائق العيش. إذ كانت تطغى السلبية في معظم المباحثات ضد أي طلب من لبنانيين بأن يكون على هذه البقعة من شرق المتوسط دولة تكون مشتركة بين من لا يجمعهم دين واحد. بل إن جميع الشخصيات اللبنانية التي ذهبت في تلك الفترة إلى جنيف ولوزان بقصد الدعوة لفكرة لبنان […] عادت بانطباع واضح بلا شعبية أي مشروع دولة متعددة الألوان والتكوين. عاد الكثير من هؤلاء الذين ذهبوا في ذلك الوقت وفي ذهنهم وجود أوروبي غربي متعاطف مع لبنان الجامع الذي يحلمون به، بقناعة راسخة أن لبنان الذي يريدون والذي هو مؤلف من أديان وبيئات متعددة، مخيف بل بغيض لمعظم طابخي المشاريع الدولية والكيانية في تلك الفترة.

كان هؤلاء يفاجئون اللبنانيين بالسخرية من هذا الكيان الجامع الذي يريدونه لطوائفهم ويعتبرونه لا واقعيًا وغير قابل للحياة ومضرًا للمطالبين به […] كانت الفكرة الأكثر قرباً لعقول هؤلاء الأوروبيين أن تقوم دولة مارونية بحتة وأخرى سنية بحتة وثالثة شيعية بحتة. وظلوا خلال كل المحادثات عند هذا الرأي. وعندما رفض اللبنانيون جميعهم هذا النوع من الخريطة المذهبية، سلموا للبنان بما يطلب من دولة جامعة تشمل عددًا من الطوائف. ولكنهم عوّضوا عن ذلك بنقل فكرة الدولة المتعددة الطوائف والمذاهب إلى سوريا فأنشأوا خريطة لسوريا الحالية متعددة الكيانات وجعلوا للسنة دولتين هما دمشق وحلب، وللدروز دولة عاصمتها السويداء، ولبلاد العلويين دولة عاصمتها اللاذقية، وللمسيحيين دولة في القامشلي، ودعموا تلك الخريطة التعددية بأنماط من الأشكال الإدارية المفصلة تفصيلاً على كل لون خاص من الكردية إلى الأرمنية إلى الأشورية إلى التركية إلى البدوية إلى آخره.”

ما قدّمه منح الصلح، يضعنا في صلب التململ، وهو أن في أصل النظرة إلى لبنان شك في استحالة التوفيق بين الدولة الحديثة وطبيعة التركيبة اللبنانية، يعني بين الوحدة والتعدّد. وهذا الشك يؤيده لبنانيون كثر أيضًا. هنا أصل التململ في نظري، وما ينبته من شك تجاه هذه التركيبة على رغم تقديرنا لها وتغنينا بها. وهذا ينعكس عند البعض على فهم الميثاق أيضًا، إذ ينظرون إليه عقبةً في وجه الدولة.

نجد صدًى لما قاله منح الصلح في أرشيف البطريرك الحويك. ولعل ذلك كان وراء دفاع البطريرك المحكم عن التركيبة اللبنانية الذي لم يستند إلى أفكار وهمية أو مشاريع خيالية، بل إلى حصيلة تجربة تاريخية هي ابنة الواقع بما فيه من تناقضات. وهذه التجربة لم يناصرها البطريرك رومانسيًا، بل بالاستناد إلى حصيلة التجربة التاريخية في مسارٍ أسميه مسار تجربة دستورية جنينية أرسيت تاريخيًا من الإمارة وتطورت بنيتها مرورًا بالقائمقاميتين، وصولاً إلى المتصرفية. ومن قرأ بتأنٍّ نصوص البطريرك الحويك وجد لازمة أساسية فيها: توسيع لبنان على أساس روحية المتصرفية. ويظهر ذلك جليًّا في المذكرة التي رفعها إلى مؤتمر الصلح سنة 1919تحت عنوان: “مطالبات لبنان” التي وصفها بـ”إنجيلنا السياسي”، حيث شدّد على الخصوصية اللبنانية مبدأً للإستقلال. يقول في الفقرة الرابعة بعنوان “إعتبارات حضارية”: “إن مرحلة الحضارة التي بلغها لبنان تشكّل لهذا البلد، ذي التركيبة الشديدة الدقّة والمميزة، عنوانًا من العناوين التي لا نقاش فيها في ما خص الاستقلال”. وتضيف الوثيقة، في مكان آخر مخصّص للإنتداب، تفصيلاً مهمًا على هذا الصعيد، يقول فيه البطريرك: “ونحن مقتنعون بأن فرنسا المنتدبة ستعمل كل ما في وسعها لكي تدعّم الوحدة الوطنية بين طوائف لبنان لا أن تقسم الشعب اللبناني، وأنها، في نظام ديمقراطي، حيث المجلس المنتخَب ينعم بكل صلاحيّات البرلمانات الغربية، ستساعد على احترام سائر الحريات والتمثيل النسبي وستحافظ على حقوق الأقليات”. إلى ذلك يتبيّن خيار البطريرك بشكل أوضح في خطاب ألقاه أمام كليمنصو يتحدث فيه عن “هذه التركيبة الشديدة الدقة والتميّز”، يقول فيه: “إسمحوا لي، يا دولة رئيس مجلس الوزراء، أن ألفت انتباهكم إلى هذه الميزة التي تكشف عن تطوّر عميق عظيم التبعات، الأولى في الشرق، التي تُحِل الوطنية السياسية محلّ الوطنية الدينية.

وبحكم هذا الواقع، ينعم لبنان بطابع خاص، وبشخصية يحرص على الحفاظ عليها قبل كل شيء. لذلك، ولمصلحة الحضارة نفسها، لا يستطيع لبنان أن يضحّي بهذه الميزة لأيّ اعتبار مادي الطابع. من هنا منشأ مطلب لبنان الذي هو الإستقلال المطلق الذي أعلنه والذي يطلب اعتراف مؤتمر الصلح به.”

إن نص منح الصلح ومواقف البطريرك الحويك، تظهر، لب المشكلة الكامنة وراء التململ، والتي أختصرها على الشكل التالي: هناك نظرة مشكّكة ورثناها من أصحاب نظرية الدولة – الأمة على الشاكلة اليعقوبية تجاه تركيبتنا، وفي الوقت عينه نشعر بميزة هذه التركيبة وجدواها لا من حيث هي تعايش بين طوائف وحسب، بل من حيث أنها دخلت مسارًا مؤسسًا دستوريًا. ومن المؤسف أن هذا المسار لم يجد مكانًا له في صيغة تؤالف بينه وبين مقدمات دستور 1926 المستنسخة عن التجربة الفرنسية بصورتها اليعقوبية.

وهنا مكمن التململ، في التوفيق بين الوحدة والتعدّد دستوريًا بشكل بنيوي في الدستور لا في مواد ملتبسة وموقتة. والذي ساهم في تعزيز هذا الشك هو أننا بدل البحث عن سبل المصالحة الحقيقية بين الاثنين، لجأنا إلى الصيغة السياسية للقيام بواسطة هشّة، أدت من جهة إلى تشويه معنى التجربة كتجربة لها بعد حضاري، وبالتالي تشويه الميثاق، ومن ثم تقزيم معناه إلى حدود اتفاق مصالح بين شخصيتين؛ ومن جهة ثانية إلى تكبيل الدستور وتعطيل مفعوله، وبالتالي إنهاك الدولة.

عند هذا الحد يأخذ عنوان مقالي كل أبعاده، إن مشكلة العلاقة بين الوحدة والتعدّد هي مشكلة تقع على مستوى الدستور، لا على مستوى الميثاق والتعدّد (وهنا المقصود الجماعات)، لأن الطبيعة الميثاقية للبنان تقبل أي تعدّد، وبالتالي القضية ليست قضية الميثاق والجماعات بل خلفية الدستور في التعامل معها.

وفي يقيني أن المسألة دستورية. والدخول إليها يحتاج إلى الكشف عن المعايير التي ننطلق منها والقيام بتقويمها. هنا نصل إلى المرحلة الثانية من “إعادة التكوين المعياري”. منذ نشأة لبنان هناك توجهان يتجاذبان فهمنا للدستور وعلاقته بالميثاق:

التوجه الأول، يجد شبه استحالة في التوفيق بين الجماعات والدولة، لأن الدولة إما أن تكون الدولة – الأمة أو الدولة – القومية على الشاكلة الفرنسية أو لا تكون، كما يختصر موقف هذا التوجه إدمون رباط: “إن الكيان اللبناني هو نتيجة النظام الطائفي، وهذا يتضمّن تطوّر الميثاق الطائفي، المدعو وطنيًا خلافًا للأصول، الى أن يصبح أداة للدمج الوطني”. وهذا يفرض في نظره تبنّي الدولة الحديثة المؤسَّسة على العلمنة التي “تكون نتيجتها المباشرة الدمج الوطني الذي يمتص الخصوصيّات الدينيّة والمناطقية. إنّه دمج يغذّيه، بدون تردّد، تيّار الحس الوطني [المؤدي] الى إقامة الدولة-الأمة.”

التوجه الثاني، أكثر واقعية بالمعنى التاريخي للواقعية، وهو ينطلق من تجربة لبنان التاريخية. وأفضل من يعبّر عن هذا التوجه نجده عند أنطوان مسرّة (واختياري لمسرّة مردّه إلى الخلفية الدستورية عنده). يكتب مسرّة: “(…) إن سياسيّي 1943 لم يخترعوا شيئًا والميثاق الوطني يمثّل نهاية الاختمار التاريخي (…).” ومن ثم يعتبر أن ميثاق 1943 يشكل “(…) مرحلة من التطور الإجمالي في تكوين الهوية اللبنانية وتنظيم خاص وظرفي لخاصّيات أنموذج توافقي في الحكم في زمن معيّن من تاريخ لبنان السياسي.”

إذًا نحن أمام نظرتين معياريتين مختلفتين تمامًا، تقفان وراء الازدواج في وجداننا، وتؤثران في فهم موقع الميثاق الوطني في تركيبتنا. في النظرة الأولى الميثاق مرحلي كمقدمة للدولة-الأمة بنموذجها الدستوري المستنسخ (لا أغفل هنا الدور الذي لعبه اللبنانيون في لبننة الدستور الذي أتى به الفرنسيون، لكن القضية هي في المقدمات لا في المعالجات)، أما في النظرة الثانية، فالميثاق تأسيسي لبلوغ دولة تعبّر عن نموذجها بدستور تستولده من هذه التجربة.

النظرة الأولى بعيدة عن ديناميكية التاريخ، لأنها رهينة نظرة وضعية مجرّدة ومجرِّدة بالكامل. هي الأسهل نظريًا، لا تاريخيًا. وهذا على كل حال واضح منذ دستور 1926، بأن هناك استحالة في تطبيق هذه النظرة حتى لو عمل البعض على محاولة فرضها بين الفينة والأخرى.

النظرة الثانية، وهنا أستوحي من هيغل وهونت، تنطلق من تربة التجربة التاريخية والعلاقة التاريخية بين الوجدانات وتوصل إلى دستور، يقول فيه هيغل في فلسفة الحق: “لا بد من أن يكون عند الشعب تجاه دستوره الشعور بأن هذا الدستور يمثل حقه وحاله كشعب، وإلاّ بقي وجودًا خارجيًا، لا يملك معنى أو قيمة عند هذا الشعب” (§ 274). وعندما أطلق هيغل هذا الموقف، كان في معرض انتقاده لنابوليون الذي فرض على الإسبان دستورًا لا صلة له بالتجربة الإسبانية.

هنا لب القضية أي خيار معياري ومن أي براديغم نستوحي هذا الخيار. وهنا نصل إلى المرحلة الثالثة من “إعادة البناء المعياري”. دستور 1926 في فلسفته العميقة أي في صلب بنيته، رغم التعديلات التي أدخلت عليه، لا مكان فيه للمكونات إلا في بوتقة الأمة التي تهدف إلى “الدمج الوطني الذي يمتص الخصوصيّات” كما قال ربّاط. وهذا منشأ التضاد بين مقدمات الدستور (والمقصود هنا لا مقدّمة الدستور بعد وثيقة الوفاق الوطني، بل الأساس المعياري الذي بني عليه الدستور) ومقدمات الميثاق عندنا.

موقفي هذا لا أقصد به الدعوة إلى سيطرة الجماعات على الدولة، بل إن نتائج هذا التضاد الماثل أمامنا في تعثّر الدولة، يحتّم علينا البحث عن سبل المصالحة بين وجداننا وواقعنا أي الدولة، حتى يرفع التضاد وبالتالي يزال التململ. وهذا لا يكون إلا بـ”إعادة بناء معياري” يأخذ من واقع تجربتنا التاريخية منطلقًا، ويقوم بالبحث عن العناصر المؤسسة في هذه التجربة ودرس إمكان تلاؤمها مع الأسس الدستورية، لا مع بنية مستوردة للدستور نعمل على جذب الواقع نحوها حتى يتطابق معها. هكذا لا يبقى الميثاق كما هي الحال في دستورنا، بمعزل عن مقدّمة الدستور التي قيل إنها تعبير عن الميثاق، وفي نظري ليست كذلك بالكامل، محصورًا في الصيغة. الميثاق في مدلولاته أوسع من الصيغة، إنه تجربة حضارية لم تنضج بعد معانيها ومراميها في وعينا، لأننا وللأسف نستلذ السلطة لا المعاني الحضارية، ولهذا لم نتعمّق فيها بما يحق لها.

هذه المهمة لم يعد بالإمكان تجاوزها، إذا كنا نريد أن نجعل العلاقة بين الميثاق والجماعات على تآلف بنّاء مع الدولة. وعدم إمكان تجاوز هذه المهمة يمليه علينا أيضًا التحول الحاصل اليوم على المستوى العالمي، في وقت تمر الأنظمة السياسية في مرحلة بحث جديد عن العلاقة بين الوحدة والتعدّد. أقرب مثال على ذلك مقدونيا والاستفتاء في كاليدونيا وسواهما من الأماكن… إنها الخصوصيات التي تبحث عن مقام ودور لها.

هذه الظاهرة من التمسك بالخصوصيات، هي محط اهتمام اليوم في النقاش العالمي، حتى إنها حملت منذ زمن عند البعض إسم “القبلية الجديدة”، لا بمعنى العصبية عند إبن خلدون، بل بمعنى الهوية التي تبحث عن تحقيق ذاتها من منطلق حقها في الأمر. من بين الذين اهتموا بهذه الظاهرة، مايكل ولتسر (Michäel Walzer ) الذي قال في مقال نشره سنة 1992 بعنوان: “القبلية الجديدة” (le nouveau tribalisme): “القبائل تعود … وتحديدًا في الأماكن حيث قمعت بشكل عنيف أو حيث حرمت من المشاركة في المرافق الحكومية” (44). وهذه الظاهرة تمنع في نظره اللجوء إلى قاعدة عامة أو قواعد حصرية لتحديد شكل مشاركتها، مع العلم أنه يرى بالإمكان وضع مبدأ ديمقراطي متفق عليه في السياسة الدولية كأساس لإرساء المشاركة هو تعزيز “قيمة الجماعة التاريخية، والثقافية والدينية والحرية السياسية لأعضائها”(47). وموقف هذا آتٍ من اعتقاده بأن الجماعات كمكونات اجتماعية هي وحدها تملك وجودًا فعليًا وأعضاءها لهم حقوق متأصلة بكونهم أعضاء في جماعة (47). فلا فائدة في نظره من إخضاع الكل لدولة محايدة (47) لها تاريخ واحد وشكل واحد من العلاقات (47-48). كما لا تنجح محاولة نزع الطابع الجماعي للقبائلية عن طريق الإكراه القانوني (48). الحل الناجع يقوم في رأيه على تعددية الكيانات السياسية والقانونية التي تجيز للجماعة الانفصال لا بالمعنى الجغرافي، ضرورة، بل بما يعطي الجماعة وجودها الفعلي والفاعل أي حقها في المشاركة(48).

هذا المخاض يأتي في وقت تمر فيه الدولة-الأمة بدورها في مرحلة كسوف. ومن العناصر المؤثرة في هذا الكسوف هو أن الدول الأمم أرسيت على وحدة متخلية في القومية، أدرجت التعدد تحت هذه الوحدة، كتبرير لوحدة المنظومة القانونية نظريًا وعمليًّا. لكن التجربة التاريخية تدل على أن الدمج القومي لم يعطل الوعي الخاص بالخصوصيات ولم يحتل مقام الهوية فيها. والدليل على ذلك ما نشهده من تخبط في أوروبا اليوم على هذا الصعيد مع ظاهرة الهجرة. والسبب يعود هنا إلى أن الدمج القومي كان له استعدادات مجتمعية، إذ أن أغلب المجتمعات هناك كانت شبه موحّدة حضاريًا، فأتت القومية على أساس رافعة الوحدة الثقافية.

لكن مع دخول هويات جديدة وافدة تحمل حضاراتها معها، ولد النقاش عن موقع هذه الخصوصيات وفهم دورها. هذا الواقع دفع بالدستوري الألماني الشهير فولفغانغ بوكنفوردي إلى القول: “إنّ الدولة المدنية الليبرالية تعيش على شروط، لا يمكن أن تضمنها.”

وهذا المخاض يعني أيضًا أن كسوف الدولة – الأمة، يحمل تحوّلاً في مفهوم الدولة الدستورية (Verfassungsstaat) الديمقراطية وصلاحياتها في إدارة المجال العام (new public management). إذًا لا بد من قيام بناء دستوري لا يستند إلى فكرة الدمج في بوتقة متخيلة قوميًا أو وطنيًا، بل إلى مبدأ تعدّد الهويات وما يجمع في ما بينها، أي على “نحن-هوية” نابعة من تربة التاريخ الواقعي لا من منطلق مقدمات مفترضة. بالنتيجة لم يعد بالإمكان التفكير بدولة محايدة تجاه مكوناتها من منطلق التسامح، بل بات ملحًّا التفكير بدولة ديمقراطية مبنية على ديمقراطية المشاركة على قاعدة التواصل المجتمعي. إنها العودة إلى الواقع بواقعيته. وهذا يتطلب الاعتراف لا بالتعدّد وحسب، بل بقدرة الهويات ومن دون تردد على المساهمة في استخراج دساتير تمثلها حقًا، لأن هذه الهويات فيها “قوة عقل”، كما يقول يورغن هابرمس.

هذه المهمة معروضة علينا أيضًا نحن اللبنانيين، إذا كنا نريد حقًا التصالح مع تاريخنا الذي يجد عصارته في تجربة تاريخية عبر عنها الميثاق كميثاق (لا الصيغة). وهي مهمة تستحق العناء، حتى نحدّد صراحة موقع التعدّد ودوره في بنية دستورية متصالحة مع تاريخنا، فلا نعود نلجأ إلى الصيغة لنقيم مصالحة جزئية ومرحلية لهذا التضاد الكامن بين الميثاق والدستور. فالدول تتقدم من تصالح بين ميثاقها ودساتيرها. أقول ميثاق بالمفرد، لأن الميثاق لا يتكرّر مضمونًا بل يستعاد تأويلاً كمصدر إلهام في مراحل التطور التي يفرضها التاريخ على المجتمع، فيكون أن الدساتير، بالجمع، هي التعبير عن تأقلم المجتمع مع التطور على أساس ثابتة تاريخه المختزنة في ميثاقه. هذه المهمة تنادينا نحن اللبنانيين لنخرج من هذا التململ الذي نعيش بين واقعنا وما نرجوه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*