امتداد الأراضي التركية على رقعةٍ تربطُ آسيا وأوروبا يكسبها مزيداً من الاتساع والثراء الثقافي والاجتماعي، لكنه على جانبٍ آخر يفجرَ تساؤلات حول انتمائها ومواقفها وهويتها الحضارية.. من يصنع القرار التركي؟ هيَ.. أم تأرجحها الحضاري بين الغرب والشرق، والذي عطف حكوماتها بمتغيراتٍ وأزماتٍ لا تزال ذيولها حاضرةً حتى اليوم..

التأرجح الاجتماعي.. صدمةٌ فجة

التأرجحُ بين الحياة الاجتماعية الشرقية والغربية أولُ المواقف التي صدمَتِ الشعب التركي عند تأسيسِ الجمهورية، فقد حاولت حكومة أتاتورك 1923 – 1938 أن تفرضَ نمط الحياة الاجتماعية الغربية في اللباس والعادات والتقاليد الأوروبية بطريقة فجَّة وقاهرة.

التأرجحُ بين الحياة الاجتماعية الشرقية والغربية أول المواقف التي صدمَتِ الشعب التركي عند تأسيسِ الجمهورية

ما أعطى انطباعاً أن الجمهورية التركية الناشئة تسير في ثقافتها الاجتماعية نحو الغرب أيضاً، وصل الأمر إلى منع الأذان باللغة العربية، محاولةً لعزل العبادة عن انتمائها الشرقي، وباتت المناداة للصلاة باللغة التركية، وأُغلِقَت معاهد التعليم الديني، كل ذلك كان لفرض نوعٍ من العلمانية التربوية والتعليمية.

بقيت تركيا في هذا الضغط الاجتماعي غير المنسجم مع الهوية الحضارية لشعبها عقوداً متواليةً، حتى بداية انتصاف القرن الماضي تقريباً، ثم بدأت الحكومات التالية تصحيح الصورة الاجتماعية للبلاد بحسب ما يريده الشعب، عن طريق صناديق الاقتراع الديمقراطي، واختياره الحكومات التي ترفع شعارات الانتماء للهوية الاجتماعية التركية الأصيلة، وتضع في برامجها الانتخابية التأصيل للانتماء الحضاري للتاريخ التركي.

فأعاد الحزب الديمقراطي برئاسة عدنان مندريس وجلال بيار بعض المظاهر الاجتماعية الحضارية للشعب التركي منذ اختياره في أول حكومة منتخبة بعد عهد الحكم الشمولي وحكم الحزب الواحد، منها إعادة رفع الأذان باللغة العربية، وإعادة فتح مدارس التعليم الديني، وتخفيف الحظر عن ممارسات الطرق الصوفية.

في الاقتصاد.. اشتراكية وإرث عثماني ثقيل

أما التَّأرجحُ بين الشرق والغرب في المجال الاقتصادي كان واضحاً وقوياً أيضاً، فرئاسة مصطفى كمال أتاتورك، ومن بعده عصمت اينونو قد فضلت الأخذ بالنهج الاقتصادي الاشتراكي الشرقي، وكان هذا ينسجم مع أيديولوجية الحزب الحاكم والوحيد في السلطة “حزب الشعب الجمهوري”، الذي أسسه أتاتورك وحكم به تركيا طوال حياته وبعده لأكثر من ربع قرن (1923-1950).

وقتها كانت الجمهورية التركية دولة شمولية يتولى الحزب الحاكم كل شيء بما فيها الشؤون الاقتصادية، ومواقفها الاقتصادية أقرب إلى مواقف الحكومات الاشتراكية في عصرها الأول، مثل حكومات الاتحاد السوفيتي في عهد لينين وستالين، في التفرد بتقرير طبيعة اقتصاد الجمهورية التركية، والسيطرة كامل نشاطاته.

وكانت الاتصالات السياسية والاقتصادية قائمة بين حكومتي أتاتورك ولينين، مع وجود اتصالات مع الغرب، لكنها لم تكن بدرجة التعاون مع الشرق. وبقي هذا النظام الشرقي الاشتراكي يتحكم بالاقتصاد التركي حتى مجيء حكومة الحزب الديمقراطي المنتخبة عام 1950 برئاسة عدنان مندريس، بعد تشريع التعددية الحزبية السياسية في تركيا.

فكان خروج تركيا من نظام حكومة الحزب الواحد إلى التعددية السياسية على طريقة النظام السياسي الغربي، تأرجُحاً نحو الغرب في المجال الاقتصادي أيضاً.

تبنى رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس الدّعوة إلى تنشيط القطاع الاقتصادي الخاص في تركيا على الطريقة الغربية، رغم أن المواقف الاقتصادية التي ورثتها الجمهورية من الدولة العثمانية، هي طريقة الإشراف على إدارة الشؤون الاقتصادية أولاً.

ثانياً، ورثت الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي عانت منها الدولة العثمانية، والتي اضطرتها في المرحلة الأخيرة إلى تأسيس هيئة الاستدانة الخارجية، فكان الاستقراض باسم الدولة لمعالجة مشاكلها الاقتصادية أحدَ الحلول التي تواجهُ بها البلادُ مصاعبَها الاقتصادية.