الرئيسية / home slide / من أيقظ الصراع الشيعي ـ الشيعي في العراق؟

من أيقظ الصراع الشيعي ـ الشيعي في العراق؟

منذ 17 ساعة

أمير المفرجي
القدس العربي
07082022

تتوالى حلقات مسلسل الصراع الشيعي ـ الشيعي في العراق، وتتعدد سيناريوهات نتائج الانتخابات المبكرة الأخيرة، وتتنوع أسبابها وقراءتها بدءا من حالة التشكيك في نزاهتها ومن ثم المراوغة ووضع العراقيل للوصول إلى إعاقة اكتمال النصاب القانوني المطلوب، وصولا إلى الذهاب أبعد من ذلك عن طريق عملية اعتصام أنصار ومؤيدي التيار الصدري في مبنى البرلمان وخلَّق أزمة دستورية خانقة لا يعرف الطرفان المتصارعان كيف سيكون مصيرها.
لا شك ان انسحاب السيد مقتدى الصدر من البرلمان العراقي، والذي نتج في النهاية عن إبعاد تياره من الحكومة، كان قد أدى إلى غضب أنصاره ونزولهم للشارع واعتبار غيابه أشبه بعملية إقصاء على الرغم من فوزه في الانتخابات.
وباعتصام الشارع العراقي المؤيد للتيار الصدري في البرلمان واحتجاجه تحت قبته، تزايدت احتمالات فرض المزيد من الضغوط على نظام سياسي فاشل، تعصف به الأزمات منذ أن غزت الولايات المتحدة بلاد الرافدين قبل عقدين.
في المقابل يبدو واضحا ان تطور حدة الصراع بين السيد مقتدى الصدر وخصومه المتحالفين مع إيران، بالتزامن مع بدء المراحل الأخيرة لملف إيران النووي، بمثابة اختبار في قدرة طهران على درء نزاع قد يضر بمصالحها في العراق ودول المنطقة. حيث استطاع الإيرانيون في السابق وبسهولة، من خلال قاسم سليماني، جمع كل من مقتدى الصدر ونوري المالكي معا لتشكيل حكومة ونظام سياسي، يكفل استمرار تقاسم العملية السياسية الطائفية، ويخدم استراتيجية ومصالح نظام الولي الفقيه.
ثمة من يرى ان موقف التيار الصدري من خلال رفضه التعامل مع الإطار التنسيقي، جاء تناسبا مع نتائج الانتخابات الأخيرة، التي دفعت بتياره في المقدمة، وجعلت منه الزعيم الشيعي الوحيد الذي يتمتع بشعبية كافية لدفع التغييرات التي تحتاجها البلاد، بما في ذلك إنهاء عملية المحاصصة الطائفية واحتواء الميليشيات المدعومة من إيران. في الوقت الذي تسعى إيران للوصول إلى اتفاق في الملف النووي قد ينهي قدرتها على جمع مقتدى الصدر ونوري المالكي في ائتلاف شيعي مشترك.
ففي الوقت الذي يسعى الجانب الأمريكي والإيراني في محاولة أخيرة لإحياء الاتفاق النووي، الذي انسحبت منه الإدارة الأمريكية السابقة، تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية المزيد من التفاهم لا سيما قبول واشنطن إعادة النظر في ملف رفع الحرس الثوري من لائحة الإرهاب، على شرط قبول طهران بحل وسط يشمل البقاء على فيلق القدس على هذه اللائحة وهذا يعني قبول النظام الإيراني بوقف تدخله في العراق إذا أخذنا بعين الاعتبار الدور المحوري الذي يقوم به هذا الفيلق في تنفيذ سياسة الولي الفقيه التوسعية، ودور قاسم سليماني و إسماعيل قاآني في كل ما حدث وما يحدث في المشهد السياسي العراقي من خلال رسم سياسة العراق الطائفية وتجنيدها خدمة للمصالح الإيرانية في المنطقة.

دور الميليشيات وأحزابها في العراق

هنا لا بد من التأكيد على ان نجاح المحادثات في فيننا، مرتبط بقبول إيران للمقترح الأوروبي الذي يحظى بموافقة أمريكية لرفع الحرس الثوري عن لائحة الإرهاب الأمريكية، ورفع العقوبات المرتبطة بالملف النووي عنه، شرط الإبقاء على ما سمي «فيلق القدس» على لائحة الإرهاب، وفي حال تعهد طهران بعدم قيام هذ الفيلق أو أذرعه المتمثلة بالميليشيات بزعزعة استقرار وتوازن الشرق الأوسط، وأنهاء تدخلها العسكري والطائفي في العراق وسوريا واليمن. وهنا لابد من الإشارة ان الإدارة الأمريكية، أبدت حرصها على التمييز بين الحرس الثوري الداعم لاستمرار نظام الولي الفقيه في داخل إيران وفيلق القدس المسؤول عن الأنشطة المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، وقبول الطرفين الأمريكي والإيراني به كحلّ وسط.
وبمعنى آخر، وقف دور الميليشيات وأحزابها في العراق في رسم شكل النظام السياسي العراقي، وابتعاد طهران عن الساحة العراقية مقابل الخروج باتفاق للملف النووي الذي وصل إلى مراحله الأخيرة، وهذا ما قد يُفسر التطور الخطير الذي حدث أخيرا في المعادلة الشيعية ـ الشيعية وانقسامها في العراق في غياب عصا مايسترو السمفونية الإيرانية. وهذا ما قد يدفع للتساؤل عن طبيعة التغيرات المقبلة التي ستطرأ في العراق، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تطور الصراع الطائفي بين مقتدى الصدر ونوري المالكي، ووصوله إلى هذا المربع الخطير، الذي سيدفع لا محالة إلى نهاية العملية السياسية، التي لم تعد تتحمل المماطلة والترقيع.
من هنا يمكن اعتبار أزمة النظام السياسي العراقي بمثابة مرآة عاكسة للصورة المقبلة لنفوذ إيران الذي أخذ في التراجع، بعد ان كشفت التداعيات الأخيرة التي تشهدها العاصمة بغداد عن حجم الانقسام الديني والدنيوي بين الأحزاب السياسية، والتي تم وصفها من قبل المحللين على إنها «أزمة شجار النخب الحاكمة التي تسعى على إبقاء العملية السياسية الطائفية التي رعتها إيران واحتكارها لصالحها» إلى حد الاستمرار في البكاء على أطلالها، على الرغم من تضاؤل شعبيتها نتيجة سوء الحكم والإدارة وانتشار الفساد وتفشي الفقر والبطالة. لا شك في ان فشل العملية السياسية وتطور الصراع الطائفي على السلطة ووصوله لهذا المنعطف الخطير، ناهيك من حجم التطورات الحاصلة في مباحثات الملف النووي في مراحلها الأخيرة، ستحسم ملف العراق وإبعاده عن الفلك الإيراني سياسيا وعسكريا، في حالة رفض ملالي إيران القبول بحل مع المجتمع الدولي، أو حتى في حالة قبولهم بالمقترحات الأمريكية، فيما يخص الملف النووي وملحقاته، المتمثلة بوقف زعزعة النظام الإيراني للشرق الأوسط وأنهاء تدخل فيلق القدس في العراق وسوريا واليمن.
ان توقيت الصراع ووصوله لهذا التطور الخطير بين حلفاء الأمس وبالتزامن مع بدء المراحل الأخيرة للملف النووي الهادفة للوصول إلى حلول تضمن قبول الإيرانيين باتفاق كلي يشمل الملف النووي، وينهي سياسة طهران التوسعية قد ينتهي به الأمر أيضا بخسارة أطراف الصراع أنفسهم، وبالتالي إضعاف النظام الطائفي في بغداد وسقوطه.

 أمير المفرجي